قبل أيّام، وأنا أفْصل النّفايات في البيت، لفت انتباهي كيس كبير امتلأ بعبوات المياه البلاستيكية خلال فترة قصيرة. مشهدٌ بسيط من منزل واحد، لكنه يفتح سؤالاً أكبر: إذا كانت هذه الكمية من بيت واحد، فكم نستهلك من البلاستيك في مدينة مثل طرابلس؟ وأين ينتهي بعد استخدامه؟
هذا السّؤال أصبح أكثر أهمية خلال الصيف. فارتفاع درجات الحرارة، والانقطاعات المتكررة للكهرباء، واضطراب إمدادات المياه، كلها زادت الضغط على سوق المياه المعبأة. ووفق تقرير نشره العربي الجديد، شهدت الأسواق خلال يوليو وأغسطس نقصًا واضحًا في بعض منتجات المياه المعبّأة وارتفاعًا في أسعارها، بالتزامن مع تأثّر إنتاج بعض مصانع التعبئة بمشاكل الكهرباء والوقود.
الاعتماد على المياه المعبّأة ليس جديدًا في ليبيا؛ فوفق تحليل الأمم المتحدة للوضع في البلاد، كانت 50% من الأسر تعتمد على المياه المعبأة كمصدر لمياه الشرب، مقابل 29% تعتمد على الشبكة العامة، بحسب بيانات عام 2022.
ما حدث هذا الصّيف جعل هذا الاعتماد أكثر وضوحًا، لكنّه كشف أيضًا جانبًا آخر من المشكلة: كل عبوة مياه نستخدمها تتحول بعد وقت قصير إلى مخلفات تحتاج إلى جمع وفرز وإدارة صحيحة.
عبوات بلاستيكية جُمعت بشكل منفصل عن باقي النفايات قبل نقلها إلى إحدى نقاط التجميع في طرابلس. الصورة تبيّن كمية البلاستيك التي يمكن أن تتراكم في منزل واحد خلال فترة قصيرة.
مشكلة موجودة أصلًا
التلوث البلاستيكي ليس مشكلة جديدة في ليبيا أيضًا؛ مخلفات البلاستيك أصبحت جزءًا مألوفًا من المشهد في الشوارع والأراضي المفتوحة والأودية وعلى الشواطئ. وما لا يُجمع بشكل صحيح قد ينتهي في المكبات أو يُحرق أو يصل إلى البحر.
وفي طرابلس الكبرى وحدها، تشير بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى إنتاج قرابة 2,990 طنًا من النفايات يوميًا، وما يصل إلى 24% منها مواد قابلة لإعادة التدوير.
لذلك فإن زيادة استهلاك المياه المعبأة هذا الصيف لا تعني فقط طلبًا أكبر على المياه، بل ضغطًا إضافيًا أيضًا على منظومة نفايات تعاني أصلًا من ضعف الفرز والجمع وإعادة التدوير.
ولا توجد حتى الآن أرقام منشورة تقيس تحديدًا حجم الزيادة في مخلفات عبوات المياه خلال صيف 2026، لكنّ ما شهدناه من ارتفاع في الطلب ونقص في الأسواق يجعل من المهم الانتباه مبكرًا إلى الأثر البيئي الذي يأتي بعد الاستهلاك.
مياه الشرب أصبحت أيضًا عبئًا على بعض الأسر
ارتفاع أسعار المياه المعبأة، بما فيها العبوات الكبيرة، دفع بعض الأسر محدودة الدخل إلى البحث عن بدائل مجانية، مثل مياه السبيل الموجودة في بعض المساجد والمناطق العامة.
هذه المياه ليست بالضرورة غير صالحة للشرب، لكن المستخدم في كثير من الأحيان لا يعرف مصدرها، أو مدى انتظام تنظيف الخزانات وصيانتها، أو ما إذا كانت تخضع لفحوصات دورية.
وهنا تصبح المسألة أكبر من مجرد سعر المياه أو توفرها، وتتحول إلى سؤال حول الوصول إلى مياه شرب آمنة وموثوقة للجميع.
ماذا نستطيع أن نفعل؟
من غير الواقعي مطالبة الناس بالتوقف عن شراء المياه المعبأة عندما تكون بالنسبة لهم الخيار المتاح أو الأكثر موثوقية.
لكن يمكن تقليل كمية البلاستيك الناتجة عنها باختيار العبوات الكبيرة قدر الإمكان بدلاً من شراء عدد كبير من العبوات الصغيرة، واستخدام قارورة معدنية قابلة لإعادة التعبئة من مصدر مياه موثوق.
والأهم هو فصل البلاستيك عن باقي النفايات.
الكيس الذي جمعته في البيت كان يمكن أن يذهب بسهولة مع باقي القمامة. لكن بمجرد فصله، أصبح بالإمكان نقله إلى نقطة تجميع بدلاً من أن يصبح جزءًا جديدًا من المخلفات المنتشرة حولنا.
أين نأخذ البلاستيك؟
توجد في طرابلس وبنغازي ومصراتة وسبها شركات ومبادرات خاصة تعمل في جمع أو شراء وفرز وإعادة تدوير المخلفات البلاستيكية. لكن طريقة الاستلام وأنواع البلاستيك والكميات المقبولة تختلف من جهة إلى أخرى، لذلك من الأفضل التواصل معها مسبقاً.
وفي طرابلس، جمعت عددًا من نقاط تجميع البلاستيك في قائمة واحدة على خرائط Google، لتسهيل الوصول إلى أقرب نقطة:
وجود هذه المبادرات مهم، لكن المواطن لا يفترض أن يبحث بنفسه كل مرة عن مكان يضع فيه البلاستيك. نحتاج إلى نقاط فرز وتجميع واضحة وموزعة داخل المدن، ومنظومة تجعل فصل النفايات وإعادة تدويرها ممارسة عادية وليست مجهودًا فرديًا.
حل أزمة المياه يحتاج إلى سياسات وبنية تحتية أفضل، وحل مشكلة النفايات يحتاج كذلك إلى منظومة حقيقية للجمع والفرز وإعادة التدوير. المسؤولية لا يمكن أن تقع على الأفراد وحدهم.
لكن إلى أن تتحسن هذه المنظومات، يمكن لخطوة بسيطة مثل فصل البلاستيك ونقله إلى نقطة تجميع أن تمنع جزءًا منه من الوصول إلى الشارع أو الشاطئ أو البحر.
المياه التي نحتاجها اليوم لا يجب أن تترك وراءها مشكلة بيئية تبقى معنا لسنوات.