دروج Drooj

الساحل الليبي كملاذ حيوي للسلاحف البحرية

يشكل الساحل الليبي الممتد لأكثر من 1900 كيلومتر، الملاذ الطبيعي الأكبر والحضانة البيئية الأهم للسلاحف ضخمة الرأس (Caretta caretta) في حوض البحر الأبيض المتوسط، وتنبع هذه الأهمية من طبيعة الشواطئ الليبية التي تصنف كواحدة من أنظف وأهدأ المناطق، مما يحفز السلاحف على الخروج إليها خلال فصل الصيف للتعشيش ووضع البيض في بيئة آمنة. يقول حسين عبد الجليل، عضو فريق السلاحف البحرية بجمعية علم الأحياء البحرية في ليبيا، لدروج، أن هذا الكائن يمثل “مهندس البيئة البحرية” الفعلي؛ نظرًا لدوره المحوري في التغذية على قناديل البحر والأعشاب البحرية، وهو سلوك يضمن نظافة البحر ويحافظ على توازن المخزون السمكي بما يخدم مصلحة الصيادين المحليين، فضلًا عن الميزة البيولوجية التي تتمتع بها السلاحف المعششة محليًا والمتمثلة في حملها لجينات قوية تدعم صمود هذا النوع المقاوم للانقراض.

تستدعي هذه المكانة الطبيعية تتبعًا ومراقبة مستمرة يقودها فريق السلاحف البحرية ميدانيًا بصورة مستدامة لتغطية الشواطئ الممتدة من الجبل الأخضر وصولًا إلى طبرق، مع استحداث وتنظيم وتوسيع الهيكل العملي هذا الموسم ليشمل شواطئ مدينة بنغازي أيضًا. يرتكز العمل التنفيذي على فرق رصد ميدانية مخصصة تخرج للشواطئ بهدف حماية الأعشاش ومراقبة خروج السلاحف الأمهات، بالتوازي مع حملات توعوية موجهة للأهالي والصيادين في تلك المناطق، فيما تكتمل هذه الخارطة الإحصائية وتتوحد من خلال التنسيق المباشر والتكامل مع الجمعيات والمنظمات الأخرى الصديقة العاملة على طول السواحل الغربية والوسطى، بهدف صياغة أرقام دقيقة وشاملة للموسم بأكمله على امتداد الشاطئ الليبي بالكامل.

لكن جهود التنظيم والتواجد الميداني تصطدم بظاهرة قيادة سيارات الدفع الرباعي على رمال الشواطئ، والتي يصنفها عبد الجليل كواحدة من أكبر الكوارث والتهديدات المباشرة التي تواجه الفرق في الميدان نظرًا لآثارها المدمرة على مستويات عدة، حيث يتسبب وزن وضغط هذه المركبات في دهس وتدمير الأعشاش بالكامل وسحق البيض المدفون تحت الرمال في حال مرور الآليات فوقها، كما أن أثر الإطارات يترك حفر وخنادق صغيرة تتحول إلى مصائد تعجز صغار السلاحف حديثة الفقس عن تجاوزها أثناء رحلتها نحو البحر، مما يؤدي إلى احتجازها ونفوقها بفعل حرارة الشمس أو وقوعها فريسة للمفترسات الطبيعية. يضاف إلى ذلك أن حركة السيارات تؤدي إلى طمس المسارات والآثار السطحية التي تتركها السلحفاة الأم خلفها أثناء خروجها لحفر عشها، وهي الآثار الأساسية التي يستعين بها فريق الرصد لتحديد موقع البيض وحمايته، مما يتسبب في ضياع الأعشاش وفقدان القدرة على متابعتها، دون إغفال الضوضاء والإضاءة المنبعثة من السيارات ليلًا والتي تفزع السلاحف وتجبرها على الهروب والعودة للبحر دون إتمام عملية التبييض.

وتتشابك مخاطر الضغط الحركي للمركبات مع الأثر الخانق لانتشار المخلفات البلاستيكية والقمامة على الشواطئ العامة، والتي يصفها عبد الجليل بالخطر القاتل والصامت المهدد للسلاحف البالغة والصغيرة على حد سواء. تشكل النفايات والخردة المتراكمة عائقًا ماديًا يمنع السلحفاة الأم من الوصول إلى المناطق الرملية لحفر عشها، مما يضطرها للتراجع دون وضع بيضها، أو وضعه مجبرة في مناطق قريبة من المياه حيث يسهل جرفه وضياعه مع أمواج البحر، وتتضاعف هذه الأزمة فور عملية الفقس؛ إذ تنعدم قدرة الصغار -بسبب حجمهم الدقيق جدًا- على عبور المخلفات المتناثرة التي تتحول أمامهم إلى سواتر ومصائد يعلقون بداخلها حتى الجفاف والنفوق أو الفتك بهم من قبل المفترسات الطبيعية. ويمتد هذا الخطر إلى عمق المياه جراء انجراف تلك الأكياس البلاستيكية التي تبتلعها السلاحف كغذاء لتماثلها البصري مع قناديل البحر، مما ينتج عنه انسدادات معوية مميتة تقضي عليها ببطء، وهو ما يركز عليه الفريق في حملاته لتوعية المواطنين والزوار بأن نظافة الشاطئ هي مسألة حياة أو موت للكائنات البحرية.

