لا شك أن الفن الشعبي في برقة يُعد جزءًا من الذاكرة الثقافية للمجتمع، فقد نشأ مع تطور الإنسان وتعبيره عن تجاربه ومشاعره، فظهرت فنون شعرية متعددة، من أبرزها الشتّاوة وغناوة العَلم. وهما من أكثر الفنون اختصارًا للمعنى، حتى يُقال إن الشتاوة جاءت امتدادًا لغناوة العلم. ورغم صعوبة تحديد بدايات هذا الفن بدقة، فقد أشار الباحث والأديب داود حلاق إلى أحد أقدم الشواهد، بعد عثوره على غناوة علم مكتوبة على جذع شجرة عرعر بخط مغربي، نُسبت إلى شخص يدعى محمود ولد أمغلية، وجاء فيها:
“نَقْضْ عَلَى لِنْظّارْ
غَلَا عَزِيزْ بَأَوْجَاعْ شَطَطْ“
وظل هذا الفضاء حيًا حتى أنتج أجيالًا من الشعراء الذين حملوا هذا الإرث وأضافوا إليه من تجاربهم الخاصة. وفي هذا المناخ تشكلت أسماء كثيرة، بعضها احتاج إلى سنوات طويلة حتى يجد طريقه إلى الجمهور، بينما استطاعت أسماء أخرى أن تلفت الانتباه في سن مبكرة، مستفيدة من الموهبة، وثراء البيئة الشعرية المحيطة بها.
ومن بين هؤلاء يبرز الشتّايْ عبد الله عابد، الذي بدأت علاقته بالفن الشعبي في نهاية العقد الأول من الألفية الجديدة، حين كانت المجالس الشعرية في قرية مرتوبة عامرة بالشتَاوي والغناوي، أو ما يُعرف محليًا بـ”القعدات”، حيث كان الشباب يتنافسون في سرعة البديهة وجودة النظم.
يستعيد عبد الله تلك البدايات، مشيرًا إلى أن أولى محاولاته الشعرية تعود إلى عام 2009، حين كان في السادسة عشرة من عمره، حيث كانت علاقته الأولى بهذا الفن من خلال حفظ الشتَاوي والغنَاوي، التي كانت تُتداول في القعدات. ولم تمضِ فترة طويلة حتى انتقل من مرحلة الحفظ والتلقي إلى مرحلة النظم والتجربة، ليكتب أولى شتاويه في نهاية العام نفسه، ومن بينها:
“مَزَالْ الغَالِي غَالِينَا
مِسَعْ فِيهْ طَرِيقْ عَطِينَا“
لم يكن عبد الله يدرك حينها أن تلك المحاولات الأولى ستكون بداية رحلة طويلة مع الشعر الشعبي، إلا أن حضوره سرعان ما لفت انتباه المهتمين بهذا الفن. ويرى أن ظهوره المبكر ساعد عليه قلة عدد الشعراء الشباب في تلك الفترة، إلى جانب أجواء القعدات التي كانت تمنح مساحة للتجربة والمنافسة، حيث كان الحاضرون يدفعونه إلى الارتجال واختبار قدرته على النظم من خلال المنابشات الشعرية.
ومن الشتاوي التي رسخت حضوره في تلك المرحلة قوله:
“مَرْهُونْ إِنْشُوشْ لِطَارِيهْ
لِلْحَوْضْ أَتشُوشْ المَلْوِيَّهْ”
غير أن بداياته لم تخلُ من التشكيك، فقد رأى بعضهم أن هذه الشتاوة ليست من نظمه، وإنما هي شتاوة قديمة أعاد تقديمها، بسبب قوة معانيها وصعوبة تركيب كلماتها. ويصف عبد الله تلك المرحلة بأنها كانت أمرًا طبيعيًا في بيئة لا تمنح الاعتراف بسهولة، خصوصًا للشعراء الشباب. ومع مرور الوقت، وكثرة مشاركاته، تراجعت تلك الشكوك، وأصبح اسمه حاضرًا في المناسبات الشعرية، حتى بات يُدعى إلى مدن مختلفة للمشاركة وإلقاء شعره.
ويشير عبد الله إلى أن من أكثر ما منحه الثقة في تلك المرحلة هو تشجيع عدد من الشعراء والمهتمين بالشعر الشعبي، وفي مقدمتهم الشتايْ موسى معيتيق، إلى جانب العديد من شباب المنطقة الذين رأوا في تجربته المبكرة موهبة واعدة تستحق الدعم والتقدير.
