دروج Drooj

داود حلاق.. ثماني سنوات على الرحيل والإرث غائب

مرّت قبل أيام الذكرى الثامنة لرحيل الكاتب والمؤرخ الليبي داود حلاق، أحد أبرز الأسماء التي جمعت بين الفلسفة والبحث التاريخي والآدب، تاركًا أثرًا واضحًا في السرد الليبي وكتابات تاريخ وآثار برقة.  

وُلد داود موسى حمد حلاق في مدينة شحات “منطقة صنبّر” عام (1942)، والتحق بكلية الآداب في الجامعة الليبية بمدينة بنغازي، وفي أبريل (1973)، تعرّض للسجن خلال الأحداث التي شهدتها ليبيا فيما عُرف بـ”الثورة الثقافية”، كما صودرت مكتبته الخاصة. وبرغم ذلك، برز بوصفه أحد أهم الأصوات القصصية في ليبيا خلال النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي، عبر قصتين لفتتا الأنظار مبكرًا هما “ذات ليلة ممطرة” و”الموت في الملاذ”. وبعد سنوات من الانقطاع عن كتابة القصة، عاد لاحقًا ليصدر مجموعته القصصية “قناص هرم” عام (2007)، في تجربة جاءت متأخرة نسبيًا بعد انشغاله الطويل بالبحث التاريخي والأثري. كما صدر له “أوشاز الأسلاف” (1989) حول الكهوف المعلقة بالجبل الأخضر، و”مرقص الإنجيلي” (1993) عن سيرته وكفاحه ضد الرومان واكتشاف مقراته في الجبل الأخضر، إلى جانب “عمود السماء” (1999)، و”قوريني الوجه الآخر” (2002)، وهي أعمال سعت إلى إعادة قراءة تاريخ الليبيين القدماء وحضارة المدن الخمس من منظور مغاير للسرديات التقليدية.

شكّلت مجموعته القصصية “ذات ليلة ممطرة” طليعة مبكرة للحركة الثقافية الليبية في تلك المرحلة، إذ قدّمت فضاءً مكانيًا واجتماعيًا يبدو محليًا في ظاهره، لكنه ينفتح على هوية ليبية وقومية عربية أوسع. وقد مثّل نصًا واجه الهزائم والألم والتحولات التي أثقلت وجدان تلك المرحلة، مجسدًا واقعًا اجتماعيًا وإنسانيًا كثيفًا، يتقاطع فيه حزن الأم الثكلى مع توقٍ غامض إلى مستقبل لم يتشكل بعد.

لم يكن اهتمام داود حلاق بالتاريخ والآثار امتدادًا هامشيًا لتجربته الأدبية، بل تحوّل مع السنوات إلى مشروع فكري متكامل انشغل فيه بإعادة مساءلة السرديات الشائعة حول تاريخ برقة القديمة. فمن خلال عدد من الدراسات والكتب، سعى حلاق إلى تقديم قراءة مغايرة لتاريخ قورينا والمدن الخمس، مستندًا إلى فرضيات تربط بين الجذور الليبية القديمة وتكوّن الحضارات المتوسطية.

وفي كتابه “قورينى الوجه الآخر”، انطلق حلاق من فرضية تقول إن جماعات ليبية قديمة، عُرفت باسم “التحنو”، غادرت موطنها الأصلي في ليبيا منذ عصور مبكرة نحو جزر بحر إيجة، وهناك ساهمت بحسب رؤيته في وضع اللبنات الأولى للحضارة الإغريقية. ثم، وبعد قرون، عاد جزء من هذا الامتداد البشري والثقافي إلى الساحل الليبي، لتنشأ لاحقًا قورينا وباقي مدن “بنتابوليس”

ولتعزيز هذه الرؤية، استند حلاق إلى عدد من الإشارات التاريخية والأثرية، من بينها كتابات المؤرخ الإغريقي هيرودوت، وبعض الاكتشافات المرتبطة بجزيرة “ثيرا”، إضافة إلى قراءات لمراجع أثرية يونانية رأى أنها تكشف حضورًا ليبيًا مبكرًا في فضاء البحر المتوسط. لذلك كان مشروعه محاولة لإعادة كتابة جزء من التاريخ الليبي القديم من زاوية مختلفة، تقوم على مراجعة المسلمات التاريخية وإعادة تأويلها بدل التسليم بها بوصفها حقائق نهائية.

وفي كتابه الثاني من سلسلة “أوشاز الأسلاف”، يطرح حلاق فرضية مثيرة تربط بين الجغرافيا المحلية في الجبل الأخضر وتاريخ نشأة الإنجيل، إذ يرى أن المقر الأول للقديس مرقص كان في وادي يُعرف اليوم بـ”وادي مرقص”. ومن خلال تتبّعه للمصادر التاريخية وربطها بالطبوغرافيا المحلية بين قورينا وبرطلس، يذهب إلى أن مرقص نشأ في ريف قورينا، وأن أول تدوين للإنجيل تم في كهوف المنطقة المعروفة بـ”الأوشاز”. ويخلص حلاق في نهاية طرحه إلى أن مرقص ينحدر من أصول ليبية، مستندًا إلى قراءة تاريخية وجغرافية محلية تعيد ربط النص الديني بسياقه المكاني في برقة القديمة.

