دروج Drooj

أنا الجميلة: من هاشتاق شخصي إلى شهادة على علاج السرطان في ليبيا

مع ارتفاع أعداد المصابين بالأورام السرطانية في مختلف المدن الليبية، صار المرض ملفًا عامًا يثير الخوف والأسئلة، وتدور حوله في الشارع المحلي تفسيرات كثيرة؛ منها ما يحاول البحث عن أسباب وجيهة، ومنها ما يختلط بالخرافة والتخمينات الشعبية.

ووفق الأرقام المتداولة رسميًا، وصل إجمالي الحالات المشخّصة في منظومة «محارب» الوطنية لعام 2025 إلى أكثر من 24 ألف مريض، من بينهم نحو 17 ألف حالة لم تكن مسجلة سابقًا في المنظومات الرسمية للدولة. وتشير بيانات المعهد القومي لعلاج الأورام إلى أن معدل الإصابة في البلاد بلغ 280 حالة لكل 100 ألف نسمة، فيما سُجلت 412 حالة جديدة خلال الربع الأول فقط من العام نفسه. وفي مقابل هذا الرقم الثقيل، أعلنت الهيئة الوطنية لمكافحة السرطان عن شفاء أكثر من 4 آلاف مريض خلال عام 2025، بفضل جهود الأطقم الطبية المحلية وتوفر بعض الخدمات التشخيصية والعلاجية، من بينها المسح الذري.

من بين قصص الشفاء التي تقف خلف هذا الرقم، تبرز قصة نعيمة الطاهر، صاحبة هاشتاق “أنا الجميلة”. وهي سيدة ليبية في منتصف العمر. بدأت حياتها المهنية معلمة، قبل أن يأخذها الشغف إلى العمل الإعلامي والإنساني. تألقت عبر أثير إذاعة طرابلس المحلية في برامج اجتماعية وتراثية وفنية، وشاركت الشاعر والكاتب الراحل أحمد الحريري في تقديم أحد البرامج على الهواء، وهي تجربة ما تزال تعتز بها وتعدّها محطة مهمة في مسيرتها الشخصية. كما تكتب الشعر باللهجة العامية والمقالة الصحفية، وكانت قبل مرضها ناشطة في مجال دعم الطفولة.

تعرّفتُ إلى نعيمة عبر فيسبوك، ونشأت بيننا مع الوقت صداقة عفوية وتواصل ثقافي. وعندما أعلنت إصابتها بالمرض، قابلت حزن أصدقائها وصديقاتها، في الواقع والفضاء الافتراضي، بروحها المرحة ومزاحها ومعنوياتها العالية. كانت تسمي محنتها في منشوراتها “منحة”، إيمانًا منها بأن الابتلاء قد يكون بابًا آخر للمعنى والقوة. وبعد إجرائها آخر التحاليل والكشوفات، التي أكدت شفاءها التام، اتصلت بي لتزف الخبر المفرح، فاستأذنتها في توثيق حكاية صراعها مع السرطان ونشرها.

تقول نعيمة: “دون أي مقدمات، حدث كل شيء فجأة. كنت جالسة عندما شعرت بنخزة قوية في الثدي الأيسر. سارعت إلى المرآة ووقفت أمامها، وهناك رأيت منظرًا أعجز عن وصف قبحه وغرابته. كان الثدي قد تحول إلى كائن آخر، كأنه قد سكنه جن. لم تخرج مني إلا عبارة واحدة؛ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم حلّت على روحي سكينة ما زلت أتلفع بها إلى هذه اللحظة”.

خلال أيام قليلة، باشرت نعيمة إجراء الكشوفات. أظهر جهاز الموجات فوق الصوتية وجهاز الماموغرام وجود كتلة صغيرة الحجم. وبعد أخذ عينة منها وإجراء التحاليل اللازمة، تأكدت إصابتها بالسرطان.

