المرأة في ليبيا: الصورة المخفية بين الشرعية والسردية الأمنية
نورا الجربي
في ليبيا، تعمد عدة أطراف سياسية وتساعدها عوامل تاريخية لإخفاء صورة المرأة وصوتها واسمها وكل مؤشّر يدلّ على هويتها، وقد تطوّر هذا المسار بالانتقال من إخفاء الاسم في البيت والمناسبات العائلية، إلى إخفاء الصورة في الحملات الانتخابية، وهو مسار منطقي متصل يبدأ من اللغة، ويمر بالعُرْف، ويستقر في السياسة، ثم يُحصَّن بالسردية الأمنية. والنتيجة واحدة: امرأة موجودة في الواقع، غائبة في التمثيل، ومُغيَّبة في السرد.
المرأة الحاضرة الغائبة
إن المشكلة في ليبيا ليست أن المرأة غائبة، فالغياب هنا ليس فراغاً ولا صدفة، بل فعلٌ مُحكم الصنع، غيابٌ يُدار بعناية، ويُغلَّف بعاطفة، ويُقدَّم دائماً في صورة حبّ. يقال إن المرأة تُخفى احتراماً، وتُغيَّب حمايةً، ويُؤجَّل حضورها خوفاً عليها، هكذا لا يُمارَس الإقصاء بوصفه عنفاً، بل بوصفه رعاية، ولا يُفرض القيد باعتباره قمعاً، بل يُقدَّم كحنان اجتماعي.
هذا الغياب المصنوع بعاطفة هو أخطر أشكال الإخفاء، لأنه لا يُواجَه بالرفض بل يُقابَل بالتسليم، فالمرأة لا تُقصى لأنها مرفوضة، بل لأنها «محبوبة أكثر من اللازم»، ولأن وجودها في العلن يُصوَّر دائماً كتهديد لها، لا كنقص في المجتمع.
في ليبيا، لا تُخفى المرأة فجأة، ولا يُمحى حضورها بقرار واحد، ذلك أنّ الإخفاء هنا فعل تراكمي، هادئ، يومي، يبدأ من اللغة وينتهي عند السياسي.
يبدأ من الاسم حين يُعامل كسرّ عائلي، لا يُقال إلا همساً، وكأن النطق به إعلان فجور أو خرق لنظام غير مكتوب، وفي الواقع فإنّ امرأة بلا اسم معلن، هي امرأة بلا اعتراف كامل، حتى وإن سجّلت حضورها ، ففي البيوت، يُستعاض عن الاسم بالقرابة كأخت فلان وزوجة فلان وبنت فلان، فالاسم مؤجل دائماً أو مشروط بالسياق، أو محاط بالخجل، هذا الامتناع لا يُقدَّم كقمع، بل كأدب وأخلاق وسترة، لكن الستر حين يتحول إلى قاعدة، لا يحمي بقدر ما يمحو، فالذي لا يُسمّى، لا يُرى، والذي لا يُرى، يسهل إخراجه من المعنى العام.
وحين يغادر هذا المنطق جدران البيت، لا يحتاج إلى الكثير من العناء ليُثبت حضوره في المجال الاجتماعي؛ يكفي أن نتأمل بطاقات الدعوة في مناسبات الفرح فنجد اسم الرجل مكتوبًا كاملًا، واضحًا، متصدّرًا الورق، كأنه بيان رسمي بالوجود، أما المرأة، فتظهر في صورة هامشية: حرف أول يتيم، أو صيغة فضفاضة من نوع «حرم فلان»، وكأن الاسم عبء طباعي، أو تفصيل يمكن الاستغناء عنه دون خسارة تُذكر.
والغريب أن هذا الإخفاء لا يُقدَّم بوصفه إقصاء، بل يُغلَّف بخطاب الاحترام والستر، مع أنه في جوهره إعادة إنتاج ممل لفكرة قديمة: اسم المرأة ليس ضروريًا.
