أقلام حرّة.. “مانيفستو الأنثى الفاضلة”
بعد سيطرة طالبان على أفغانستان في أغسطس 2021، فُرضت سلسلة من القواعد الصارمة التي هدفت إلى تقييد حياة النساء وإبعادهن عن الحياة العامة. ومنذ نهاية عام 2021، لم يعد يُسمح للبنات بالالتحاق بالمدارس الثانوية أو الدراسة في الجامعات، لتصبح أفغانستان البلد الوحيد في العالم الذي يُمنع فيه التعليم الثانوي والعالي عن الفتيات فقط بسبب جنسهن. كذلك، مُنعت النساء من العمل في معظم الوظائف، خصوصًا في القطاع العام والمنظمات غير الحكومية.
قد يبدو هذا الواقع بعيدًا عن الحالة الليبية، وعن القوانين الليبية التي لا تمنع نصًا النساء من التعليم أو العمل في معظم الوظائف. لكن التصور المثالي الذي يحمله الليبي في داخله للمجتمع المثالي “الفاضل” لا يختلف كثيرًا عن الواقع الأفغاني. فالمجتمع الفاضل في العقل الجمعي الليبي هو المجتمع الذي يُقصى فيه وجود النساء إلى الحد الأقصى، والذي تكون كل إناثه “فاضلات” حسب المفهوم الليبي للفضيلة، وهو مفهوم يجعل الفضيلة قيمة حصرية للإناث دون الذكور.
فكيف تكون الأنثى مثالية حسب هذا التصور؟ وكيف تُحرم من الرضا الكامل عن وجودها إلا إذا حققت هذه المعايير؟
الأنثى المثالية يجب، أولًا، ألا تولد. أو على الأقل، ألا تكون هي البكر. فالأنثى في ليبيا غالبًا لا تأتي إلى الحياة إلا كمحاولة للحصول على ذكور، ولا يُرحب بولادتها إلا إذا جاءت بعد عدة ذكور، لتكون مساعدة مضمونة لوالدتها في خدمتهم والاعتناء بهم.
وهي طفلة، يجب أن تكون خجولة. لا داعي لأن تكون ذكية. يجب أن تحب البقاء في البيت وتنفر من الخروج واللعب. ومن الأفضل أن تتقيد بالحجاب مبكرًا حتى تعتاد عليه، حتى لو لم يكن مفروضًا عليها في سن الطفولة. بل يُعد من الإيجابي والمستحب اجتماعيًا أن تغطي نفسها مبكرًا، وأن تعتبر جسدها موضوعًا للإخفاء. كما يجب أن تمتنع عن ممارسة أي رياضات “عنيفة” حفاظًا على غشاء بكارتها. فأنشطة مثل ركوب الدراجة، وركوب الخيل، والرياضة عموماً، لا تُعد نشاطًا مستحبًا للأنثى.
ومن الأفضل أن تتعلم تحمّل مسؤولية البيت مبكراً، استعدادًا لأن تكون ربة بيت يومًا ما. عليها أن تعتاد خدمة جميع أفراد الأسرة، وخصوصًا إخوتها الذكور، حتى لو كانت تدرس كما يدرسون، وتعمل كما يعملون خارج البيت. فهي، بعد عودتها، مطالبة بخدمتهم، دون أن يُطلب منهم أي مقابل، لا إنفاقًا ولا مشاركة في أعباء الأسرة.
وعليها أيضًا أن تتعلم كيف تُخفي نفسها: أن لا تستلقي أمام الأب أو الأخ، تجلس بطريقة معينة، وترتدي ملابس ساترة حتى لا “توقظ الشيطان” في عقل أي ذكر من محارمها، فتجرّهم إلى الخطيئة. وإن وقع المحظور، فهي المذنبة وحدها.
تدرس الأنثى، لا من أجل تحقيق طموح أو ذات، بل إعدادًا لها لتكون معلمة لأطفالها مستقبلًا. ويمكنها بالطبع العمل، إن سمحت لها العائلة أو الزوج، لكن ضمن معايير محددة: التعليم أو القطاع الصحي. والأفضل، طبعًا، أن تتقاضى مرتبًا من الدولة، تمنحه لأهلها أو زوجها، دون أن تضطر للخروج للعمل أصلًا.
أما من تخرج عن هذه المعايير، فعليها أن تتحمل. فلا يوجد قانون رادع يحميها من التحرش في مكان العمل. والتحرش، بطبيعة الحال، خطيئتها هي، نتيجة وجودها في “المكان الخطأ”، ولا بد أنها فعلت شيئًا لتستحقه. وحتى التبليغ يُعد وصمة عار لا يقبلها أحد. عليها أن تصمت، وكأن شيئًا لم يحدث.
