كيف يحوّل الخطاب التحريضي المهاجرين إلى “كبش فداء” للأزمات في ليبيا؟
تحقيق صحفي: منى توكا
في سياق الأزمات الاقتصادية والسياسية المتراكمة في ليبيا، يتجه الخطاب العام في بعض تجلياته الإعلامية والشعبية إلى البحث عن تفسيرات سريعة ومباشرة لأسباب التدهور المعيشي وغياب الخدمات. ضمن هذا السياق، يُطرح ملف الهجرة أحيانًا بوصفه عاملًا مفسرًا لجملة من الإشكالات، من الضغط على الخدمات إلى ارتفاع الأسعار أو تفشي بعض أنماط الجريمة.
هذا الربط لا يأتي دائمًا في صورة اتهام صريح، بل يتشكل تدريجيًا عبر تكرار سرديات تختزل الأزمة المركبة في وجود “الآخر” غير المحلي. ومع تصاعد النقاشات في الفضاء الرقمي، تتعزز هذه الصورة عبر تداول محتوى يُعيد إنتاج العلاقة بين المهاجر والأزمة بوصفها علاقة سببية مباشرة، دون التوقف عند البنى الاقتصادية والإدارية الأوسع.
في هذه الحالة، يتحول المهاجر – في بعض الخطابات – من فاعل اجتماعي محدود التأثير إلى رمز تفسيري شامل، تُختزل فيه أزمات بنيوية تعود جذورها إلى سنوات من التعقيد السياسي والاختلال المؤسسي. وهنا تبرز آلية معروفة في علم الاجتماع السياسي تُعرف بـ”كبش الفداء”، حيث يُعاد توجيه الغضب العام نحو فئة أضعف نسبيًا، بدل توجيهه إلى بنى القرار والسياسات العامة.
إن تفكيك هذه الظاهرة لا يعني إنكار وجود تحديات مرتبطة بملف الهجرة، لكنه يطرح سؤالًا أوسع حول كيفية تشكّل الخطاب العام، ومن يستفيد من إعادة توجيه النقاش بعيدًا عن مساءلة السياسات إلى التركيز على فئات اجتماعية محددة.
وتتجلى خطورة هذا التحول في الخطاب حين ينتقل من مستوى الكلمات المحرضة من على شاشة الهاتف إلى مستوى الأفعال على أرض الواقع. ففي حالات عدة خلال العام الماضي، رصدت منظمات حقوقية حوادث اعتداء طالت مهاجرين في سياقات سبقتها حملات تحريضية واسعة على منصات التواصل الاجتماعي.
ففي مدينة مصراتة في شهر سبتمبر من العام الماضي ، تعرّض طفل من النيجر للاعتداء الجسدي العنيف بعد أيام فقط من حملة تحريضية أطلقها صانع محتوى ليبي دعا فيها إلى “طرد الأفارقة”. وفي طرابلس في شهر نوفمبر من نفس العام، سجّلت مؤسسة حقوق الإنسان حادثة دهس متعمد لمهاجر أفريقي برّره الجاني برمي حجر على سيارته، في جريمة ذات نزعة عنصرية واضحة مرتبطة مباشرة بحملات التحريض الإعلامية. أما في صبراتة، فقد قُتل الشاب السوداني “إبراهيم آدم” (مواليد 2004)، الذي فرّ من أتون الحرب في السودان بحثاً عن لقمة العيش، ليصبح ضحية لعداء غذّته حملات التحريض الرقمية. هذه الحوادث ليست جرائم جنائية معزولة، بل أعراض لمرض التحريض الذي استشرى في الفضاء العام، حيث تُصنع الجريمة أولاً في غرف الدردشة قبل أن تُنفّذ على الأرصفة.
لطالما كان ملف الهجرة ورقة ضغط سياسية. في مارس 2025، أثارت تصريحات وزير الحكم المحلي “بدر الدين التومي” حول إمكانية دمج المهاجرين موجة غضب عارمة، غذتها شائعات عن “خطط سرية لإعادة التوطين”، وتفاقم الموقف بعد بيان مفتي الديار “الصادق الغرياني” الذي حذر من “تلاعب ديموغرافي”، بالتزامن مع تقرير شبكة NBC الأمريكية الذي نشر في شهر مايو من عام 2025 حول نقل فلسطينيين لليبيا، ما شكّل “إعصاراً من التضليل” دفع ثمنه المهاجر البسيط، محاصراً بين الاعتقالات التعسفية ودعوات العنف المتزايدة.