أمّا عندما يُنطق أخيرًا داخل قاعات عقد القران، لا يُستقبل بوصفه تعريفًا بإنسانة، بل كحدث اجتماعي يستدعي الانتباه والترقّب، لحظة صمت قصيرة، أعين تلتفت، ابتسامات جاهزة، وتعليقات تُقال على عجل تحت لافتة المزاح. في تلك اللحظة تحديدًا، يفقد الاسم معناه الطبيعي، ويتحوّل من هوية إلى مادة للاستهلاك الرمزي، يُتداول لا للاعتراف، بل للمراقبة والتهكم، وهذا هو الحال في مجتمع يزعم حماية الخصوصية فيُستخدم الاسم ذاته كأداة ضبط لا يُذكر إلا ليُحمَّل أكثر مما يحتمل، ولا يُسمع إلا ليُختبر، تجربة مألوفة ومتكررة، يعرفها الناس جيدًا… ويواصلون التعامل معها كما لو كانت أمرًا عابرًا لا يستحق الوقوف عنده.
هذا المسار الاجتماعي، القائم على محو الاسم والصوت، لم يتوقف عند حدود العرف، بل مهّد لمرحلة أكثر فجاجة: إخفاء المرأة من الفضاء العام، فالمرأة التي لا يُسمح لاسمها أن يُتداول بحرية، لا يُتوقع أن يُرحَّب بصورتها، ولا أن يُنظر إلى ظهورها بوصفه حقًا طبيعيًا وأصيلًا.، كما لا يبدو الأمر تفصيلاً اجتماعيًا بريئًا.
موجودة.. لكن غير مرئية
لقد أظهرت التقارير الدولية نفسها نمطًا مشابهًا في المجال السياسي يتمثل في مشاركة واسعة بلا تمثيل وحضور عددي بلا سلطة وكأن المطلوب من المرأة أن تكون موجودة.. ولكن غير مرئية. ومشاركة.. ولكن بلا صوت.
عندما تنافس المواطنون على مقاعد المجالس المحلية في انتخابات البلديات بين عامي 2024 و2025، كشف الواقع التمثيلي عن فجوة واضحة بين مشاركة المرأة في الحياة المدنية وحضورها الفعلي في مواقع السلطة، فبحسب المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، شهدت هذه الاستحقاقات مشاركة 1786 مترشحًا ضمن القوائم الحزبية في 159 بلدية، إلى جانب 545 مترشحًا تنافسوا عبر نظام الترشح الفردي، لم تكن من بينهم سوى 17 امرأة مقابل 470 رجلًا. أرقام تُظهر أن الإقصاء لا يبدأ من صناديق الاقتراع، بل يسبقها.
وفي المراحل اللاحقة من الانتخابات نفسها خلال الفترة ذاتها، لم يتخذ هذا الإقصاء شكل المنع المباشر، بل ظهر في صورة أكثر مراوغة، حيث اختفت صور وملامح المرشحات ، واستُبدلت بصور رمزية كزهرة أو شعار بلدية أو أيقونة ملوّنة بلا ملامح، وهو في الحقيقة حضور شكلي يوحي بالاعتراف، لكنه في جوهره يفرغه من معناه، ويؤكد أن الإخفاء، حين يُعاد إنتاجه مؤسسيًا، لا يحتاج إلى قرار صريح ليُمارَس.
وهنا لا تُمنع المرأة من الظهور صراحة، بل يُسمح لها بالظهور من دون وجه، يُقال لها: شاركي، ولكن لا تكوني أنتِ، وفي هذا السياق تقول إحدى المترشحات بدون اسم ولا صورة عن مدينة زليتن: “الصورة عندنا ليست حقاً سياسياً، بل بداية العقاب، فما إن تظهر، حتى يبدأ التفتيش في شكلي، وفي حياتي، وفي أخلاقي، ولا أحد يسأل عن برنامجي، لذلك اخترت صورة مفرغة، لم أختفِ، لكنني تنازلت، حتى لا يتحول وجهي إلى ساحة عنف مفتوحة”.
