سبق أن نُشرت هذه المراجعة في مجلة (الغرفة 211 – عدد ب)
يستهل غيرماي نجاش مقدمته لرواية (المجنّد) بأن “ليس هذا هو المكان المناسب للدخول في مناقشة طويلة للكتاب، أو لتقديم سيرة موسَّعة للروائي”. نجاش، كما يعرّفه فرج الترهوني، هو أستاذ اللغة الإنجليزية والأدب الإفريقي بقسم اللغة الإنجليزية، ومدير برنامج الدراسات الإفريقية في جامعة أوهايو، ومؤسس قسم اللغات والآداب الإريترية بجامعة أسمرا”. الترهوني كاتب ومترجم ليبي نقل عن الإنجليزية رواية (المجنّد)، الصادرة في طبعتها العربية الأولى عام 2022 (دار الفرجاني). وبالعودة إلى نجاش، فقد نقل هو الآخر النص التغريني الأصلي إلى الإنجليزية لأول مرة في 2012. الروائي أخيرًا هو جيبريسوس هايلو (1906 – 1993). هذا التخبّط في التعريفات لا يبتعد كثيرًا عن مآلات الرواية؛ فبطل الرواية مجنَّد حبشي في جيش الاستعمار الإيطالي، يحارب في ليبيا المُستَعمَرة في العقد الثاني من القرن المنصرم.
ولئن سارع نجاش في تشديده على الاقتضاب، فلن تسعفني خلفيتي الثقافية على الإلمام بتحوّلات المؤلف وتفاصيل التغرينية التي أجهلها تمامًا – على الرغم من انتمائها إلى العربية في العائلة السامية الكبيرة. أقتفي إذًا آثار النص كمن يجلس منصتًا إلى نبرات الحكواتي المتحولة، بالرغم من احتواء الرواية على أكثر من منبع إبداعي؛ فحينًا يحكي هايلو قصته شفهيًا لجمهور عالمي (نتاج تراث توثيقي تغلب عليه العظة والحنق والتحسّر)، وحينًا يسترسل في تأملاته على نمط الإنسانوية المسيحية في عصر النهضة (وهو الباحث الكاثوليكي الذي درس اللاهوت في الفاتيكان)، وحينًا يكتب بنزعة الصحفي/المثقف المناهض للاستعمار في مهده (كُتِبَت الرواية في 1927 ونُشِرّت في 1950).
لا تشبه قصة توكوابو، محور الحكاية، نظيرتها في الأدب أو التاريخ آنذاك. في تلك الحقبة، مثلًا، كتب الألماني إريك ماريا ريمارك روايته الكبرى (الوضع هادئ في الجبهة الغربية)، حيث يصطدم البطل الشاب بشناعة الحرب العالمية الأولى، وهو الذي تطوّع للتورط فيها من إيديولوجيا قومية راسخة. إلا أن رغبة توكوابو لم تنبثق من طموحات قومية، بطبائع الأحوال. وفي التاريخ، يحارب إلى جانب بطلنا ليبيّون من الميليشيات التي وظفتها إيطاليا في فرق أطلقت عليها Bandas، يساند أفرادها جيش الاستعمار بمهاريهم ومهاراتهم في الصحراء. على أن مفهوم القتال مرتبك، فتتوازى سيرة المجند الإريتري – كي لا نقل تتداخل أو تتقاطع – مع سيرة المجنّد الليبي في محنته، وتتمايز مفاهيم الوطن والآخر كما نستدرك في متن الرواية.
ولادةٌ تصارع الموت
تُحكى القصة في أقل من 70 صفحة، يبدأها هايلو بالولادة الأسطورية ل “بطل” الرواية، إذ ينجو الفتى من موتٍ مبكر كان قد طال سلفًا أشقاه وشقيقاته الخمس. ولكي يكتمل التصوير الميثولوجي لهذه الولادة، تحلم أمه بيدٍ مجهولة تقطع خمس زهرات وتُبقي على السادسة في أولى تجليات الموت المسيحية، كامنةً في المنجل القاتل الرحيم. ولتُختَم هوية البطل المسيحية، يُسمَّى توكوابو مدهانيي آليم، أي نعمة الله.
إشارتان إلى تحديات توكوابو المقبلة نقرأها مباشرة بعد مشهد الولادة: الأولى ارتباطه الحميم بالمسلمين في قريته حين استأجرت عائلته الثرية عائلة مسلمة للاعتناء بالماشية، ويذهب هو ليرعى ماشية عائلة مسلمة أخرى. الثانية يكاد هايلو يهمس بها وسط صخب الطبيعة الموصوف، فيكتب “في قلبه الشاب، ظل يتساءل عن سبب هروب قردة البابون أمامهما وهي الأكثر عددًا منهما، لكنه احتفظ بهذه الأفكار لنفسه”، ولعل هذا السؤال هو ما يطرحه الحكواتي في ثنايا النص عن أسباب عجز المستعمَر عن المقاومة.
