هل أحببنا فلسطين بالفعل؟ من “القدس زهرة المدائن” إلى الجنوب اللبناني و”قانا الجرح”، كبر جيل كامل على مبدأ “بلاد العرب أوطاني”. أتذكر جيدًا عملًا فنيًا في ممر المدرسة يصوّر سناء المحيدلي شامخة، فتاة بروح قديسة. كانت التعبئة المكثفة ترفع فلسطين إلى قمة اهتمامات الجميع. كانت دومًا قضية أبدية لا تتحمل التشكيك أو المساومة.
ظلت أغلب نشاطات الأسبوع المفتوح متمحورة حول الغضب والثأر للعروبة. كل الأناشيد كانت بلون الحلم العربي، تسأل عن الملايين، وترسم لنا بستانًا وشجرة على أمل أن ينام أطفال القدس بسلام، وأن يذهبوا صباحًا إلى مدارسهم مثلنا. كانت سردية عادلة، ساهمت في تكوين وجدان قومي يتبنى اللاءات العربية، وينتقد الحكام العرب وبرود مواقفهم في القمم، وجامعة عربية بدت لنا مرادفًا للخنوع والتخاذل.
شكّل دخول رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون إلى الحرم القدسي عام 2000 لحظة مفصلية، عمّقت حضور فلسطين في قلوب الليبيين. حنظلة، ألوان العلم الفلسطيني، مشاهد أطفال الحجارة، وصورة محمد الدرة التي حملناها وعدًا صادقًا على حقائبنا المدرسية؛ كلها صارت جزءًا من قاموس أخلاقي واضح. في ذلك الوقت، كانت مفردة “التطبيع”، وإمكانية جلوس عربي مع “قتلة الأطفال”، تمثل خيانة لا تغتفر.
لكن الفكرة هنا لا تتعلق بعدالة القضية الفلسطينية، بل بمعنى القضايا العادلة نفسها: من يغرس بذور الإيمان بقضية ما؟ ومن يختار لنا القضايا التي نعتنقها وتلك التي نتجاهلها؟ هل أحببنا فلسطين، أم تكوّنت عقيدتنا حولها عبر توجيه طويل، بدأ من المدرسة وخطاب الدولة وامتد إلى الوجدان العام؟
في ليبيا، حيث تبنّت الدولة خطابًا عروبيًا طويلًا؛ أرض العرب وملاذ العروبة، يصعب اليوم الجزم بمدى ما تبقى من ذلك الإيمان القديم بفلسطين “من البحر إلى النهر”. اللافت أن وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش خسرت منصبها عام 2023، وخرجت على عجل، وبلا عودة قريبة إلى ليبيا، بسبب جلوسها مع مسؤول إسرائيلي. اتخذت الحكومة إجراءً أدى إلى عزلها، وحملت وحدها عبء “الخيانة”. وحين ظهرت لاحقًا في لقاء تلفزيوني على قناة عربية، لم يصغِ كثير من الليبيين إلى حديثها. كانت، في نظر المزاج العام، “كرتًا وانحرق”.
لكن هذا الرفض الحاد للتطبيع لم يمنع نمو خطاب آخر، أكثر التباسًا وقسوة، تجاه الفلسطينيين أنفسهم. تتبنى حكومتا الشرق والغرب طابعًا شعبويًا يرتكز على مجاراة توجهات الشارع. بدا ذلك واضحًا في تنافس عبد الحميد الدبيبة وأسامة حمّاد على إعلان الدعم لفلسطين، عبر قرارات مميزة للجالية الفلسطينية في ليبيا، على خلفية المظاهرات التي أيّدت القضية ونددت بالإبادة الجارية في غزة بعد السابع من أكتوبر 2023.