تقدّم كتابات داود حلاق، مقارباتٍ جريئة تسعى إلى إعادة قراءة تاريخ برقة القديمة من زوايا غير تقليدية، عبر ربط المعطيات الأثرية المحلية بالسرديات المتوسطية والدينية. غير أنّ هذه الأطروحات، رغم طابعها التأسيسي ومحاولتها كسر المركزيات التاريخية السائدة، تظلّ ذات طابع جدلي، إذ تعتمد في كثير من مواضعها على تأويلات موسّعة للنصوص التاريخية وإسقاطات رمزية على المعطيات الأثرية، أكثر مما تستند إلى أدلة حاسمة ومتفق عليها في البحث الأكاديمي. لذلك، فقد واجهت بعض قراءاته انتقادات من باحثين رأوا فيها نزوعًا نحو إعادة بناء التاريخ على أساس فرضيات تفسيرية مفتوحة، يصعب التحقق منها منهجيًا، رغم أهميتها في فتح نقاشات جديدة حول موقع ليبيا القديم في التاريخ.

وفي المحصلة، لا يمكن النظر إلى تجربة داود حلاق بوصفها مجرد نتاج بحثي في التاريخ والآثار والآدب، بل هي مشروع ثقافي متكامل امتد من البدايات المبكرة؛ ففي عمر السابعة عشرة انتسب إلى نادي الصداقة، حيث بدأ أولى تجاربه الثقافية بتحرير جريدة حائطية حملت اسم “المجد”، قبل أن تتحول لاحقًا إلى جريدة تصدر باسم “قورينا”. كما شجّع الفنون وأسهم في توظيف المسرح الأثري بقورينا كفضاء للتعبير الثقافي وإحياء الذاكرة التاريخية للمكان.

وفي عام 1973 تولى إدارة المركز الثقافي بشحات، حيث أسهم في تطويره ليحصد المرتبة الأولى على مستوى ليبيا وفق تقييم منظمة اليونسكو، قبل أن يتحول إلى دار الثقافة شحات، كما افتتح به فصلًا لمحو الأمية، وعمل على جمع الأدوات القديمة وتأسيس أول معرض للتراث في المنطقة، في خطوة مبكرة نحو توثيق الذاكرة المادية وصون الموروث المحلي.

ورغم الأثر الذي تركه داود حلاق في الثقافة الليبية، فإن جزءًا مهمًا من مشروعه الفكري بقي حبيس الإهمال والتغييب. فحتى اليوم، لم يُنشر كتابه “بذور ليبيا الخالدة” (2008) وظلّ بعيدًا عن التداول، كما ضاعت نسخ مطبوعة منه نتيجة الإهمال. وإلى جانب ذلك، ترك حلاق عدة أعمال لم ترَ النور بعد، من بينها المجموعة القصصية “صمت الأجراف” و”جدر الموت” دراسة حول القلاع في برقة، إضافة إلى “مقّه” الذي تناول فيه الإله “مقّه” وتتبع حضوره وامتداداته في ليبيا.

ويبدو مؤسفًا أن يظل هذا الإرث، بعد كل تلك السنوات، خارج دائرة العناية الثقافية الحقيقية، في وقت تعاني فيه الذاكرة الليبية من ضياع كثير من نتاج روادها. ولعل أكثر ما يثير الأسى أن كاتبًا كرّس حياته للبحث في الذاكرة الليبية، انتهى جزء من إرثه نفسه مهددًا أيضًا بالنسيان والضياع. لذلك، فإن أقل ما يمكن أن يُقدَّم اليوم لتجربة داود حلاق ليس الرثاء أو إحياء ذكرى رحيله بصورة خجولة، بل مشروع جاد تتبناه المؤسسات الثقافية لجمع أعماله المتبقية، وإعادة نشرها، بوصفها جزءًا أصيلًا من الذاكرة الأدبية والتاريخية والفكرية الحديثة في ليبيا.

وبذلك تتكامل صورة داود حلاق بوصفه باحثًا وكاتبًا ومثقفًا فاعلًا، انحاز طوال تجربته إلى إعادة اكتشاف المكان الليبي وقراءة تاريخه من زوايا مختلفة، ليبقى اسمه واحدًا من الأسماء التي تركت أثرًا عميقًا في مسار الثقافة الليبية الحديثة.

شارك هذا المقال

منشورات ذات صلة

مرّت قبل أيام الذكرى الثامنة لرحيل الكاتب والمؤرخ الليبي داود حلاق، أحد أبرز الأسماء التي جمعت بين الفلسفة…

هل أحببنا فلسطين بالفعل؟ من "القدس زهرة المدائن" إلى الجنوب اللبناني و"قانا الجرح"، كبر جيل كامل على مبدأ…

بعد أكثر من عقدين على صدور دراسة "الثقافة السياسية في ليبيا" للدكتورة آمال العبيدي، تبدو أسئلتها أقل انتماءً…

بابكر، الذي لا تغيب الابتسامة المضيئة عن وجهه المستدير ذي الملامح الطفولية، لا يكاد يتوقف عن الحركة. يلتقط…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.