دروج Drooj

الثقافة السياسية في ليبيا بعد عقدين: ماذا تغيّر؟

بعد أكثر من عقدين على صدور دراسة “الثقافة السياسية في ليبيا” للدكتورة آمال العبيدي، تبدو أسئلتها أقل انتماءً إلى زمن النظام السابق مما قد نتصور. فالهوية، والثقة، والمشاركة، وعلاقة المواطن بالدولة، وهي المحاور التي اختبرتها الدراسة بين الشباب والطلبة، ما زالت حاضرة في ليبيا اليوم، وإن تبدّلت أدوات التعبير عنها واتسعت ساحاتها بعد عام 2011.

تُعدّ الدراسة التي صدرت عام 2001 إحدى أبرز المحاولات الأكاديمية لفهم طبيعة العلاقة بين المواطن الليبي والنظام السياسي، والكشف عن أثر مؤسسات التنشئة الرسمية في تشكيل تصورات الشباب والطلبة عن السياسة وحدود المشاركة العامة داخل النظام السابق. وقد ركّزت الدراسة على تحليل اتجاهات الشباب والطلبة تجاه الأيديولوجيا التي قام عليها النظام، إلى جانب فحص استمرار تأثير القيم التقليدية المرتبطة بالبنية الاجتماعية الليبية، رغم التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها البلاد منذ ستينيات القرن الماضي.

كما سعت الدراسة إلى استكشاف منظومة القيم لدى جيل تشكّل وعيه داخل مؤسسات التعليم والتعبئة العقائدية، متسائلةً عن مدى التوافق بين القيم التي حاولت هذه المؤسسات ترسيخها، وتلك التي تبنّاها الشباب فعليًا.

وبعد صدور الدراسة مترجمة إلى العربية عام 2008، أشار مترجمها الدكتور محمد زاهي المغيربي إلى أن النظام السابق استطاع، عبر مؤسسات التنشئة الرسمية، أن يترك أثرًا واضحًا في توجهات الطلبة تجاه خطابه القومي والعروبي والإسلامي. غير أن هذا الأثر لم ينعكس بالقدر نفسه على ترسيخ هوية وطنية ليبية جامعة، إذ ظلّ حضورها ضعيفًا مقارنةً بانتماءات دينية أو قومية أو اجتماعية أكثر رسوخًا.

وتكشف نتائج الدراسة أن الطلبة لم يُظهروا تمييزًا واضحًا بين الإسلام والعروبة كمصدرين للهوية الشخصية، إذ رأت الأغلبية أن كليهما يمثلان، بدرجات متقاربة، الأساس الأهم لتعريف الذات. كما ظهر الدين مرجعًا تستند إليه العروبة، بينما جاءت اللغة في مرتبة متقدمة ضمن مكوّنات الانتماء، في حين بدا الانتماء إلى الدولة الوطنية أقل حضورًا مقارنةً بالانتماءات الدينية أو القومية.

وتشير هذه النتائج إلى هشاشة الشعور بالهوية الوطنية الليبية، مقابل حضور أقوى لانتماءات أوسع، كالدين والعروبة، أو انتماءات أضيق، كالقبيلة والأسرة. ويمكن فهم ذلك في سياق استمرار تأثير البُنى الاجتماعية التقليدية، التي ظلّت تؤدي دورًا محوريًا في تنظيم العلاقات الاجتماعية، في ظل ضعف مؤسسات المجتمع المدني الحديثة وعدم ترسّخها بصورة كافية.

أما على مستوى المشاركة السياسية، فقد أظهرت الدراسة مفارقة لافتة بين الوعي والممارسة. فعندما سُئل الطلبة عن أولى تجاربهم مع السياسة، استحضر كثير منهم أحداثًا كبرى شكّلت ذاكرتهم السياسية، مثل الحرب الليبية المصرية، والغزو الإسرائيلي للبنان، والعدوان الأمريكي على ليبيا، بما يعكس حضورًا قويًا للسياسة كحدث مؤثر في الوعي العام.

لكن هذا الحضور الرمزي للسياسة لم ينعكس بالدرجة نفسها على مستوى المشاركة الفعلية. فقد أظهرت الدراسة أن نسبة محدودة فقط من المبحوثين كانت تحرص على حضور المؤتمرات الشعبية الأساسية بانتظام، وهي قنوات كانت تمثّل، في خطاب النظام السابق، إطارًا للمشاركة المباشرة، لكنها ظلّت في الواقع محكومة بسقف سياسي محدد ومحدودة الأثر في القرار العام.