ورصد مجتمع التحقق العربي نمطاً متكرراً من التضليل يهدف إلى شيطنة المهاجر: تزييف المكان: نشر فيديو لمداهمة في الأردن عام 2024 والادعاء أنها وقعت في بنغازي، بهدف ربط المهاجرين بالجرائم المزعومة محلياً.
اختلاق الجرائم: إشاعة اختطاف واغتيال طفل ليبي على يد مهاجر نيجيري، وهو ادعاء كاذب تماماً وفق تحقيقات مديرية الأمن الليبية، لكنه استُخدم لتأجيج الغضب ضد المهاجرين. إعادة استخدام فيديوهات قديمة: مثل مشاجرة وقعت في دبي عام 2022، وأُعيد تداولها على أنها حادثة في صبراتة، لإيهام الرأي العام بانتشار العنف بين المهاجرين والمواطنين.
هذا النمط من التضليل لا يمكن قراءته بوصفه تفاعلًا عفويًا أو انزلاقًا فرديًا في الخطاب العام، بل هو جزء من استراتيجية ممنهجة تشارك فيها أطراف سياسية وإعلامية وشبكات رقمية، تهدف إلى تحويل المهاجرين إلى كبش فداء للأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتراكمة. عبر هذه الاستراتيجية، يُعاد توجيه غضب الشارع بعيدًا عن إخفاقات الدولة البنيوية، وانسداد الأفق السياسي، وغياب السياسات العامة، ليُسقَط كله على أجساد الفئات الأضعف.
في هذا السياق، لا تبقى الكراهية حبيسة الفضاء الرقمي، بل تتحوّل الكلمات إلى أدوات عنف، وتنتقل السرديات التحريضية من المنصات الاجتماعية إلى الشارع الليبي. وهكذا يصبح المهاجر ضحية مزدوجة: ضحية خطاب إعلامي ورقمي يجرّده من إنسانيته، وضحية ممارسات ميدانية تترجم هذا الخطاب إلى اعتداءات جسدية، واعتقالات تعسفية، وحملات كراهية منظمة، تهدد حياته وأمنه اليومي، وتشرعن العنف ضده بوصفه “مشكلة” لا إنسانًا.
أرقام رسمية غير دقيقة
تعتمد ماكينة التحريض على تزييف الوعي عبر “الأرقام الهلامية” وخلق حالة من الرعب الجماعي، رغم أن بيانات المنظمة الدولية للهجرة (IOM) تشير إلى أن ليبيا تضم نحو 928,839 مهاجر من 44 جنسية، يتوزعون على حوالي 100 بلدية، ويركزون في المدن الكبرى للعمل في قطاعات الزراعة والبناء.
وفي مقابل هذه البيانات الدولية، قدم وزير الداخلية المكلف في حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة»، عماد الطرابلسي، أرقاماً تعكس حجم التحديات من وجهة نظر السلطة التنفيذية، حيث ذكر أن عدد المهاجرين غير القانونيين في ليبيا يبلغ نحو ثلاثة ملايين شخص، «بينما إحصاءات الاتحاد الأوروبي تقدرهم بنحو مليون و500 آلاف مهاجر فقط».
وأضاف الطرابلسي، في مؤتمر في 02 ديسمبر ,2025 استعراض نتائج «البرنامج الوطني لترحيل المهاجرين غير النظاميين» تحدث وزير الداخلية عن سلبيات الهجرة بقوله إنها تتسبب في مشاكل اقتصادية كبيرة، لأن الدولة تتحمل تكاليف كبيرة جدا، متابعًا: «وفق تقديراتنا يرسل المهاجرون إلى ذويهم شهرياً 600 مليون دولار، أي أكثر من سبعة مليارات دولار في السنة، وهذه الأموال تتحصل عليها السوق السوداء، وهو ما يضر بالاقتصاد الوطني، إذ يعتبر استنزافا لأموال النفط وأرصدة مصرف ليبيا المركزي».