وإثر القرع الهادر لطبول الحرب، نقرأ أن “زعماء أحباش” يتوسلون، “يا إلهنا، لا تجعلنا خاملين، أرجوك أحضِر لنا الحرب”. هذا السرد الصادم لا ينحو منحى أخلاقيات الحرب المعهودة، فالرغبة في الحرب هنا ليست وليدة – عقب الاستعمار أو العدوان – بل متأصلة في أن “التمرين قد يساعد في إصلاح أجسامهم المترهلة”.
الحج إلى الحرب
في وصف أسمرا، يثني الراوي جماليًا على تحويل الإيطاليين المدينة إلى جنة ما. هنا ينطلق توكوابو مع رفقائه المجندين صوب “طرابلس”، أي ليبيا، للقتال في معركةٍ لا يعرفون عنها شي. يذكرني هذا الوصف بإيمان راسخ لدى شريحة كبيرة من الليبيين: أن الاستعمار الإيطالي كان الأبشع بين إمبراطوريات أوروبا، لأن فرنسا وبريطانيا، مثلًا، خلّفتا “حضارة” و”ثقافة” في المنطقة، بعكس الإيطاليين. بيدَ أن هايلو مدرك لهذا الفخ، فيصف مباشرةً معاملة الشرطة الوحشية للمجندين في محطة القطار المغادِرة في أولى حلقات المجاز الحيواني في الرواية، فالتشبيه بمعاملة البهائم يتغلغل في أطراف النص كافةً.
انطلاقًا من القطار إلى السفينة، ينبهر الجنود بالبحر وسحر الترحال، وهي ظاهرة إنسانية نلاحظها في أغلب الجيوش، لا سيما جيوش الإمبراطوريات، حيث رغبة الجنود في رؤية العالم عارمة. وفي غبطة التماهي مع جمال الطبيعة، يتيقن الجنود من التمييز الصارخ تجاههم من الضباط الإيطاليين، فها هم يتحنطون تحت نار الشمس، فيما ينعم موظفوهم ببذخ الرحلات السياحية.
يزداد الأمر تعقيدًا حين ترسوا السفينة في ميناء بورتسودان. فإثر العطش والقيظ، نرى التصوّف ماثلًا في نفوس المجندين، في عبارات من قبيل “هناك ميلٌ إنساني لتحويل انتباه المرء عن التفكير في العطش عندما يكون محاطًا بالماء”. لكن لقاء الإريتري بجاره السوداني يكتنفه مونولوجًا داخليًا ملؤه الكره والترصّد، فالسودانيّون يفكرون: “هؤلاء العبيد! إنهم ذاهبون إلى طرابلس من أجل المال!”، فيما يقول الإريتريون في أنفسهم: “هؤلاء السود! لا يمكنهم أبدًا أن يكونوا متفوقين علينا”. تنمحق الطبيعة كموحِّدة للإنسانية وتتفكك الهوية الجامعة للإفريقيين عامةً، ولشعوب شرق إفريقيا خاصةً.
تمضي السفينة في مسيرتها الزائرة جغرافيا الكتاب المقدس، ويستطرد الحكواتي في الحكي، فها هم المجندون الورعون يحيّون كل معْلَم بإجلال: إجلال يسيرٌ معه جهل (استعارة من المعرّي) ف “لو كان بعضهم على دراية بالكتاب المقدس، لعرفوا أن معنى إريتريا هو ‘الحمراء’، وكانوا قد فهموا أنهم موجودين الآن في البحر الأحمر، أو لكانت مشاعرهم قد طغت وجاشت عواطفهم وهم يستعيدون مديح النبي موسى لعظمة الله”.
بعد سيناء، آخر محطات الكتاب المقدس، ينبهر المجندون بثقافة المصريين في السويس، في ربطٍ يكاد يكون سورياليًّا مع الجار العدو.
