دروج Drooj

عبثٌ وحُرقة.. مشاهد متناثرة من حولي

تنتزع مشاهد العبث اليومية ما تبقى من قدرتنا على التحمل. في هذا البلد، كل شيء يمهّد لسطوة حزن متصلب وعريق. تُصاب زناقي الشوارع بالجنون وتحتضر حوايز الريف. دون أي انتباه، عجوز يقف بهلع أمام جنان البرتقال خاصته، يعلن حداده بهيبة، قد أفنى عمرًا يعتني بأشجاره، كان الربيع مبشرًا هذا العام، كانت تملأ ثنايا الحوازة روائح أزهار البرتقال، جفت الثمار وغصت أوراقها من قلة الماء، تنقطع الكهرباء لساعات طويلة، أطول من عمره. قد عاصر فترات عصبية، وانتصر على الجوع وتعلم من الحياة. في النهاية، هزمته اللامبالاة والمصالح الضيقة لحكام وطنه.. لن يسمع بقصة بستانه وزير الزراعة، ولن تمنحه وزارة الاقتصاد القروض لتعويض شقاء عمره.

في الطرقات، ترصد على وقع الازدحام ودخان السيارات وشحوب المباني، أشخاصًا هائمين على وجوههم، يكرر أحدهم بلا تعب، عبارات تصف الخيانة وتجرّم العمالة. تهيم أخرى وتقطع مسافات طويلة، تحمل كيس بلاستيك وتنوح في صمت. لا يُلاحظ هؤلاء الشمس ولهيبها، ولا تلاحظ الدولة وجودهم. تبقى الأمور على حالها حين لا يملك الإنسان من يستر توهانه.. أين يذهب حين يخونه العقل وتتعرى روحه من صدمات القدر وتردي سبل العيش الكريم؟

هل يمكن الحفاظ على الهدوء والأمل؟

جسد حيوان، قطة أو كلب لا تكاد تميزه من أسلفت الطريق، دهسه أحدهم وغادر دون احترام لهذه الروح، قد يحتل خيالك ويصنع تعاسة يومك، مسنة تطلب القرش، تتوارى وراء فراشية، يسبقها أطفال يبيعون المناديل، أو رجل قد نال الشيب من لحيته، يبيع قناني الماء.. ليس من المفترض أن تحكمنا المشاعر، أو نقف على حافة الهشاشة، لكن، يجب مساءلة العدالة وإحلالها، كالشمس بعد يوم غائم، نقدم العون كحق لما يستحق، ونحاسب من يستدرون العواطف ويحاولون استغلال إنسانيتنا وقتلها.

ببشرة سمراء وبملامح عربية، نبش القمامة، وغادر، عاد مرة أخرى، على أمل أن تحميه العناية الإلهية من نظرات الاستغراب والتنديد، كان من السودان الغارق في حرب الفرقاء، ونير الانقسام.

إن التعايش مع كل هذا القبح يمثل العهر الأخلاقي والانحلال الذي يخشاه المجتمع، لا في سفر النساء وحقوقهنّ.. هل ما تزال الحياة جميلة وعادلة في ليبيا؟

تخضع الإجابة لمدى قدرتك على التكيف، وتقبل رؤية توهان فاقدي الأهلية، أو النظر إلى الأطفال وقد انتهكت طفولتهم عصابات، تستغل براءتهم لجني المال، وكأنها من صنع القدر، وسنن الكون العادية. قد يحتاج الجميع إلى المساعدة، لا توجد حصانة من جور الأيام حين تقرر النيل منك. في هذا الوقت، تتحول إلى نسخة تائهة لا يعبأ بمصيرها أحد.

إن خُلقت قطًا أو كنت شجرة في بستان، أو وصلت إلى هذه الأرض هربًا من الفقر أو نجاةً بروحك من الإزهاق، من يحمي قداسة كرامتك ويقدس حقك في الحياة الجيدة؟

لم تقدم أي حكومة، حكمت طرابلس أو بنغازي، تبريرًا، للتردي المعيشي؛ لن يلتفت من يستمد قوته من أرتال الحماية إلى حجم الذعر الذي يولده توالي الأزمات.

حين يصبح رغيف الخبز هو الحياة، لا تنتظر الشعوب طويلًا، حتى تعرف خصومها. ربما لم يشاهد هؤلاء، مطاردات مواطني بنغلاديش للمسؤولين في الشوارع، حين تنال يد الشعوب ممن صنع فقرها لا تكثرت للرحمة، بل تفعل ما تراه عادلاً. يعج التاريخ، بالقصص، بالشواهد، بالعبر.

إن الجهل بهذه البديهات، والاحتماء وراء تفاهمات، تُغفل حياة الناس، يسهّل توقع النهايات. في الوقت الذي تعقد فيه الأسر الحاكمة مصاهرات سياسيًة، كي تعزز سلطتها، بالتالي فرص النهب والاستيلاء على مقدرات البلد، لا يبقى أمام الشعب سوى حرق قواربه.. ويا روح ما بعدك روح.

Share This Article

منشورات ذات صلة

كان فيسبوك في أوائل ظهوره بدائيًا جدًا، ولأنه كان ثقافة جديدة على كل من استعمله، تباينت طرق تعامل…

صديقُنا فرج مواطن صالح، متزوج وله أربعة أطفال، يقضي نصف يومه في العمل، والنصف الآخر على فيسبوك، ثم…

تنتزع مشاهد العبث اليومية ما تبقى من قدرتنا على التحمل. في هذا البلد، كل شيء يمهّد لسطوة حزن…

مُنتصب الظهر، ونظرته لا تكترث لا بالقاضي ولا بالكاميرا التي تُحاصره منذ أيام، هذه الصور الاستثنائية ومئات مثلها،…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.