أثارت هذه الأرقام والتقديرات الرسمية موجة من التساؤلات حول مدى دقتها واستنادها إلى معايير إحصائية واضحة، خاصة في ظل التضارب مع تقارير المنظمات الدولية. وفي هذا السياق، يقدم طارق لملوم، الباحث في قضايا الهجرة ورئيس مركز بنغازي لدراسات الهجرة واللجوء، قراءة نقدية تفند هذه الادعاءات وتضعها في ميزان الواقع الميداني واللوجستي للدولة الليبية، حيث يوضح أن الجدل الدائر حول أعداد المهاجرين في ليبيا تشوبه الكثير من المبالغة وغياب الدقة، خصوصًا في ظل غياب إحصاءات رسمية دقيقة حتى عن عدد الليبيين أنفسهم منذ سنوات طويلة. ويؤكد لملوم أن تصريح الوزير الطرابلسي يحتوي على “أرقام غير دقيقة وشعبوية” تستهدف الشارع الليبي، ولا تستند إلى بيانات رسمية، موضحاً أنه لا توجد لدى الوزير أية آلية لحصر أعداد المحتجزين في مختلف مناطق البلاد، سواء في الشرق أو الجنوب، كما لم تُؤخذ أرقام وزارة العدل الخاصة بالسجون بعين الاعتبار.
ويشدد على أن “الأرقام المتداولة من بعض المسؤولين لا تستند إلى دلائل واضحة، بينما الأرقام الأقرب للواقع هي تلك التي تنشرها المنظمة الدولية للهجرة، والتي تشير إلى أن عددهم لم يصل المليون”. وأضاف أن الحديث عن استنزاف مليارات من مصرف ليبيا المركزي “حديث مبالغ فيه”، إذ أن المهاجرين موجودون داخل ليبيا ويحولون أموالهم بشكل قانوني، وهناك بعض التحويلات غير القانونية التي تُعالج في إطار الإجراءات المتبعة.
وأكّد لملوم على استحالة قدرة البلاد على ترحيل مئات الآلاف من المهاجرين خلال سنة واحدة، حتى في حال توحيد الحكومة والسيطرة على جميع المؤسسات، مبيناً أن أكبر مراكز الاحتجاز في البلاد لا يتجاوز عدد المحتجزين فيها ألفي شخص تقريبًا، وأن القدرة اللوجستية للمطارات لا تسمح بترحيل آلاف الأشخاص في شهر واحد.
وأوضح كذلك أن حركة الهجرة داخل ليبيا متغيرة، تتأثر بدخول وخروج مستمرين عبر البحر، وأن جزءًا كبيرًا ممن يصلون إلى البلاد يعتبرونها محطة عبور نحو أوروبا، لكنهم يواجهون صعوبات مثل الاحتجاز، خسارة الأموال، أو الوقوع ضحية لتجار البشر، مشيراً إلى أن نسبة قليلة فقط من المهاجرين تستقر في البلد بفضل حصولها على أعمال ثابتة نسبيًا في شركات النظافة أو المشاريع الخاصة.
واعتبر في الأخير أن قدرة الوزير على إدارة الملف تقتصر على مناطق محدودة من طرابلس فقط، وليس على كامل البلاد، مبيناً أن تصريحات هذا الأخير “غير واقعية” عندما أشار إلى بناء مراكز ترحيل جديدة، حيث جرى تحويل عمارات سكنية في طرابلس إلى مراكز ترحيل بعد الاستيلاء عليها وتجهيزها بشكل غير قانوني.
إظهار المهاجر كمجرم
وفيما يتعلق بربط وجود المهاجرين بارتفاع معدل الجريمة، يعتبر لملوم أن إثبات ذلك :يحتاج إلى بيانات دقيقة غير متوفرة لدى وزارة الداخلية، خصوصًا في ظل الانقسام بين الشرق والغرب وغياب موقع رسمي ينشر أرقام الجريمة بشفافية”. ويضيف أن “وجود مهاجرين متورطين في جرائم أو مخالفات أمر واقعي، لكن تضخيم أعدادهم بدون أدلة يفتح الباب أمام خطاب الكراهية والعنصرية”.
