العدالة على فوّهة البنادق
“إذا أراد وكيل النيابة احتجازك بينما الردع لا تريد ذلك، فلن يتم احتجازك.. لا توجد سلطة فوق الردع”.
بهذه العبارة، التي ينقلها تقرير لمركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان على لسان أحد الضحايا، يمكن قراءة صورة العدالة في ليبيا اليوم؛ حيث السلاح يسبق سلطة القانون، والقضاء يتحرك داخل هامش ترسمه موازين القوة.
يكشف التقرير، الذي صدر بعنوان “القوة فوق القانون: الجماعات المسلحة وانهيار القضاء في ليبيا” أواخر مارس، أن هذا الواقع ليس استثناءً طارئًا، بل نتيجة تآكل تدريجي لمؤسسات العدالة تحت ضغط السلاح والسياسة. فالسلطة القضائية، بحسب التقرير، “رهينة لتوازنات القوى المحلية”، عاجزة عن التحكم في وظائفها الأساسية، من تنفيذ الأوامر إلى حماية كوادرها. وفي هذا السياق، لم يعد القاضي يتّخذ قراره بحرية كاملة، بل يزنه على ضوء ما قد يترتّب عليه خارج المحكمة، خصوصًا حين يتعلق الأمر بملفات حساسة.
وتتجلى آثار هذا التآكل في البيئة التي يعمل فيها الفاعلون القضائيون، حيث يتعرض القضاة وأعضاء النيابة لتهديدات واختطاف واعتداءات، ما يخلق مناخًا ترهيبيًا يؤثر مباشرة على استقلالهم. ونتيجة لذلك، يتردد كثيرون في التعامل مع القضايا الحساسة أو تحدي الجهات النافذة. في المقابل، تفرض الجماعات المسلحة نفوذها فعليًا على مسار العدالة، عبر الاحتجاز خارج القانون، وانتزاع الاعترافات بالإكراه، والتدخل في عمل المحاكم، بما يقوض ضمانات الإجراءات القانونية ويجعل سيادة القانون مسألة معلّقة.
ولا يظل هذا النفوذ في مستوى التأثير العام فحسب، بل يتجسد في وقائع ملموسة. إذ تكشف شهادة محامية من بنغازي عن عمل جماعات مسلحة ضمن إطار موازٍ لا يخضع لرقابة قضائية فعلية. وتورد مثال امرأة مسنّة اتُّهمت بالسحر واعتُقلت من قبل مجموعة “20/20” من دون مذكرة توقيف أو سند قانوني، ولا تزال، بحسب الشهادة، محتجزة منذ نوفمبر 2024 دون عرض على النيابة أو تمكينها من محامٍ.
وعندما حاولت المحامية التدخل، جاءها التحذير مباشرًا، حيث قيل لها: «لا تخاطري بحياتك بالذهاب إلى مجموعة 20/20»، في دلالة واضحة على حجم الترهيب وغياب أي مسار قانوني فعّال. وتعكس هذه الواقعة كيف صادرت الجماعات المسلحة اختصاصات النيابة العامة، وأصبحت تعمل خارج نطاق المساءلة، في ظل انهيار فعلي لنظام العدالة.
ويمتد هذا النمط إلى حالات أكثر خطورة، تتقاطع فيها الأجهزة الأمنية مع القضاء بشكل مباشر. فتُبرز واقعة وفاة الناشط عبد المنعم المريمي في يوليو 2025 خطورة هذا التداخل؛ فبعد اختطافه في صرمان أواخر يونيو، ظهر محتجزًا لدى جهاز الأمن الداخلي في طرابلس، قبل أن تُعلن وفاته رسميًا إثر سقوطه داخل مبنى النيابة، في قضية يُنظر إليها على نطاق واسع كحالة إسكات سياسي يجري تحت غطاء أمني وقضائي مربك.
ورغم نشر تسجيلات تُظهر سقوطه بعد الإفراج عنه من الاستجواب، ورغم فتح تحقيق رسمي، لم تظهر حتى الأن خطوات قضائية حاسمة. وهو ما يعكس استمرار سيطرة الجهات المسلحة على مسار الاحتجاز وتقديم الأدلة، ويحوّل دور القضاء إلى مراجعة شكلية لاحقة، ويقوّض ضمانات المحاكمة العادلة لصالح منطق القوة.
ولا تختلف هذه الحالة عن وقائع أخرى في شرق البلاد، حيث توفي الناشط السياسي سراج فخر الدين دغمان في ظروف غامضة أثناء احتجازه داخل مرفق غير رسمي بمقر القيادة العامة في الرجمة، جنوب شرق بنغازي. أُبلغت عائلته بوفاته وتسلمت جثمانه في اليوم نفسه، دون توضيحات كافية بشأن ملابسات الوفاة.
وكان دغمان محتجزًا تعسفيًا منذ أكتوبر 2023 عقب اعتقاله مع أربعة نشطاء على خلفية نقاشات سياسية، دون عرضهم على القضاء أو تمكينهم من محامين أو زيارات عائلية. وقد أُفرج عن بقية المحتجزين في أغسطس 2025 دون محاكمة، بما يعكس نمطًا متكررًا من الاحتجاز خارج إطار القانون وانتهاك ضمانات العدالة.
وتقود هذه الوقائع مجتمعة إلى استخلاص نمط بنيوي أعمق، يتمثل في اختلال العلاقة بين السلطتين التنفيذية والقضائية في ليبيا منذ 2011. فبينما ترفع السلطة التنفيذية شعار استعادة سيادة القانون، فإنها عمليًا تعتمد على جماعات مسلحة لفرض الأمن، وتلجأ إلى المواجهات الانتقائية بدلًا من المسارات القضائية، كما حدث عقب مقتل عبد الغني الككلي في مايو 2025.
في المقابل، تظل السلطة القضائية مقيّدة ومحدودة الفاعلية. إجراءاتها مرهونة بمبادرة النيابة العامة، وتواجه دومًا صعوبات لفرض قراراتها أو فتح ملفات ضد جهات مسلحة تتمتع بحماية أو دعم ضمني من السلطة التنفيذية. هكذا يفقد القضاء موقعه كسلطة مستقلة، ويغدو، في كثير من الأحيان، إطارًا لاحقًا يضفي طابعًا شكليًا على ممارسات تُفرض مسبقًا بقوة السلاح.
كما يتجلى هذا التناقض مع استمرار الدولة في تمويل جماعات مسلحة متهمة بانتهاكات، دون ربط هذا التمويل بالخضوع للقانون أو الإمتثال لأحكام القضاء. وبهذا، تتقاطع ممارسات السلطتين في إنتاج بيئة تُرجّح منطق القوة على سيادة القانون، وتُبقي المحاسبة رهينة التوازنات السياسية وليس المعايير القانونية.


