تقرير النتائج السنوي يوثّق تدخلات واسعة في الحوكمة والخدمات والمياه والهجرة، لكنه يعيد طرح السؤال القديم حول أثر البرامج في بلدٍ تُنتج أزماته نفسها.
مع تراكم الأزمات التي يعيشها الليبيون يوميًا، كثيرًا ما تبدو الأرقام وحدها عاجزة عن شرح ما يحدث في البلاد، لكنها تظل، رغم ذلك، واحدة من الوسائل القليلة لفهم حجم الفجوة بين ما يُصرف وما يتغير فعلًا.
لقد نشرت الأمم المتحدة في ليبيا تقرير النتائج السنوي لعام 2025، موثّقة عامًا جديدًا من العمل المشترك مع مؤسسات ليبية وشركاء دوليين ومحليين. وبحسب التقرير، ركّزت تدخلات الأمم المتحدة خلال العام الماضي على تعزيز الحوكمة المحلية، وتوسيع الوصول إلى الخدمات الأساسية، وخلق فرص للشباب ورواد الأعمال، وتطوير حلول أكثر قدرة على الصمود في مجالي المياه والمناخ، إلى جانب توفير الحماية للنازحين والمهاجرين واللاجئين والفئات الأكثر هشاشة. وهي مجالات تبدو على الورق شديدة الصلة بحياة الناس، لكنها تطرح أيضًا سؤالًا قديمًا ومتجددًا حول تحول هذه البرامج إلى أثر ملموس في هذه البلاد التي تُنتج أزماتها أكثر مما تُنتج غذاءً لسكانها.
يعرض التقرير نتائجه عبر ست مجالات ذات أولوية، وهي: السلام والحوكمة، والتنمية الاقتصادية، والخدمات الاجتماعية، والقدرة على الصمود في مجالي المناخ والمياه، والحلول الدائمة للنازحين داخليًا، وإدارة الهجرة. وبلغ إجمالي الاستثمار البرنامجي للأمم المتحدة في ليبيا خلال 2025 نحو 101.3 مليون دولار أمريكي، بتمويل رئيسي من الاتحاد الأوروبي، وليبيا، وصندوق الأمم المتحدة لبناء السلام، وإيطاليا، والولايات المتحدة، وألمانيا.
ويعرض التقرير حصيلة واسعة من التدخلات والنتائج خلال عام 2025، شملت مشاركة أكثر من 120 فاعلًا ليبيًا، بينهم 35% من النساء في الحوار المُهيكل، وإطلاق الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد 2025–2033، واعتماد بروتوكول وطني لحماية الأطفال المتعاملين مع القانون، إلى جانب إجراء انتخابات بلدية في 59 بلدية، وتطهير أكثر من 1.5 مليون متر مربع من الأراضي الملوثة، وتدمير أكثر من 52 ألف مادة متفجرة. وفي المجال الاقتصادي، يشير التقرير إلى دعم أسس الحوكمة الرقمية والقطاعات الناشئة، وتعزيز مهارات أكثر من 900 رائد أعمال، وتدريب 1,238 شابًا وشابة بمهارات مهنية مرتبطة بسوق العمل، إضافة إلى تثبيت أكثر من 400 وظيفة.
أما في الخدمات الاجتماعية، فتبرز أرقام أكثر اتصالًا بالحياة اليومية، من بينها تطعيم 313,967 طفلًا ضد الحصبة، وتمكين 52 ألف شخص من الوصول إلى الرعاية الصحية الأولية، وتقديم خدمات صحية أساسية لأكثر من 70 ألف شخص في البلديات المتأثرة بالكوارث، ودعم 45 ألف طفل غير ملتحقين بالمدرسة عبر برامج التعليم التعويضي. وفي ملف المناخ والمياه، يتحدث التقرير عن أول جرد للكربون في ليبيا، واعتماد المساهمات المحددة وطنيًا، والاستراتيجية الوطنية لمكافحة الجفاف، والتقدم في استراتيجية الأمن المائي، مع تمكين 642,600 شخص من الوصول إلى نظم مياه أكثر قدرة على الصمود أمام تغير المناخ، واستعادة أنظمة المياه لـ 49 ألفًا من سكان يفرن و75% من سكان القطرون.