ويؤكد الناشط الحقوقي أن الخطاب الإعلامي والاجتماعي حول ملف الهجرة أصبح “تعبويًا ومشحونًا”،، حيث تُروج وسائل الإعلام ومنصات التواصل لروايات تُظهر المهاجر كمجرم أو ناقل للأمراض، وتستعين بصور وفيديوهات قديمة أو مفبركة لبث الخوف. ويتحوّل “المهاجر أحيانًا إلى كبش فداء يتم تحميله مسؤولية الأزمات الاقتصادية والخدمية، وتغذي السرديات الشائعة فكرة أن المهاجرين سبب نقص الوقود والخبز والسيولة، أو أنهم جزء من مخطط للتوطين وتغيير التركيبة الديموغرافية، وهو ما يعزز صورًا نمطية خطيرة تُترجم في النهاية لاعتداءات لفظية وجسدية، طالت حتى ليبيين من ذوي البشرة السمراء”.
وانتقد لملوم دور المؤسسات الإعلامية التي تنقل الروايات الرسمية دون مساءلة حول آليات تسجيل المهاجرين داخل مراكز الاحتجاز، مؤكداً أن الواقع داخل هذه المراكز “سيئ السمعة” ولا يعكس ما يُعلن عن الإنفاق الحكومي في هذا الإتجاه، حيث غالبًا ما تذهب الأموال لشركات خاصة، مرتبطة بجهات في وزارة الداخلية وجهاز الهجرة. واختتم حديثه مؤكداً أن ما تحتاجه ليبيا اليوم هو أولًا وجود دولة موحدة يمكن مساءلتها، ثم وقف تسييس ملف الهجرة، والتعامل معه بوصفه ملفًا إنسانيًا بالدرجة الأولى، ثم قانونيًا وأمنيًا ثانيًا. وختم بالقول إن تحسين المشهد الإعلامي يتطلب مدونة سلوك واضحة، تدريبًا للصحفيين على تغطية قضايا الهجرة، إنشاء وحدات للتحقق من الأخبار والصور، وتوفير أرقام رسمية لقطع الطريق أمام الشائعات.
خطاب إعلامي يغذي السرديات السائدة
في السنوات الأخيرة، اتخذ الحديث عن المهاجرين في ليبيا مساحة كبيرة في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الإجتماعي، حيث برزت لغة تعبئة وتحريض رافقتها سرديات شعبية تُحمّل المهاجر مسؤولية الأزمات.
في هذا الصدد، يرى جلال عثمان، رئيس هيئة رصد المحتوى الإعلامي أن الخطاب الإعلامي الحالي حول الهجرة في ليبيا هو” خطاب تعبوي يغلب عليه التعميم والنمطية”، كما أنه يفتقر في كثير من الأحيان إلى الدقة المهنية. ويشير إلى أن الهيئة رصدت انتشارًا واسعًا لاستخدام مصطلحات ذات طابع عسكري وأمني مثل “اجتياح”، “غزو”، “خطر”، بدل استخدام لغة إنسانية أو توصيفات قانونية أكثر موضوعية. ويضيف أن جزءًا كبيرًا من المحتوى الإعلامي، بما في ذلك ما يُتداول على منصات التواصل الاجتماعي، يعتمد لغة تُجرّد المهاجر من إنسانيته، وتصور وجوده “كتهديد أمني” أو “كمجرم”، مع ربط مستمر بين أي مشكل في البلاد وبين وجود المهاجرين، رغم غياب الإحصاءات الرسمية التي تُثبت ذلك. ويشير إلى أن هناك من يحاول تحميلهم مسؤولية الأزمات المعيشية التي يواجهها المواطن، بدلًا من نقد سياسات الهجرة أو آليات إدارتها، الأمر الذي زاد من انتشار خطاب الكراهية، خاصة تجاه المقادمين من دول جنوب الصحراء، حيث يتم تداول مقاطع مصورة قديمة أو مفبركة لإثارة الذعر، وأحيانًا استهداف دول بعينها بالتحريض، أو تصوير المهاجرين في حالات ضعف بهدف شيطنتهم، وهو أمر يتعارض مع المواثيق الدولية التي صادقت عليها ليبيا.