ولا يخفي عبد الله إعجابه بعدد من الأسماء التي تركت أثرًا في وجدانه ومسيرته الشعرية، ويأتي في مقدمتها الشاعر الراحل إدريس الفلاح، جدّه لأبيه، الذي يصفه بأنه من الشخصيات الشعرية المؤثرة، سواء من خلال قصائده أو عبر سيرته الإنسانية.
وحين سألته عن سبب اختياره الشتاوة دون غيرها من فنون الشعر الشعبي، ، أوضح عبد الله أنه يرى القصيدة الطويلة تحتاج إلى جهد كبير ونَفَس مختلف، بينما وجد نفسه أقرب إلى الشتاوة، كما أن آراء المقربين منه كانت تشجعه على الاستمرار فيها، حتى أصبحت المجال الذي عبّر من خلاله عن صوته الشعري.
ورغم اتساع تجربته، لا يعتقد عبد الله أن الشتايْ يحتاج إلى مفردات بعينها يكررها ليُعرف بها، بقدر ما يحتاج إلى صدق الفكرة وجودة الصورة وسلامة البناء. كما يؤكد أن البيئة البرقاوية كان لها الدور الأكبر في تكوينه، موضحًا أن قرية مرتوبة كانت مواسمها تشهد عشرات اللقاءات التي يتبادل فيها الشعراء الغناوي والشتاوي، وهو ما وفر له مدرسة حقيقية يتعلم منها.
وعن الشعر الشعبي اليوم، يرى أن هذا الفن لا يزال يحمل جانبًا مهمًا من الهوية و والمكان، فالشتّاوة والغنّاوة ما زالتا تتحركان بين الناس، من المجالس إلى الذاكرة، محتفظتين بالملامح التي خرجتا منها، وبالأصوات التي تناقلتهما عبر الزمن.
ويعترف بأن الشهرة جاءت إليه في وقت مبكر، لكنها حملته مسؤولية مضاعفة، إذ أصبح يشعر أن كل كلمة يقولها ستكون موضع تقييم ونقد. ويضيف أن النقد في بداياته لم يكن دائمًا موضوعيًا، بل كان يحمل أحيانًا كثيرًا من التشكيك والهدم، إلا أنه لم يتوقف عند ذلك، لأنه كان يدرك أن معظم الشعراء الكبار مروا بالتجربة نفسها.
كما يتحدث عن مرحلة شهدت انقسام القعدات إلى مجموعات متنافسة، بحيث حاول كل طرف استقطاب عدد من الشعراء، وهو ما ولّد أجواء من الغيرة والحساسيات، لكنه آثر أن يحافظ على استقلاليته، مؤمنًا بأن الشاعر ينبغي أن يبقى أكبر من الاصطفافات.
ويرى عبد الله أن تطور تجربته جاء بصورة طبيعية، دون أن يرتبط بحدث معين، مؤكدًا أن كثرة الممارسة والاحتكاك بالشعراء والجمهور كانت كفيلة بصقل مهارته مع مرور الزمن.
أما عن واقع الشعر الشعبي اليوم، فهو يعتقد أن المرحلة الحالية أكثر صعوبة من أي وقت مضى، لأن وسائل التواصل الاجتماعي جعلت كل نص معروضًا على جمهور واسع، وجعلت الخطأ أكثر وضوحًا، كما رفعت سقف النقد، ولم تعد كل شتاوة تصلح لأن تُقال أو تُنشر.
ولا يحمّل عابد مسؤولية تراجع بعض جوانب المشهد إلى الشعراء وحدهم، بل يرى أن الساحة تحتاج أيضًا إلى مستمع أكثر حيادًا، بعيدًا عن التعصب والانحياز، لأن المتلقي شريك أساسي في ازدهار الشعر أو انحداره.
ويختتم حديثه برسالة يوجهها إلى الشعراء الشباب، يدعوهم فيها إلى المحافظة على التراث الشعبي، والابتعاد عن النعرات القبلية التي تنقل الخلافات إلى القعدات الشعرية، مؤكدًا أن الشعر ينبغي أن يبقى مساحة للإبداع.
وحين طلبت منه أن يختصر رحلته الشعرية، اختار بيتًا يلخص علاقته بهذا الفن، قائلاً:
“جِيتْ لِصُوبْ خَلِيلْ قِبَالَهْ
لَا بِقَبِيلَةْ لَا هلَالَهْ“
وربما تختصر هذه الشتاوة جانبًا من رحلة عبد الله عابد؛ رحلة بدأت من القعدات بقرية مرتوبة، ثم نمت مع مرور السنوات لتصبح تجربة صنعت له حضورًا بين شعراء جيله. تجربة ارتكزت على موهبة مبكرة، و احتضنت الشعر، وأصوات شعرية سبقت جيله ومهّدت له الطريق.