قراءة في دراسة حديثة لهيئة الأمم المتحدة للمرأة حول تجارب النساء النازحات والعائدات، وما يكشفه النزوح الطويل من هشاشة في السكن والعمل والخدمات والعودة
وسط زحام الأزمات الليبية، تتراجع بعض المدن إلى هامش الهامش؛ لا لأن جراحها أقل عمقًا، بل لأن الاعتياد على المأساة يجعلها أقل ظهورًا في النقاش العام. هكذا تغيب أوضاع المناطق الأقل حظًا، تلك التي أنهكها الصراع الداخلي، ودفعت أعدادًا كبيرة من سكانها إلى النزوح، بينما بقيت قصصهم معلّقة بين العودة المؤجلة والحياة الصعبة في أماكن النزوح. ومن بين هذه الحالات تبرز مدينتا تاورغاء ومرزق؛ الأولى تضررت بشدة منذ عام 2011، والثانية شهدت موجة نزوح واسعة بعد تصاعد الاشتباكات في أغسطس 2019، حين نزح منها نحو 17,320 فردًا، أي ما يقارب 60% من سكان المدينة.
تعود هذه الأرقام إلى دراسة حديثة أصدرتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة في ليبيا عام 2025، بعنوان: “تجارب وتطلعات النساء النازحات والعائدات من مدينتي مرزق وتاورغاء في ليبيا”، بدعم من الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون. أعدّت الدراسة الباحثة أميرة مركوس، بالتعاون مع المنسقتين الميدانيتين زينب عطية الغول وتماضر الحضيري، وجرى التحقق من نتائجها في ورشة عمل عبر الإنترنت بتاريخ 13 يناير 2025، بحضور ممثلين عن مؤسسات المجتمع المدني ووكالات الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية.
اعتمدت الدراسة على منهج مختلط، جمع بين الاستبيانات الكمية والمقابلات النوعية. فقد شمل البحث 289 امرأة نازحة وعائدة من مرزق وتاورغاء، جُمعت آراؤهن بين أبريل وسبتمبر 2024، إضافة إلى 11 مقابلة مع مخبرين رئيسيين، وثلاث مناقشات جماعية مركزة شاركت فيها 21 امرأة من خلفيات مختلفة. ومن خلال هذه العينة، حاولت الدراسة فهم أثر النزوح على النساء والفتيات باعتبار أنهن من يتحمل غالبًا العبء اليومي للنزوح والعودة وإعادة بناء الحياة.
وقد عانت المدينتان تداعيات النزوح خلال العقد الأخير، لا سيما النساء. ومن خلال بيانات الدراسة وتقارير الأمم المتحدة، تظهر الأرقام أوضاعًا معيشية صعبة، وبالأخص خلال السنوات الخمس الأخيرة. فمن بين 289 امرأة شملهن الاستبيان من مرزق وتاورغاء، أفادت 76% منهن بأنهن تعرضن لأكثر من عملية نزوح، بسبب الصراع المستمر، أو الطرد من قبل قوات غير حكومية، أو نقص الخدمات الأساسية في أماكن النزوح الأولى.
وتشير الدراسة إلى أن 42% من الأسر التي شملها الاستبيان تعيلها نساء. ومع ذلك، فمن بين 121 أسرة تعيلها امرأة، قالت 61% إن هذا الوضع تغيّر منذ النزوح، إذ كان عائل الأسرة السابق رجلًا. واللافت أن 65% من هذه الحالات كانت من تاورغاء، ما يوضح حجم التحول الذي فرضه النزوح على بنية الأسرة، وعلى الأدوار التقليدية داخلها.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ماذا يعني أن تعيل امرأة أسرة كاملة، وهي في الغالب الأم أو الابنة الكبرى؟ فخيارات العمل أمام النساء محدودة في ليبيا، فضلًا عن أن الأجر، في الظروف الاستثنائية، يظل ضئيلًا مقارنة بصعوبة الأوضاع المعيشية، في ظل غياب مؤسسات حكومية توفر فرص عمل كافية، أو مراكز اجتماعية تساعد النساء على تحمل هذا العبء.
وبحسب الدراسة، “تتحمل النساء العبء الإضافي المتمثل في مسؤوليات رعاية الأطفال، مما يجعل من الصعب عليهن مغادرة منازلهن للحصول على فرص عمل. كما يؤدي عدم توفر خدمات رعاية الأطفال وأنظمة الدعم، لا سيما في حالات النزوح التي تفصل الأفراد عن أسرهم الموسعة، إلى تفاقم هذا التحدي”. وهكذا لا يصبح العمل مجرد بحث عن دخل، بل معركة يومية بين الحاجة إلى الإعالة، ومسؤوليات الرعاية، وصعوبة التنقل، وغياب الدعم العائلي الذي كان متاحًا قبل النزوح.
