الحقوق في ليبيا: همسات خلف أبواب السلطة الموصدة
نورا الجربي
خلال عقد من الزمن تشكّل مفهوم جديد للأمن في ليبيا، فصار أن تصمت كي تنجو، وأن تنحني كي تبقى، وأن تنسى حقوقك مقابل أن تحتفظ بحريتك، فظهرا أمنان يتصارعان في صمت: أحدهما يحمي الإنسان من الخطر، والآخر يحمي السلطة من الإنسان. ولو سألتني من انتصر، لقلت: هل نظرت حولك؟ الأمن لم يكن يومًا مختزلًا في أجهزة أمنية ولا قوانين، الأمن هو أن تنام دون أن تخاف طرقة على الباب في منتصف الليل، أن تمرض فتجد يدًا تمتد لعلاجك، لا لحبسك، أن تُظلم فتجد من ينصفك، لا من يُسكتك.
لم يُبنَ مفهوم الأمن في ليبيا يومًا على حماية الإنسان، بل على ضبطه. عبر أنظمة مختلفة، ظلّ الأمن أداة سلطة لا عقدًا اجتماعيًا، وتحوّل من وعدٍ بالحماية إلى وسيلة للسيطرة. وبعد 2011، لم يُعاد تعريف الأمن على أساس الحقوق والعدالة، بل أُعيد إنتاجه في أشكال أكثر هشاشة وأقل خضوعًا للمساءلة. وهنا تبرز هل الأزمة في غياب الأمن، أم في تحوّله إلى أداة ضد من يُفترض أن يحميهم؟
حقوق وراء القضبان
تجلّت هذه المعادلة المختلّة في عشرات الوقائع اليومية، حيث تحوّلت التجاوزات القانونية والإنسانية بحق الليبيين والليبيات إلى ممارسة ممنهجة بلا سند قانوني. وفي هذا السياق، في يناير 2024، اعتُقلت مريم منصور الورفلي من بيتها في “سَبْهَا”، بتهمة منشورات على فيسبوك، العقوبة؟ تسعة أشهر في زنزانة بلا محاكمة، لكن مريم ليست وحدها، فمنذ 2011 وثّقت التقارير الدولية وتوثّق الكارثة بأرقام لا تُنكر، ذلك أنّ منظمة العفو الدولية رصدت في 2012-2013 وفاة 27 معتقلاً تحت التعذيب، وفي 2017، وُجد 3,600 معتقلا في سجن معيتيقة فقط. بينهم نساء وأطفال، و37 جثة على الأقل حملت علامات التعذيب، وفي نفس السياق هيومن رايتس ووتش تقول إن أكثر من 18 ألف شخص في السجون اليوم، ثلثاهم دون محاكمة و15 شخصاً ماتوا في الحجز خلال 2024 كما وثّقت منظمة العفو الدولية اعتقال مئات من النشطاء والصحفيين، وآلاف المحتجزين بسبب انتماءاتهم السياسية، وهذا ليس فشلاً في النظام القضائي، بل نظام قمع متعمّد ومستمر منذ أكثر من عقد وفي واقع الأمر هو إرهاب منظّم يستخدم الدولة كأداة عن طريق ختم رسمي وبدلة أمن رسمية.
حين يصبح الطبيب عدوَّ الدولة
لطالما نأى الأطباء في زمن الحروب والأزمات عن التصفيات السياسية ولطالما قدموا الخدمات الإنسانية، غير أننا نرى العكس في الوضع الليبي ، ففي أكتوبر 2025، طُرِدت منظمة “أطباء بلا حدود” من ليبيا، تلك المنظمة التي قدّمت 15 ألف معاينة طبية في 2024، حيث كانت موجودة في “درنة” بعد انهيار سدَّيْها في سبتمبر 2023 الذي أودى بحياة آلاف الليبيين وشرَّد عشرات الآلاف، نعم طُلبت منها السلطات أن ترحل خلال أسابيع. ويبقى السبب مجهولا فلم نرى أي بلاغات على إثر هذا الطرد ، لكن اتضحت الرؤية نسبيا في أبريل 2025،حين اتّهم جهاز الأمن الداخلي عشر منظمات دولية، بينها “أطباء بلا حدود”، بأنها جزء من “مؤامرة لتوطين المهاجرين في ليبيا” وتهديد “التركيبة الاجتماعية” و”الأمن القومي”.
لقد زاد الوضع سوءًا، فالمنظمة التي كانت تعالج المرضى، أصبحت متهمة بتغيير التركيبة السكانية! والمهاجرون الذين كانت تعالجهم “أطباء بلا حدود” هم الآن محتجزون في مراكز اعتقال تصفها منظمة الأمم المتحدة بأنّها مراكز احتجاز لا إنسانية بعد أن قامت المنظمة بتقديم رعاية طبية أساسية، وهي مهمة عجزت عن توفيرها الدولة الليبية نفسها لمواطنيها، فما بالك بالمهاجرين.