إنّ الصورة في السياق الانتخابي ليست تفصيلاً تقنياً ولا اختياراً جمالياً، بل هي حق وفعل اعتراف سياسي، وحين يُمحى الوجه أو يُستبدل برمز، لا تُحمى المرشحة، بل تُجرَّد من شخصيتها العامة، وتُقدَّم للناخبين كفكرة بلا جسد، وكصوت بلا ملامح، هكذا يُطلب من المرأة أن تترشح، شرط أن لا يتمّ التعرّف عليها، وأن تكون حاضرة، بشرط أن تبقى غير مرئية.
لم يكن هذا الخيار، في كثير من الحالات، قراراً فردياً حراً، إنّما هو نتيجة ضغط اجتماعي كثيف يرى في صورة المرأة عبئاً على المجتمع، لا جزءاً أصيلاً منه، فتلك الصورة قد «تثير المشاكل»، وقد «تجلب الكلام»، وقد تتحول – كما يُقال دائماً – إلى خطر أمني محتمل، وهنا، يبدأ الإخفاء في ارتداء بدلته الرسمية، فما إن تنتقل المسألة من العرف إلى المجال العام، حتى تتدخل السردية الأمنية لتؤدي دورها الأخطر وهو تحويل الإقصاء إلى ضرورة، والمحو إلى إجراء وقائي، وفجأة، يصبح غياب صورة المرأة «حرصاً على السلامة»، ويغدو تغييب اسمها «تجنباً للفتنة»، ويُعاد تأطير الإقصاء كله بلغة الخطر والتهديد، لا يُقال إن المرأة تُقصى، بل يُقال إنها تُحمى.
لا تكتفي السردية الأمنية في ليبيا بضبط السلاح والحدود، بل تمتد لضبط المعنى نفسه وهي سردية تعيد تعريف من يحق له الظهور، ومن يجب أن يبقى في الظل، وضمن هذا المنطق، تُعامل المرأة باعتبارها عنصراً هشاً، وجودها في العلن قابل للاشتعال، وصوتها مصدر إرباك، لذلك يُطلب منها دائماً أن تختفي قليلاً: عن صورة هنا، وعن اسم هناك، باسم المصلحة العامة.
في هذا السياق، لا يكون إخفاء المرأة استثناءً، بل قاعدة ناعمة لإدارة المجتمع وقاعدة تُمارَس بلا أوامر مكتوبة، وبلا قوانين صريحة، لكنها أكثر فاعلية من النصوص، فالسلطة لا تحتاج إلى القمع المباشر، ما دام المجتمع نفسه يتكفل بإعادة إنتاج الإخفاء، والدفاع عنه، وتقديمه كفضيلة.
في هذا السياق، يتحول الحب إلى أداة ضبط، ويتحوّل الحرص إلى آلية محو ناعمة، فهنا تحديدا تستمدّ السردية الأمنية شرعيتها الجاهزة، فهي لم تحتاج إلى اختراع خطاب جديد، بل استعارت الموروث الاجتماعي ذاته، وأعادت توظيفه بلغة السلطة ما كان يُقال باسم العرف، صار يُقال باسم الأمن، وما كان يُبرَّر بالخجل، أُعيد إنتاجه كإجراء وقائي؛ هكذا تُشرعن السلطة إخفاء المرأة، لا بالقوة، بل بالشرعية المستمدة من المجتمع نفسه.
وفي النهاية، ليست معركة المرأة في ليبيا مع الغياب، بل مع الطريقة التي يُصنَع بها هذا الغياب ويُقدَّم كفضيلة، فالدولة التي تُخفي نساءها بحجة حبّهن، وتُقصيهن ، هي لا تحميهنّ ، بل تُجمّل السلطة بالعاطفة. إنّ كسر هذه الدائرة لا يبدأ بالشعارات، بل بتسمية الأشياء بأسمائها وهذا ليس حباً، بل إدارة ممنهجة للغياب، وهذا الغياب مهما كان مُغلَّفاً بالحنان، يظل شكلاً من أشكال الإقصاء.