وعلى مستوى النزوح والهجرة، يشير التقرير إلى خطة تعافٍ تقودها المجتمعات المحلية في تاورغاء، وتقديم مساعدات عينية وغير غذائية لـ 780 نازحًا، وإطلاق فصل خاص بليبيا ضمن خطة الاستجابة الإقليمية للاجئين السودانيين، إلى جانب تدريب أكثر من 300 مسؤول على التصدي لمخاطر الاتجار بالبشر، ووصول أكثر من 17,700 مهاجر وشخص معني إلى مسارات حماية آمنة وطوعية، وتلقي أكثر من 375,600 من المهاجرين والأشخاص المعنيين دعمًا منقذًا للحياة.
والحقيقة أن هذه الأرقام ليست بسيطة، ولا يمكن التعامل معها باستخفاف. فجزء واسع من عمل الأمم المتحدة وشركائها يحدث في مناطق وقطاعات لا تظهر عادة في النقاش العام الليبي، ولا تصل إلى المواطن إلا كخبر عابر أو صورة من ورشة تدريبية. ثمة أطفال طُعموا، ومياه عادت إلى بيوت، وأراضٍ نُظفت من مخلفات حرب، وبلديات حصلت على دعم، وشباب وشابات تلقوا تدريبًا أو فرصة عمل. وأمام مؤسسات ليبية تملك ميزانيات ضخمة، لكنها لا تملك تنظيمًا مؤسسيًا، تبدو تقارير الأمم المتحدة، على علاتها، واحدة من الوثائق القليلة التي تخبرنا ماذا فُعل وأين ولمن.
لكن السؤال الذي يظل واقفًا في منتصف التقرير، كعادته، هو سؤال الأثر. لا أثر المشروع الصغير على صاحبه، ولا أثر التدريب على المتدرب، بل أثر هذه الدورة الكاملة من التدخلات على البلد نفسه. هل تتراكم هذه الأرقام في اتجاه دولة؟ أم تتراكم فقط في اتجاه تقرير جديد، بصور جيدة، وتصميم واضح، ولغة مطمئنة، ونهايات محسوبة؟
هنا تظهر المفارقة الليبية القديمة. اذ تمضي برامج الحوكمة، بينما الأزمة السياسية تراوح مكانها دومًا. دعم مكافحة الفساد يتقدم، بينما الفساد نفسه يتوسع داخل بنية الدولة ومؤسساتها. ورش تمكين الشباب والنساء تتكاثر، بينما المجال العام يضيق بهم. ومشاريع حماية المهاجرين والنازحين تستمر، بينما تنتج البيئة الأمنية والسياسية والاجتماعية أسباب هشاشتهم من أول وجديد.
يكفي أن نقرأ تقريرًا حقوقيًا آخر عن ليبيا في السنة نفسها لنرى الوجه الآخر من الصورة. فقد وثقت منظمة رصد الجرائم في ليبيا في تقريرها السنوي لعام 2025 عدد 859 انتهاكًا جسيمًا، مقارنة بـ 589 انتهاكًا في 2024، شملت الاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، والتعذيب، والقتل خارج القانون، وانتهاكات ضد المهاجرين واللاجئين والفئات الهشة.
ليست هذه مقارنة لإلغاء عمل الأمم المتحدة بالطبع، بل لتذكيرنا بأن التنمية في ليبيا تعمل غالبًا داخل غرفة مضاءة، بينما يقف خارجها واقع سياسي وأمني مظلم. فحين لا توجد دولة قادرة على تحويل البرامج إلى سياسات عامة، ولا مؤسسات قادرة على حماية النتائج من التبخر، يصبح المشروع مهما كان ناجحًا أشبه بترميم نافذة في بيت لا يزال سقفه مهددًا بالسقوط.
لذلك، ما تقوله تقارير الأمم المتحدة جيد ومهم، لكن ما لا تستطيع قوله بنفس الوضوح أكثر أهمية. وهو أن ليبيا ليست فقيرة بالموارد، ولا فقيرة بالتقارير، ولا فقيرة بالورش والاستراتيجيات. ليبيا فقيرة بالمساءلة. فقيرة بالثقة. فقيرة بالمؤسسات التي تحوّل المساعدة إلى حق، والتدريب إلى عمل، والخطة إلى سياسة، والتمويل إلى خدمة عامة لا إلى صورة في ملف بي دي اف.