بعد شهر خضعت نعيمة لعملية استئصال جزئي للكتلة، مع استئصال الغدد في منطقة الإبط، لتبدأ بعدها مباشرة رحلة العلاج الكيماوي. واستعدادًا لخوض معركتها، سعت إلى التسجيل في منظومة “محاربي السرطان”، وصدرت لها بطاقة “محارب”، التي يفترض أن تتيح لحاملها الحصول على الأدوية والخدمات الطبية. غير أن هذا الافتراض لم يكن مطابقًا تمامًا للواقع.

كانت جرعات العلاج الكيماوي متوفرة في مركز طرابلس الطبي، لكن في ظل ازدحام شديد وقاعات ضيقة ومحدودة الأسرة. تقول نعيمة إنها اضطرت، بسبب غياب البيئة الملائمة، إلى التوقف عن تلقي الجرعات في المركز، وشراء ست جرعات من صيدلية تجارية، ثم أخذها في مستشفى خاص توفرت فيه الراحة والاهتمام والأدوات الحديثة.

أما الأزمة الأكبر فكانت في عدم توفر جلسات العلاج الإشعاعي. فبحسب رواية نعيمة، وخلال فترة علاجها، توقفت مراكز العلاج الإشعاعي عن استقبال محاربي السرطان، بسبب مستحقات مالية متراكمة لم تُسدّد للشركة المالكة لأجهزة الإشعاع. وبذلك أُغلقت أمام المرضى مراكز عدة، من طرابلس وشارع الزاوية إلى صبراتة ومصراتة وبنغازي.

أمام هذا الوضع، اضطرت نعيمة إلى إجراء جلسات العلاج الإشعاعي في مستشفى خاص. وقد تجاوزت تكاليف علاجها 70 ألف دينار، وهي موظفة متقاعدة لا يكاد معاشها الضماني يغطي متطلباتها اليومية، فكيف بمصاريف علاج باهظة من هذا النوع؟

تختتم نعيمة شهادتها بالقول: “بعد رحلة علاج، ومنحة ابتلاء دامت سنة كاملة، منّ الله عليّ بالشفاء في شهر أبريل، وهو أيضًا شهر ميلادي. لكن الرحلة لم تكن طبية فقط، فقد رافقتها معاناة أخرى، تمثلت في نظرة بعض الناس إلى محارب السرطان، كأنه إنسان ضعيف ومسكين لا يستحق إلا الشفقة. تخلى عني بعض الأهل والأقارب، فوجدت نفسي في حالة من الإحباط والخذلان. قاومت ذلك ولم أستسلم له، واكتفيت بما عوضني به الله من إخوة وأخوات لم تلدهم أمي، وقفوا معي وساندوني معنويًا وماديًا.

وتضيف أخيرًا: “في تلك الرحلة، أطلقت على فيسبوك هاشتاق “أنا الجميلة”. فعلت ذلك رغم سقوط شعري، وتلون أظافري، وآلة الألم التي كانت تطحن عظامي وعضلاتي. كابدت، وتحملت، وصبرت، واتكأت على ثقة وإيمان لم يتزعزعا بأنني سأعلن انتصاري على السرطان في النهاية. وقد كان”.

#أنا_الجميلة

شارك هذا المقال

منشورات ذات صلة

في المجتمع الأمازيغي الليبي، تؤدي المرأة دورًا أساسيًا في حفظ اللغة والعادات والذاكرة اليومية للجماعة. يبدأ هذا الدور…

مع ارتفاع أعداد المصابين بالأورام السرطانية في مختلف المدن الليبية، صار المرض ملفًا عامًا يثير الخوف والأسئلة، وتدور…

يقدّم الكاتب سالم الكبتي من خلال كتابه "أيام القومية في ليبيا" الذي نُشِر عام 2021 عن دار الكون،…

مع تراكم الأزمات التي يعيشها الليبيون يوميًا، كثيرًا ما تبدو الأرقام وحدها عاجزة عن شرح ما يحدث في…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.