ملخص القول، إن ليبيا ليست في خطر من أطباء يعالجون مرضى، بل هي في خطر من حكومات تخشى أن يرى العالم ما يحدث في سجونها، فالخطاب الرسمي لا يهتم بالحقائق، يكفي فقط أن تقول “أمن قومي” و”عادات وتقاليد” حتى يصبح طرد منظمة إنسانية عملاً وطنياً.
العادات والتقاليد: سلاح السلطة
على مدى فترات زمنية طويلة لم تكن ليبيا يوماً ضد المنظمات الإنسانية، بل كانت تستقبلها وتحتاج إليها، لكن حين تصبح “العادات والتقاليد” حجة لمنع الرعاية الطبية، وحين يصبح عمل هذه المنظمات شاهدا على ما يحدث في مراكز الاعتقال، فيوثّق التعذيب والإهمال الطبي، وحين نكتشف أن الدولة عاجزة أو غير راغبة في حماية البشر داخل حدودها، عندها تتحول هذه المنظمات إلى مصدر يهدد أمن الدولة واستقرارها ، و يصبح الحديث عن “القيم الاجتماعية” هنا ليس دفاعاً عن الهوية، بل محاولة لإغلاق الأبواب أمام كل من يوثق جرائمهم، وفي المقابل نستبعد أن تكون القضية فعلاً عن القيم، فلو كانت كذلك لماذا لا نرى حملة ضد الفساد الذي يأكل البلاد؟ ولماذا لا توجد “قيم اجتماعية” تمنع تعذيب السجناء؟ لأن السلطات الليبية تجعل من تلك القيم مطيّة لها فقط حين تريد إسكات صوت أو إغلاق مساحة أو قمع حق.
من وراء القمع؟
من المهم التعرّف على الأطراف التي تقف وراء عمليات القمع والطرد والاعتقالات، لقد أصبح جهاز الأمن الداخلي غربًا وشرقًا وجنوبًا الأداة الأكثر فعالية في قمع الليبيين على غرار الاعتقالات التعسفية دون أوامر قضائية، والاحتجازات دون محاكمة، والقوانين التي يعود معظمها إلى عهد القذافي، لعلى قانون رقم 19 لسنة 2001 الذي يمنح السلطات صلاحيات واسعة للتحكم في المنظمات وحلّها بقرار إداري، أهمّها.
ولا يمكن في هذا المستوى إغفال الحديث عن الميليشيات المسلحة التي تعمل بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية، والحملات الإعلامية التي تشوه سمعة النشطاء وتصفهم بـ”العملاء” و”المخربين”، فكل هذه الأدوات تعمل بانسجام لهدف واحد وهو إغلاق أي مساحة للمعارضة أو حتى للاختلاف، حيث يشكل المجتمع المدني خطرًا حقيقيًا على السلطات، فالناشط يوثق الجرائم، والصحفي يكشف الفساد، والمنظمة الحقوقية تضع الحاكم أمام المساءلة، وحين تسقط هذه الأصوات، لا يبقى إلا صوت واحد هو صوت السلطة.
الثمن الذي ندفعه جميعًا
عندما تُطرد المنظمات الإنسانية وتُغلق المنظمات الحقوقية، ينطفئ آخر شاهد على ما يجري في الخفاء ويتحول آلاف البشر سواء أكانوا ليبيين أوغيرهم إلى ضحايا بلا حماية وبلا صوت، ليغيب مَن يوثق معاناتهم فيموتون ببطء، بعيداً عن الأنظار، في صمت يليق بمن قررت السلطة أنهم لا يستحقون حتى أن تُروى قصص موتهم، و الكارثة لا تتوقف عند السجون ومراكز الاحتجاز ذلك أنّ سحق الناشط والصحفي والحقوقي يبعث برسالة دموية على جدران المدينة: “اصمت تعِش” وهكذا يُخنق الصوت العام، وتتحوّل الساحات إلى صحارى، والأفكار إلى همسات خائفة خلف الأبواب الموصدة.
إن الحديث عن التنمية في غياب المجتمع المدني هو مجرد مسرحية هزلية سوداء؛ فهو أشبه بالزراعة في أرض محروقة تترقب الحصاد، أما السمعة الدولية، فتتآكل ببطء لدولة تطرد مَن يسعى لتضميد جراحها، ثم ترفع يدها طالبة احترام العالم، في عزلة تتنكر في ثوب الكبرياء.
ليبيا اليوم لا تقف أمام معضلة أمن، بل أمام امتحان أخلاقي وتاريخي؛ فإما أمنٌ يُشيَّد على كرامة الإنسان وحقوقه، فيحمي الدولة لأنّها صارت في قلوب مواطنيها، وإما أمنٌ يُفرض بالقوة فيحرس سلطةً معزولة، إلى أن يسقط معها كل شيء.
أما التاريخ فإنّه لا يرحم من اختار الخوف بديلاً عن العدالة، ولا يغفر لمن ظن أن القبضة أقوى من الحق، والقرار اليوم هو قرار وجودي فإما دولة يحرسها شعبها، أو سلطة تحرس نفسها.