بدأ التحول في مشاعر بعض الليبيين حين أخذت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي تسلط الضوء على قرار ليبي قديم يمنح حاملي الجنسية الفلسطينية حقوقًا قريبة من حقوق المواطن الليبي. كانت كلمة السر: “يعينوا فيهم في مكان الليبيين”. وبمجرد نشر مستندات تظهر عمل سيدات فلسطينيات في مرافق صحية ومدارس ليبية، انتشرت الاتهامات، من دون أن يكلّف كثيرون أنفسهم عناء البحث في حقيقة هذه المزاعم أو سياقها القانوني.
يدور الحديث هنا حول القرار رقم 49 لسنة 1990، الصادر عن اللجنة الشعبية العامة، بشأن الضوابط المنظمة لحقوق وواجبات العرب في ليبيا. غير أن استعادته لم تأتِ في سياق نقاش قانوني، بل داخل موجة تحريض غذّتها مخاوف “التوطين”، مع انتشار تقارير تتحدث عن رغبة دولية في خلق وطن بديل للفلسطينيين، وطرح ليبيا ضمن الدول المرشحة لذلك.
لم تقف الأمور عند هذا الحد. تحولت عبارة “برا يا فلسطيني” إلى أداة إهانة، تستخدمها صفحات وشخصيات فيسبوكية للنيل من الخصوم. دفع ذلك أحد الشباب إلى استدعاء نسبه العائلي، وعقد اجتماعات قبلية لإثبات أصله ودحض مزاعم كونه “فلسطينيًا”، رغم أنه كان يجمع التبرعات لغزة، ويحث الناس على نصرة القضية، أحيانًا بحماسة مفرطة. لكنه لم يتحمل أن يكون فلسطينيًا حين صارت الكلمة نفسها تُستخدم كشتيمة.
بدأت بعد ذلك موجات من “إسقاط الجنسية” الرمزي عن الخصوم السياسيين والمؤثرين، وكل من يخالف معايير المجتمع. وفق هذا المنطق الجديد، يمكن لأي شخص أن يصبح فلسطينيًا أو “مستوطنًا” بمجرد أن تختلف معه صفحة، أو خصم، أو حملة على فيسبوك.
تكشف حادثة اقتلاع أشجار الزيتون في غابة جودائم جانبًا آخر من هذا التحول. فقد أقدم مواطن من مدينة الزاوية على اقتلاع أشجار زرعها أعضاء “قافلة الصمود 2″، بعدما مكثوا في الغابة أيامًا قبل مواصلة طريقهم في محاولة ثانية لفك الحصار عن غزة. شجرة الزيتون، بكل ما تحمله من رمزية فلسطينية وعربية، لم تعد قادرة وحدها على حماية معناها.
لا يعني ذلك أن الليبيين تخلوا عن فلسطين، أو أن عقود التضامن ذهبت كلها أدراج الرياح. لكن ما حدث يكشف أن حضور فلسطين في الوجدان الليبي لم يعد موحدًا كما كان يبدو في المدرسة والأناشيد. لقد دخلت عليه مخاوف الهوية والعمل والموارد، وتغذى بخطاب شعبوي سريع على منصات التواصل، في بلد هشّ، تتراجع فيه الثقة بالدولة وبالمؤسسات وبالآخرين.
ربما لم يكن حب فلسطين كذبة، لكنه لم يكن دائمًا حبًا حرًا أو مختبرًا بما يكفي. كان حبًا صاغته الدولة، وغذته المدرسة، وورثته أجيال كاملة كحقيقة أخلاقية كبرى. وحين انهارت سرديات الدولة، وصار الخوف من الآخر أقوى من ذاكرة التضامن، تعرض هذا الحب لاختبار قاسٍ: هل نحب فلسطين حين تكون رمزًا بعيدًا للمقاومة فقط، أم حين يصبح الفلسطيني جارًا، أو عاملًا، أو معلمًا، أو صاحب حق بيننا؟
بين حنظلة و”لا للتوطين”، لا تختفي فلسطين من الوجدان الليبي، لكنها تكشف ما تغيّر فيه: ما تبقى من التضامن، وما تسرب إليه من خوف وقسوة وتشوش.