ويثير ذلك تساؤلات حول طبيعة هذا العزوف: هل ارتبط بضعف الاهتمام بالشأن العام، أم بعدم الثقة في جدوى قنوات المشاركة الرسمية، أم بإدراك ضمني لمحدودية تأثيرها داخل منظومة سياسية مغلقة؟

تميل الدراسة إلى تفسير هذا العزوف نتيجة لتداخل هذه العوامل معًا؛ أي محدودية الدافعية للمشاركة، إلى جانب تراجع الثقة في فعالية الأطر المؤسسية القائمة آنذاك، بما يعكس خللًا أعمق في العلاقة بين المواطن وآليات الفعل السياسي.

غير أن مرور أكثر من عقدين على صدور هذه الدراسة يفتح الباب أمام سؤال أكثر تعقيدًا: هل تغيّرت الثقافة السياسية في ليبيا فعلًا، أم أن ما تبدّل هو فقط أشكال التعبير عنها؟

منذ عام 2011، شهدت ليبيا تحولات جذرية تمثّلت في انهيار النظام السابق، واتساع المجال العام، وتعدد مراكز السلطة، وتصاعد عسكرة السياسة، وتراجع مؤسسات الدولة. ولم تكن هذه التحولات مجرد تغيّرات سياسية، بل أعادت تعريف السياسة ذاتها داخل الوعي الجمعي. فبعد أن كانت المشاركة السياسية محصورة داخل أطر رسمية خاضعة لسقف النظام ومحدودة الأثر في القرار العام، أصبحت، ولو لفترة، أكثر انفتاحًا من خلال الانتخابات، وتشكيل الأحزاب، ونشوء منظمات المجتمع المدني، وبروز الحراك الشبابي، إضافة إلى توسّع الفضاء الرقمي كمجال جديد للنقاش والتعبير السياسي.

وفي هذا السياق، يبدو أن السنوات الماضية قد أفرزت وعيًا سياسيًا أكثر جرأة في التعبير وأكثر استعدادًا للنقد، خاصة لدى فئات شبابية خاضت تجارب مباشرة في العمل المدني والمناصرة والتنظيم المجتمعي. غير أن هذا التحول ترافق مع موجات متتالية من الإحباط والشعور بتآكل فكرة الدولة الجامعة.

ومن هنا تبرز مفارقة أخرى؛ فارتفاع مستوى النقاش السياسي لا يعني بالضرورة ترسّخ ثقافة سياسية مدنية مستقرة، إذ إن اتساع مساحة التعبير اقترن في كثير من الأحيان بتنامي الاستقطاب السياسي والجهوي، واستمرار ضعف الثقة بالمؤسسات العامة.

أما على مستوى الهوية، فقد أعادت المرحلة الانتقالية إحياء الانتماءات الجهوية والقبلية والمناطقية، في امتداد لما كشفته الدراسة قبل عقدين. لكنها أفرزت أيضًا محاولات جديدة لبناء هوية وطنية جامعة، خاصة لدى فئات شبابية انخرطت في مبادرات السلام والعمل المدني، ما يجعل الهوية الوطنية اليوم مستمرة في حالة التشكّل، بينما تتجاذبها عوامل الانقسام ومحاولات التماسك في آنٍ واحد.

وبهذا يبدو أن الثقافة السياسية في ليبيا لم تشهد تحولًا جذريًا بقدر ما عرفت عملية إعادة تشكّل معقّدة؛ إذ تغيّرت أدوات التعبير السياسي واتسعت فضاءاته، بينما ظلّت القضايا المرتبطة بالهوية والثقة والمشاركة والمؤسسات، كلها تعاني من اختلالات مستمرة.

وتظلّ دراسة “الثقافة السياسية في ليبيا” مرجعًا مهمًا لفهم بنية العلاقة بين المجتمع والسياسة في ليبيا، لأنها تكشف جذور ما استمرّ بأشكال مختلفة بعد عام 2011، وتقدّم مدخلًا لفهم أوسع للتحولات التي شهدتها البلاد خلال العقد الأخير. كما تنبّهنا إلى الحاجة إلى إعادة فحص هذه الثقافة بأدوات منهجية معاصرة، قادرة على قياس ما طرأ على الوعي السياسي، وأنماط المشاركة، ومستويات الثقة، وإدراك الهوية الوطنية الجامعة في ليبيا الراهنة.

شارك هذا المقال

منشورات ذات صلة

بعد أكثر من عقدين على صدور دراسة "الثقافة السياسية في ليبيا" للدكتورة آمال العبيدي، تبدو أسئلتها أقل انتماءً…

بابكر، الذي لا تغيب الابتسامة المضيئة عن وجهه المستدير ذي الملامح الطفولية، لا يكاد يتوقف عن الحركة. يلتقط…

في المجتمع الأمازيغي الليبي، تؤدي المرأة دورًا أساسيًا في حفظ اللغة والعادات والذاكرة اليومية للجماعة. يبدأ هذا الدور…

مع ارتفاع أعداد المصابين بالأورام السرطانية في مختلف المدن الليبية، صار المرض ملفًا عامًا يثير الخوف والأسئلة، وتدور…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.