وإلى جانب المهددات المرئية المباشرة، يتابع فريق السلاحف البحرية ظاهرة التغير المناخي وارتفاع حرارة الرمال كقضية علمية خطيرة تملك تأثيرًا مباشرًا وعميقًا على جنس مواليد السلاحف. ينبثق هذا التحدي البيولوجي من الخصوصية الجينية للسلاحف البحرية التي لا تمتلك كروموسومات محددة للجنس، بل ترتبط طبيعة مواليدها (ذكورًا أو إناثًا) ارتباطًا وثيقًا بدرجة حرارة الرمل المدفون فيه البيض؛ حيث تنتج درجات الحرارة العالية والمعتدلة إناثًا، بينما تتمايز الأجنة إلى ذكور في الأوساط الأبرد. ومع الارتفاع العالمي المستمر في درجات الحرارة وارتفاع حرارة الشواطئ خلال الصيف في السنوات الأخيرة، بدأت الأعشاش تتأثر بوضوح، مما يهدد بإحداث خلل صامت طويل المدى في التوازن بين الجنسين في الحوض بالكامل، حيث يؤدي النقص الحاد في نسبة الذكور مستقبلًا إلى تراجع معدلات الإخصاب والتكاثر وإضعاف فرص استمرار النوع، وهي ظاهرة يعكف الفريق على مسحها ومتابعتها لمحاولة فهم كيفية الحد من تأثير الحرارة بالأساليب المتاحة.

أمام غياب البنية التحتية الرسمية والمحميات المجهزة والمفعلة على الأرض، يرى عبد الجليل أن الجمعيات الأهلية والفرق التطوعية والشباب المتطوعون تحولوا إلى القوة الفعلية التي تسد هذا الفراغ الإداري واللوجستي، إذ نجح الفريق بالإمكانيات المتاحة في تنظيم دوريات رصد مستمرة على طول الشواطئ من الجبل الأخضر وصولًا إلى طبرق وبنغازي لحماية الأعشاش ومتابعتها حتى فقس البيض وعودة الصغار للبحر بأمان. ولم تقتصر قوة المتطوعين على العمل الرقابي، بل امتدت لابتكار نموذج “المحمية المجتمعية” القائم على خلق وعي مباشر من خلال العيش بين الناس والحديث والتنسيق مع الصيادين والأهالي ورواد الشواطئ، مما جعل العمل التطوعي خط الدفاع الأول والأساسي لحماية التنوع البيولوجي في ليبيا، ولولاه لضاعت شواطئ وأعشاش كثيرة دون توثيق.

تتلاقى هذه الاستجابة الأهلية مع استراتيجية توعوية تقوم على القرب من المواطن والمصطاف والبساطة في الخطاب بالكلمة اللينة والتعامل المباشر؛ حيث ينزل الفريق ميدانيًا للشواطئ في أوقات الازدحام للحديث مع العائلات والشباب وجهًا لوجه، وتوزيع مطويات وورق توعوي مبسط يحمل إرشادات واضحة، بالتوازي مع النشر الرقمي والمصور عبر منصات التواصل الاجتماعي. تتلخص الرسالة الموجهة للمواطن عند رصد سلحفاة تبيض في خطوات بسيطة تشمل: الابتعاد عنها مسافة أمان وعدم الاقتراب منها، حظر إشعال إضاءة الهواتف أو فلاش الكاميرات والسيارات منعًا لإفزاعها وإجبارها على العودة للبحر قبل التبييض، تجنب إحداث الضوضاء والحركة السريعة بجانبها، الامتناع التام عن لمسها أو مسك بيضها، والمسارعة بالاتصال الفوري بالفريق أو إبلاغ فرق الرصد المتواجدة في المنطقة لتثبيت موقع العش وحمايته، وهي مقاربة تحول رواد الشواطئ إلى حراس وحماة يتقبلون الرسالة بحب وحرص عند استيعابهم أن الكائن جاء ليأتمن الشواطئ المحلية على صغاره.

Share This Article

منشورات ذات صلة

يشكل الساحل الليبي الممتد لأكثر من 1900 كيلومتر، الملاذ الطبيعي الأكبر والحضانة البيئية الأهم للسلاحف ضخمة الرأس (Caretta…

حوار عزيزة حسين مع عبد العزيز الحسناوي في أقصى الجنوب الليبي، تختزن مدينة غات ذاكرة قرون من حركة…

أنا بنتُ جبل، أزعم أني أفهم لغة حجارته ووديانه وعشبه البري، أعيش على ضفة أحد وديانه وأعرف ماذا…

لا شك أن الفن الشعبي في برقة يُعد جزءًا من الذاكرة الثقافية للمجتمع، فقد نشأ مع تطور الإنسان…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.