يجب أن تتقبل غضب ذكور العائلة. ماذا لو تعرضت للتعنيف أو الحِرمان من حقوقها؟ عليها فقط أن تصمت، وتدع الحياة تستمر، وتحاول إصلاح نفسها حتى لا تتسبب في انفعالهم، وتتجنب رصاصهم الطائش عند تنظيف أسلحتهم.
وبالطبع، العلاقات محرمة عليها بالكامل. يجب أن تحافظ على مشاعرها حتى يأتي الزوج المثالي. أخوها، في المقابل، من حقه أن يحب ويخوض التجارب. طيشه مقبول، ويُغفر له، فالله غفور رحيم، لكنه شديد العقاب عليها.
كما أنها غير مادية بالكامل. لا تطالب إخوتها بميراثها، وتتنازل عنه بكامل إرادتها. وإن لم يكن لها إخوة ذكور، تصمت بكل رضا عن تقسيم أملاك والدها على أقاربه الذكور، وترضى بالفتات، دون مطالبتهم بالنفقة عليها أو توفير سكن لائق لها. فالقوامة تحضر وتغيب، ولا يُجبر أي قريب ذكر ورث أكثر منها على الإنفاق عليها، حتى لو كانت معدمة، وبالطبع إذا ما تم حرمانها من حقها في الإرث فما عليها إلا التسليم، مع أنه حقها الشرعي لكن الاحتكام للشرع يمكن التغاضي عنه في هذه الحالة.
ولكي تكون زوجة مثالية، عليها أن تتزوج ليبيًا. فالجريمة الكبرى التي لا تُغتفر هي زواجها من غير ليبي. ويُفضل أن تزهد في المظاهر، وأن لا تكلف زوجها شيئًا وتتنازل عن المهر وعن أي حقوق شرعها الله لها، ترضى بكل شيء، ولا تطلب شيئًا. تقبل التعدد، ولا تطالب بالطلاق، وتتحمل الضرب وسوء المعاملة. وماذا إن وصل الأمر إلى القتل؟ يُغلق الملف اجتماعيًا، وكأن المجتمع تخلص من عبء.
الأنثى المثالية هي الأنثى الخفية:
لا تظهر، لا تشارك، لا تتحدث، ولا تفعل شيئًا سوى الوجود لخدمة الآخرين، مع إلغاء كامل لذاتها.
ولو تأملنا تعليقات الليبيين على أي صورة تظهر فيها أنثى ليبية، مهما كانت وظيفتها أو سبب ظهورها، سنجد سيلًا من السباب والاتهامات، وكأنها تظهر في مقطع إباحي. لا يهم إن كانت محجبة أم لا، أظهرت وجهها أم أخفته.
وحتى إن شاركت الليبية في العمل السياسي، يبقى إظهار وجهها جريمة لا تُغتفر، ومن الأفضل “مراعاة المجتمع” وعدم ارتكابها، لتبقى ظلًا بلا وجه ولا ملامح. موجودة فقط لأن الليبيين مطالبون بكوتا لمشاركة النساء، وإلا لفضلوا عدم إشراكهن تمامًا، فليبيا — في هذا التصور — بلد الرجال فقط.
التصور الليبي للفضيلة قائم على إجبار النساء وحدهن على ما يتم اعتباره فضيلة، مع إطلاق سراح الرجال في الخطيئة، حتى صرنا من أعلى الدول في معدلات الفساد. في هذا المجتمع، لا يُسأل الرجل عن أخلاقه، بل تُقاس الأخلاق دائمًا بجسد المرأة: بملابسها، بحركتها، بصوتها، وبقدرتها على الاختفاء.
وهكذا تتحول “المدينة الفاضلة” إلى مدينة للذكور فقط لا وجود فيها للإناث إلا بين جدران البيت.
وربما يكون السبب الحقيقي وراء رفض نسبة لا بأس بها من الليبيين لسيطرة فئة متطرفة على الحكم مثل داعش، هو أن هذه الفئة تفرض على الذكور الالتزام بمعايير متشددة للفضيلة، وهو أمر يرفضه الليبي الذي لا يفرط في حقه في ارتكاب الخطيئة.
قد لا تصبح ليبيا مثل أفغانستان لكن هذه النسخة من ليبيا ستظل حلمًا يتطلع إليه الكثير من الليبيين؛ إقصاء كامل للنساء الليبيات لتظل ليبيا بلد الرجال.. والرجال فقط.
*سلسلة (أقلام حرّة) تمنح المساحة للكتّاب والكاتبات لعرض نصوصهم