وفي إطار تتبع أنماط الاتهام الموجه للمهاجرين، يتحدث عثمان عن ميل المجتمع لاستخدامهم كـ “هدف مباشر” عند اشتداد الأزمات. وتُظهرُ بيانات الهيئة بوضوح إعتماد المهاجرين كـ”شمّاعة” لتفريغ الاحتقان الشعبي، فكلما اشتدت الأزمات الاقتصادية في البلاد، ازداد الخطاب المعادي للمهاجرين، وكأن هناك من يوجّه الرأي العام بعيدًا عن جوهر الأزمات. وتدور السرديات المتداولة حول ثلاث روايات رئيسية:
• السردية الاقتصادية: تحميل المهاجرين مسؤولية نقص الوقود والخبز والسيولة المالية، وتصويرهم كمستهلكين للدعم الحكومي.
• سردية التوطين: بث المخاوف من وجود خطط دولية لتوطين المهاجرين في ليبيا وتغيير التركيبة الديموغرافية.
• سردية الأمراض والجريمة: ربط الجرائم الفردية أو انتشار بعض الأمراض بوجود المهاجرين ككل، دون بيانات رسمية.
ويشير عثمان إلى أن تقنيات الإعلام التي تغذي هذه السرديات تعتمد على عناوين صادمة لجذب التفاعل، مع نشر صور لحشود بشرية قد لا تكون من ليبيا أصلًا، والاعتماد على مصادر مجهولة في تداول الشائعات.
ويوضح أن الإعلام، ومواقع التواصل غير المنضبطة، أصبحت تلعب دورًا تضخيميا للمخاوف بدل أن تكون أداة لنقل الحقائق، فبدل تقديم قصص إنسانية عن المهاجرين، يتم تكريس صورة نمطية تختزلهم في دور المجرمين أو ناقلي المرض، مما صعّب التعاطف العام معهم، “حتى أن بعض الصحفيين أوالمدونين الذين يتعاطفون معهم أصبحوا يتجنبون إعلان مواقفهم خوفًا من الهجوم”.
من جهة أخرى، يشير عثمان إلى صعوبة ضبط هذا المشهد بسبب نقص الموارد البشرية والمالية لدى الهيئة، وسرعة انتشار المحتوى على منصات مثل فيسبوك وتيك توك، بالإضافة إلى وجود حسابات وهمية ومؤثرين خارج نطاق الرقابة. ورغم استمرار الهيئة في الرصد وإصدار التقارير والتنبيهات، ” إلا أنها تحتاج إلى آليات تنفيذية أقوى، وتعاون أكبر مع الجهات القضائية والأمنية لتحويل تقارير الرصد إلى إجراءات رادعة بحق المحرضين”. كما يشدد على ضرورة رفع وعي المؤسسات الإعلامية بالمعايير المهنية وأخلاقيات النشر.
العمالة الوافدة لا تُهدد سوق العمل
حول علاقة المهاجرين بسوق العمل والبطالة، يؤكد الخبير الاقتصادي أحمد الخميسي أن حجم العمالة الأجنبية الوافدة إلى ليبيا، بات واضحًا، خصوصًا في قطاعات البناء والزراعة والخدمات منخفضة الأجور، إلا أنه لا يوجد أي دليل على أن وجود هذه العمالة هو السبب المباشر في ارتفاع معدلات البطالة بين الليبيين.
ويشير إلى أن سوق العمل الليبي يعاني من اختلالات هيكلية أعمق من مجرد المنافسة على الوظائف، حيث ترتفع البطالة خاصة بين الشباب وحاملي الشهادات نتيجة ضعف تنويع الاقتصاد واعتماد نسبة كبيرة من المواطنين على القطاع الحكومي، مقابل هشاشة القطاع الخاص الذي يفتقر إلى بيئة تنظيمية ومصرفية تسمح له بالنمو واستيعاب اليد العاملة.
ويضيف الخميسي أن العمالة الأجنبية تتركز غالبًا في أعمال ومهن يعزف عنها كثير من الليبيين بسبب تدني الأجور أو مشقة ظروف العمل، ما يعني أن الاحتكاك المباشر بين الطرفين في سوق الوظائف ليس بالحجم الذي يُصوّر في الخطاب العام. وينتقد غياب بيانات دقيقة حول عدد العمال الأجانب وطبيعة أعمالهم وتوزعهم على القطاعات، حيث تسببت اضطرابات السنوات الماضية في توقف المسوح الاقتصادية، الأمر الذي جعل معظم الدراسات المتوفرة وصفية وليست سببية، وغير قادرة على تقديم نماذج قياس تُحدد الأثر الحقيقي للعمالة الوافدة على فرص التوظيف.
