دروج Drooj

هل يمكن توظيف النقابات المهنية كبديل للأحزاب السياسية في ليبيا؟

لا شيء تغيّر في واقع التدافع البشري منذ اللحظة التي التقطت فيها كاميرا التاريخ مشهد ذلك المخلوق المتوحش، الشبيه بالغوريلا، وهو يركض في الغابة خلف طريدة ليلتهمها ويسكت صراخ جوعه، أو يفرّ من حيوان آخر يتربص به صيدًا وافتراسًا، وصولًا إلى هذه اللحظة التي يجلس فيها ذلك المخلوق نفسه على عرش العالم، محفوفًا بآيات القوة والهيمنة، بفضل ما أنجز عبر العصور من فتوحات فكرية وعلمية، صار بفضلها الحاكم المطلق على ظهر الكوكب.

بين اللحظتين، لحظات متشابهة تخللها ظهور قمبيز، والإسكندر الأكبر، ويوليوس قيصر، ومئات الطغاة الذين تفننوا في نشر البؤس والقهر والمعاناة في كل مكان وصلوا إليه. إنها المعادلة نفسها التي تعلّمها الإنسان في الغابة، وأعاد تدويرها تحت شتى المسميات العقائدية والأيديولوجية. وبرغم كل المحاولات الجادة والحثيثة، من خلال الفلسفة والأديان والثورات، لكسر اللعنة الأبدية، لم تنجح البشرية إلا في تقنين الافتراس عبر ضوابط تشرعن بطش الأقوياء، ولا تحمي الضحايا.

ثورة العبيد التي قادها سبارتاكوس ضد روما القديمة قامت في وجه العبودية، ولم تفلح في إسقاطها. ثورتا القرامطة والزنج ضد العباسيين فشلتا في هزيمة الإقطاع القبلي المتلفع بعباءة الدين. الثورة الفرنسية، في أحد وجوهها، لم تفعل أكثر من استبدال جلاد بجلاد مماثل. الثورة البلشفية قايضت رأسمالية الأفراد برأسمالية الدولة. وثورات هامشية أخرى تفجرت تحت ضغط الاحتقان والإهانة، وكان أقصى ما وصلت إليه الانتقال من السيئ إلى الأسوأ.

حتى الآن، ما حققته الإنسانية هو الوعي بالظلم، وهذه خطوة متطورة عن الإحساس بالظلم، من دون أن تنجح محاولاتها في تغيير جوهر قانون التدافع القائم على مبدأ القوة وحدها.

تهذيب الطغيان، الذي كان يرتكن إلى شرعية العضلات في مرحلة الغابة، ثم إلى شرعية الحق الإلهي في مرحلة لاحقة، كان أقصى ما استطاعه العقل الإنساني لبلورة نظريات سياسية واقتصادية تقترب من الحد الأدنى لمفاهيم الحرية والعدل والمساواة. لكن ذلك أسفر في النهاية عن قيام الدولة الحديثة القائمة على مبدأ المواطنة، وفصل السلطات، وتوسيع قاعدة المشاركة من خلال الأحزاب.

كان ظهور النقابات المهنية أيضًا محطة مفصلية في تغيير أساليب النضال من أجل أنسنة العلاقات في المجتمعات البشرية. وقد ظهر أول شكل حديث للنقابات العمالية في بريطانيا أواخر القرن الثامن عشر، وتبلور بوضوح في العقود الأولى من القرن التاسع عشر، ثم انتشر لاحقًا إلى الولايات المتحدة وأوروبا وبقية العالم. وبالرغم من أن بلادنا لم تكن ضمن المتن الرئيسي في مسيرة النضال من أجل إقامة مجتمعات أكثر قربًا من مفهوم العدالة، إلا أنها كانت من أوائل البلاد في المنطقة التي نشأت فيها التنظيمات العمالية في أربعينيات القرن الماضي، في ظل الإدارة الاستعمارية البريطانية.

بسبب طبيعة البنية الاجتماعية القبلية القائمة على صلة القرابة والدم والولاء في ليبيا، وتدنّي مستوى الوعي العام، وكذلك بسبب توجهات السلطة التي حكمت بعد الاستقلال، تعذّر ظهور أحزاب سياسية قوية تحظى بقاعدة شعبية، وتكون متصلة بمشاغل الرأي العام وقضاياه. وفي عام 1952، أي بعد نحو عام من إعلان استقلال ليبيا في 24 ديسمبر/كانون الأول 1951، وإثر الانتخابات البرلمانية الأولى وما رافقها من توترات، أصدرت الحكومة الملكية برئاسة محمود المنتصر قرارًا بحل الأحزاب، ومن بينها حزب المؤتمر الوطني وحزب الجبهة الوطنية المتحدة. وفي عام 1972، صدر القانون رقم 71 بشأن تجريم الحزبية عن مجلس قيادة الثورة في ليبيا، وكان مجلس قيادة الثورة هو السلطة العليا في البلاد آنذاك. وبسبب عدم السماح للمجتمع بتنظيم نفسه ضمن أطر سياسية فاعلة ومستقلة، صارت قيمة الشعب في معادلة الصراع والتدافع شبه صفرية.