قطيعة الحكواتي مع مآلات شخوص الرواية، لا سيما توكوابو، كامنةٌ في أطول فصول الرواية وأكثرها تعقيدًا. فهنا يعود الحكواتي ليتهكم – بدون مرارة – على سذاجة المجندين المنبهرين بمقر البطريرك في الإسكندرية، فيقول “كالمعتاد، يركزون على جانب الخير” ولكنهم “يجهلون شرور بعض البطاركة الذين تم إرسالهم من المكان نفسه إلى إثيوبيا، وتسببوا في الكثير من الأذى إلى الناس”. ولعلّ في اقتباسنا هذا يتأتّى الجامع لل “متحدثين الثلاث”، فالحكواتي يحكي/يتكلم/يتحدث عن المجندين بسلاسة وعفوية، وعالم اللاهوت الإنسانوي يشجب دور البطاركة في الاستعمار، والمثقف يؤرّخ أساليب القمع التراكمية، حيث ينصهر المستعمَر في ثقافة المستعمِر.
تنتهي المسيرة في درنة “الأسطورية”، ومنها إلى رمال الصحراء الحارقة، حيث الحرب والضنك مسك ختام الترحال والاحتكاك مع البشرية.
على أن الصحراء ليست مجازًا بالكامل، فهنا فعلًا يقتِل الجنود ويُقتَلون، ويموت التائه من العطش، ويأكل البشر جثامين رفقاؤهم.
الفردوس المفقود
“يا صديقي العزيز، هل تعتقد أن الناس يعيشون في مثل هذه الرمال الجافة؟”، يسأل توكوابو العائد إلى مسار الحكاية. يجيب صديقه العزيز، “ماذا يمكنني أن أقول؟ وأنا مثلك أنظر حيثما تأخذني عيناي. فكيف لي أن أعرف؟”
سيتأسف توكوابو هنا عن مغادرته خضرة قريته وأنهارها وبذخ ألوانها وضجيج كائناتها، ولسوف تزداد حدة الاغتراب والرهبة بقدر التمييز المتعاظم تجاه المجندين الذين أنهكهم السير والعطش. سينبثق آنيًا “صوت داخلي” انتاب توكوابو في مطلع الرواية، يحثه على الرحيل والقتال، وها هو يؤنبه الآن على هجر النعيم والمسير صوب التهلكة. يعقب هذا الصوت الداخلي في الحالتيْن مثلٌ شعبيٌ يذيّل شخصية توكوابو الثقافية، حيث “قشاع الضباع القبيح، ونباح الكلاب وصراخها، وهو ما يُذهِل توكوابو ويخيفه أيضًا” فبقيَ وطنه “كنزًا في ذاكرته”.
فهل نستنتج من هذا أن رغبة توكوابو في الرحيل والقتال منبثقة من غياب الإيديولوجيا (حيث الوطن لصيق بالطبيعة، بعكس الإيديولوجيات القومية)؟ هذا التسطيح لا يحيّد أهمية التنافر البيئي (قسوة الصحراء ضد وفرة أرض الوطن) في نقد المجند لذاته. هذا تسطيح لأنه مع اقتراب المعركة، يصيح الضابط الإيطالي مخاطبًا المجندين، “أيها العسكر الإريتريون الأسود، أولئك الذين ستقاتلونهم الآن مجرد حفنة من الرعاة. ربما تكونون خائفين منهم بسبب بشرتهم البيضاء. لكنهم ليسوا مثلنا…” فيسترسل بأن جنود المقاومة لا يملكون السلاح وأن المجندين سيُثابون بأكل اللحوم، عدا الغنيمة… إلخ.
على هامش خاتمة خطاب الضابط الصادح “تحيا إيطاليا، ويعيش مليكنا إيمانويل!”، ينسحب خطاب الحكواتي على التاريخي-القومجي. فهو لا يتوقع خطابًا أقل حدة تجاه “مرتزقة” ولكن الضابط “نسى أنه كان يخاطب الأحباش الذين لديهم تاريخ طويل من المقاومة… على عكس بعض الأفارقة الآخرين ممّن ليس لديهم فخر بتاريخهم وببلادهم. نسيَ القائد أن جنود الحبشة كانوا يقاتلون لأنهم يبحثون عن معاني الشجاعة والبطولة، وليس من أجل حفنة من المال”.