ومن الآثار المباشرة للنزوح، التي لا يُحكى عنها بصوت عالٍ، تغير الظروف بشكل فجائي وجذري. فالدراسة تشير إلى أن عددًا متزايدًا من النساء ذوات الخبرة العملية السابقة ظللن عاطلات عن العمل، ما يدل على عدم التوافق بين المهارات التي يحملنها والفرص المتاحة في أماكن النزوح. ومع ارتفاع تكاليف المعيشة وتردي الأوضاع الاقتصادية على مستوى البلاد، يصبح النزوح عاملًا مضاعفًا للهشاشة.
ولا تقف الأزمة عند العمل والدخل. فقد أظهرت الدراسة أن 193 امرأة من المشاركات كن ما زلن نازحات وقت جمع البيانات، منهن 77 من تاورغاء و116 من مرزق. ومن بين هؤلاء، أفادت 68% بأنهن يحصلن على الخدمات الأساسية، بينما أشارت 25% إلى وجود صعوبات في الوصول إليها، خصوصًا بسبب مشاكل النقل، وارتفاع كلفة التنقل، وضعف الخدمات المتاحة في أماكن الإقامة.
وفي الوقت الذي يحصل فيه الطفل الليبي، نظريًا، على حقوقه الأساسية منذ الولادة، فإن الطفل المولود لأسرة نازحة قد يفقد بعض هذه الحقوق كنتيجة مباشرة للتهجير. تقول امرأة نازحة من مرزق وتقيم حاليًا في بنغازي: “لم يحصل طفلي الصغير على أي تطعيمات، وقد مر الآن أكثر من 6 أشهر ولم يحصل عليها حتى الآن”. وتعكس هذه الشهادة، كما تشير الدراسة، فجوة في خدمات الرعاية الصحية المتاحة للنازحين، وربما أيضًا عدم كفاية موارد الصحة العامة في المناطق التي تستضيفهم.
وتبرز الوثائق القانونية كوجه آخر من أوجه المعاناة. فرغم أن أغلب المشاركات قلن إن لديهن إمكانية الوصول إلى الوثائق، إلا أن الحصول عليها في الواقع يظل معقدًا، لأن كثيرًا من الأسر تحتاج إلى استخراج وثائقها من مرزق أو تاورغاء بينما تعيش في مدن أخرى. وقد يؤدي نقص الوثائق إلى حرمان بعض الأطفال من الالتحاق بالمدارس أو استكمال تعليمهم، ما يجعل أثر النزوح ممتدًا إلى الجيل التالي، لا مقتصرًا على الجيل الذي غادر بيته.
أما السكن، فيظل أحد أكبر مصادر القلق. فبحسب الدراسة، تعيش أغلبية النساء النازحات في منازل أو شقق، لكن 60% منهن يقمن في مساكن مستأجرة، ما يضعهن تحت ضغط دائم بسبب الإيجار وخطر الإخلاء. وقد عبّرت 61% من النساء عن قلقهن من فقدان مساكنهن، فيما أبلغت 16.5% عن تعرضهن لإخلاء حديث، غالبًا بسبب ارتفاع الإيجار أو العجز عن الدفع.
وتشير الدراسة أيضًا إلى أن 15% من المشاركات تعرضن للتمييز أثناء محاولة الوصول إلى الخدمات، خصوصًا في المراحل الأولى من النزوح. وفي حالة تاورغاء، ارتبط هذا التمييز أحيانًا بتصورات سياسية واجتماعية عن المدينة وسكانها، بينما واجهت نازحات مرزق صعوبات في الخدمات الصحية والتعليمية. وتزداد الهشاشة في حالات النساء الليبيات المتزوجات من غير ليبيين، حيث تظهر مشاكل إضافية متعلقة بالوثائق والجنسية والرقم الوطني.
وتطرح الدراسة في نهايتها سؤال العودة، فبينما أعربت 65% من المشاركات عن رغبتهن في العودة إلى مدنهن الأصلية، فضّلت 25% البقاء في أماكن النزوح الحالية. وترتبط قرارات العودة بعوامل كثيرة، منها الأمن، والسكن، والتعويض عن الممتلكات، وفرص العمل، وتوفر الخدمات الأساسية. فالعودة لا تعني فقط الرجوع إلى المكان، بل القدرة على العيش فيه بكرامة وأمان.
يكشف النزوح في تاورغاء ومرزق خللًا أعمق في معنى المواطنة؛ فحين تضطر امرأة نازحة إلى إثبات حق طفلها في المدرسة، ورضيعها في اللقاح، وأسرتها في سقف آمن، تصبح الحرب بداية الجرح لا نهايته. تحمل نساء المدينتين، فوق ذاكرة الفقد، عبء الأسرة والعمل والوثائق والمرض والخوف من الإخلاء. لذلك تبدأ العودة الحقيقية من حياة قابلة للعيش فيها بيت آمن، وخدمة صحية، ومدرسة مفتوحة، ووثيقة بلا الحاجة لوساطة، وعمل لا يذل صاحبه، وبالطبع، مجتمع يتعامل مع النازحين كمواطنين كاملي الحقوق.