في ظل وجود النظم المستقرة والسلطة القوية، كان من الصعب ملاحظة غياب “المواطن الليبي”، إذا صح استعمال هذا المصطلح، عن مجال الفعل الوطني، السياسي وغير السياسي. لكن عندما دخلت البلاد في نفق الفوضى والصراع المسلح، وأصبحت ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، ظهر حجم الفراغ الحقيقي الناجم عن تحييد الليبيين.

وإذا كان بالإمكان النظر إلى عدم وجود أحزاب حقيقية، حتى بعد إلغاء القوانين التي تجرّمها في 2011، على أنه تشوه في هيكل الدولة/الوطن، بسبب العوامل البنيوية المذكورة آنفًا، فإن ما يصعب توصيفه أو تفسيره هو هذا الشلل الوظيفي شبه الكامل للنقابات المهنية تجاه ما يحدث في البلاد من أزمات وإشكاليات تكاد تطيح بحلم الدولة ووجود الوطن الواحد معًا.

في البلدان التي تتعرض للتآكل والتفتيت، لا يكون ضعف النقابات مجرد تفصيل هامشي أو خلل عابر، بل مؤشرًا على اختلال أكبر في العلاقة بين المجتمع والدولة. إذ إن النقابات، في هذه الحالة، ليست مجرد قنوات أو وسائل ينحصر دورها في التفاوض حول الأجور وساعات العمل وبيئته، بل هي أداة من الأدوات الأساسية التي تتيح للناس تنظيم مصالحهم والتعبير عنها بصورة فاعلة ومؤثرة. ومن دونها، يصبح المجتمع أقل قدرة على ترجمة قواه المتفرقة إلى إرادة شعبية مدنية قادرة على إحداث الفارق.

في حالة ليبيا الاستثنائية، حيث عجزت الأحزاب عن أن تكون جزءًا من الهيكل السياسي للدولة للأسباب المعلومة، كان يمكن للنقابات أن تكون البديل المتاح لملء الفراغ، وأن تؤدي وظيفة أكثر فاعلية في الحفاظ على الحد الأدنى من الحيوية العامة، من خلال ربط القضايا المعيشية والمهنية بأسئلة أعمق تتعلق بمستقبل الوطن والدولة ومؤسساتها. غير أن الشلل الذي أصاب كثيرًا من هذه الأجسام خلال العقود الماضية أسهم في إبقاء قطاعات واسعة من الليبيين خارج دائرة الفعل، لتكتفي بدور “الكومبارس” المتفرج على صراع تتقرر فيه مصائرهم من دون مشاركة حقيقية.

هذا القصور وفّر مناخًا مساعدًا لاستمرار الأوضاع القائمة. فكلما تراجع حضور التنظيمات المدنية، تقلصت قدرة المجتمع على المشاركة السياسية، ومراقبة السلطة، والمطالبة بالشفافية والمساءلة، واتسعت الشقة بين الموارد واحتياجات الناس. وفي مجتمع يحتاج إلى كل موارده وأكثر لتوفير الخدمات، واستئناف التنمية، وإعادة الإعمار، يصبح غياب القدرة على التعبير والتنظيم أحد العوامل التي تسمح باستمرار النهب والفساد وتعطيل الحل السياسي والمؤسسي.

وبرغم ذلك، لا يبدو هذا الواقع مصيرًا حتميًا. فما زال الليبيون يملكون خبرات مهنية مهمة، ولديهم مؤسسات يمكنهم استعادتها، وذاكرة جماعية تحتفظ بصورة الدولة كإطار جامع لا غنى عنه. وإذا استطاعت النقابات أن تنهض من جديد، وتستأنف وظيفتها الطبيعية، فقد تعود لتكون إحدى الفضاءات التي يجتمع فيها المواطنون للدفاع عن مصالحهم العليا المشتركة، بعيدًا عن الاستقطاب والانقسامات. وعند هذا المستوى من العمل المنظم، قد تبدأ عملية هادئة وأكثر رسوخًا للإمساك من جديد بفكرة الدولة الواحدة، القائمة على الدستور والانتخابات والمؤسسات، وبالتالي الاقتراب أكثر من الصورة التي يتطلع إليها الليبيون لبلد أكثر استقرارًا واتساقًا مع نفسه.

Share This Article

منشورات ذات صلة

لا شيء تغيّر في واقع التدافع البشري منذ اللحظة التي التقطت فيها كاميرا التاريخ مشهد ذلك المخلوق المتوحش،…

في كل مرة تُنشر فيها صورة لفتاة ليبية، أو تُتداول قصة عن امرأة تجاوزت السلوك المتوقع منها، يصدر…

قرر الحاج الزروق أن يصبح ليبراليًا. نصف قرن من التهكم اللاذع، والهجاء المقذع، دفعاه لأن يتخذ مسارًا مختلفًا…

عندما أعلنت وزارة الاقتصاد والتجارة بحكومة الوحدة الوطنية في أغسطس 2025 أن ليبيا تصدّرت قائمة أسرع الاقتصادات العربية…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.