ويختتم قوله بأن “تجاوز أزمة البطالة يتطلب تبني سياسات تشغيل شاملة تُعالج العجز البنيوي في السوق، وتنهض بالقطاع الخاص، وتُعيد تفعيل منظومة التدريب والتأهيل، بما يساهم في خلق فرص عمل حقيقية للمواطنين بعيدًا عن الخطابات التي تبحث عن “كبش فداء” بدل الذهاب إلى تشخيص اقتصادي عميق ودقيق”.
التزامات قانونية على الورق
وفيما يخص انتشار خطاب الكراهية ضد المهاجرين، تؤكد الأستاذة ناجية العطراق، مستشارة قانونية بالمؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، أن ذلك لا يمكن أن يدخل ضمن خانة “حرية التعبير” لأن هذه الحرية، سواءا في القانون الليبي أو وفق المواثيق الدولية، ليست حقًا مطلقًا، بل تخضع لضوابط واضحة عندما تتحول إلى وسيلة للتحريض على الكراهية أو العنف أو التمييز.وتضيف أن “أي خطاب ينزع عن الإنسان صفته الإنسانية، أو يقدمه كمصدر تهديد ويحمله مسؤولية الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، يخرج عن حدود التعبير المشروع ويتحول إلى خطاب تحريضي يهدد السلم الاجتماعي ويشكل انتهاكًا لحقوق الإنسان”.
وتُشير إلى أن خطابات الكراهية لا تبقى حبيسة الفضاء الإعلامي أو الرقمي، بل تنعكس مباشرة على الواقع العملي، حيث تخلق بيئة عدائية تُشجّع على العنف. وتوثّق المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان حالات اعتداء واحتجاز تعسفي وسوء معاملة للمهاجرين، ارتبطت بارتفاع موجات التحريض الإعلامي والرقمي، وهو ما يثبت وجود علاقة بين انتشار الخطاب التحريضي وتزايد الانتهاكات على الأرض.
وتُذكّر العطراق بالمرجعية القانونية الوطنية والدولية التي تنظم التعامل مع الخطاب العنصري، حيث توضح أن ليبيا ملتزمة دوليًا بعدة اتفاقيات، أهمها: العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي يحظر التحريض على الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية، و الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري.
لكن على المستوى الوطني، لا يوجد حتى الآن قانون خاص ومتكامل يجرّم خطاب الكراهية بشكل صريح، ويتم التعامل مع المخالفات بالاستناد إلى نصوص عامة في قانون العقوبات تتعلق “بالتحريض” أو “الإخلال بالأمن العام”، دون وجود تعريف واضح لخطاب الكراهية أو آليات للرصد والمساءلة. ورغم ذلك، فإن الدولة ملزمة، حسب العطراق قانونيًا ودوليًا بحماية جميع الأشخاص داخل أراضيها بلا تمييز، بمن فيهم المهاجرون واللاجئون، كما أن الصمت أو التقاعس الرسمي أمام خطابات الكراهية يشكل شكلًا من أشكال الانتهاك غير المباشر. وتُوضّح أن المحاسبة القانونية تصبح معقدة إذا أدى خطاب الكراهية إلى اعتداء مباشر، لأن إثبات العلاقة السببية بين التحريض والفعل الإجرامي يتطلب بنية قانونية واضحة. لذلك تدعو إلى إصلاح تشريعي شامل يضع تعريفًا دقيقًا لخطاب الكراهية، وإنشاء آليات للرصد والتوثيق، مع ضمان محاسبة المحرضين وحماية المهاجرين واللاجئين كفئات معرضة للخطر وتعزيز حقوق الإنسان وترسيخ ثقافة احترام التنوع داخل المجتمع الليبي.
هكذا تتداخل الجوانب الإعلامية والاقتصادية والقانونية في قضية الهجرة داخل ليبيا، وما يرتبط بها من سرديات وتأثيرات اجتماعية. وبينما يستمر الجدل العام حول دور المهاجرين ومكانتهم داخل المجتمع، تظل الحاجة قائمة لبيانات موثوقة، وتشريعات واضحة، ومقاربات إعلامية مهنية تضمن تداول المعلومات دون تحريض أو تضليل.