أيجيب الحكواتي هنا عن سؤالي السطحي؟ ليس بعد. فصحيحٌ أن توكوابو قادم من أسرة ثرية وليس في حاجة إلى الاسترزاق. صحيحٌ أيضًا أن نكسة الأراضي الإريترية ومن بعدها إثيوبيا في الحرب الإيطالية الإثيوبية الثانية، كان شبيهًا بالصدمة بعد انتصار الإمبراطور منليك الثاني الحاسم في الحرب الأولى في 1896. على أن هذه الفورة صارت تعليقًا على الاعتراف بالملك إيمانويل، حيث يرفض الشرفاء، ومنهم توكوابو، على ترديد العبارة، كما جاء في النص الخالص في نهاية الفقرة إلى “أبناء الحبشة الذين لم يفعلوا شيئًا في البداية عندما تم الاستيلاء على أرضهم وانحنوا للإيطاليين كالكلاب…”
أما الانتقال من “الشرف” إلى البراغماتية في فن الحرب نلتمسه في الفقرة ذاتها، حيث يشيد الراوي ببراعة الليبيين في أرض المعركة لأنهم يقاتلون بلا قائد وبلا ملك وهم “الذين أرادوا فقط الدفاع عن بلادهم.” حيث صار الأحباش وسيلة لاستعمار جيرانهم من الأفارقة “دون أي شيء مفيد لبلدهم أو مجتمعهم”. ويغوص هذا التحقيق التاريخي أكثر في مآلات الحرب، حيث تُفهَم العداوة بين العرب والأفارقة السود لأن بينهم “عداوة تاريخية”. لكن الراوي يحذر من تكرار التاريخ لذات “المأزق”. “فإذا جاؤوا إلى بلدنا في يوم من الأيام لقتالنا بقيادة فرنسي أو إيطالي ما، ألا يعلم أهل الحبشة أن الليبيين سوف يقومون بالانتقام؟”
في تصنيفي الثلاثي للراوي، أقرأ في هذه الترجمة البراغماتية لمسار الحرب صوت المثقف وهو يناشد أبناء جيله في مقال رأي. والباهر في هذا الرأي الاستشهاد بالفرنسي والإيطالي كوسيطيْن للانتقام، في فهم عميق لحروب الوكالة الإمبريالية التي لم تتغير عدا تقنياتها.
“العربي” بعيْن “الحبشي”
على لسان إحدى الشخصيات، نقرأ “إن أسوأ إساءة عربية يذكرها أي حبشي عائد من أسْره في بلاد العرب هي إجباره على شرب حليب الإبل”. ولتمضي هذه النادرة في نثرٍ ساحر ينيف عن العشر صفحات، يقدم فيه هايلو فسيفساء من القصص والنكت الدائرة من حول “العرب”، وهم في هذه الحالة الليبيين. الطريف أن هذه النوادر المكتوبة بقلم روائي إريتري في أواخر عشرينات القرن الماضي نسمع ما يشابهها اليوم في شرق ليبيا. على أي حال، يسرد هايلو نسل العرب وأشكالهم وطباعهم ويفكك الصور النمطية التي رسمها الإيطاليون عنهم.
من هذه الصور، كسل الليبيين الذي قيل فيه نكت أشرتُ إليها. على أن الراوي يتحدث عن “كيف يقوم الليبيون بتسليح أنفسهم والاستعداد للقتال عندما قيل لهم أن هناك جيشًا غريبًا قادمًا لمهاجمتهم؛ لا يمكن لأحد بعد كل شيء أن يصدق هذا الكسل المفترض عندهم”. وفي تماهي الراوي مع الطبيعة، يتعجب مجددًا من العدو، “فلم يكن لهم قادة يصدرون الأوامر والتعليمات، وبدوا مثل قطيع من الأبقار في مواجهة الضباع المهاجمة”. ذاك أن التوصيف الحيواني للمشاهد ليس بالضرورة احتقاريًّ وليس بالضرورة “بريئًا”، وهنا تكمن روح الحداثة في تنويع التكرار ونبذ “أخلاقوية” المجاز.
في الصفحات العشر المشار إليها، يغيب توكوابو للمرة الثانية. فالرواية تبلغ ذروتها وبشاعة المشهد – وجماله أيضًا – لا يحتمل تكرار بطلنا للهواجس ذاتها. فالمعركة “كانت لحظة مرعبة وغريبة ومحيّرة حين مشاهدة الليبيين وهم يركضون، والأحباش يطاردونهم، بينما الإيطاليون يصرخون: جميع الثقافات الثلاث المختلفة معًا، وبأساليب قتال مختلفة، اختلطت في تلك المعركة”.
“وهكذا انتهت المعركة بنصر ساحق للأحباش. لا، لقد أخطأت. كان النصر للإيطاليين.” صوت المثقف الطامِس لعفوية الحكواتي.
عودة توكوابو
بعد الانتصار، يقوم توكوابو بواجب الحراسة في حدة اغترابه عن الأرض. يتفكّر الحكواتي، “في بلدنا لا يشعر المرء بالوحدة أبدًا؛ فحتى إن كان سماع أصوات الحيوانات البرية في الليل يبعث عن الخوف في الإنسان، لكن مع ذلك فالاستماع إليها يروّح عن القلب قليلًا حيث تشعر بوجود شيء ما من حولك”. لتنتقل مباشرة حالة التفكر هذه إلى توكوابو نفسه، فيتساءل “وهل يسمون هذه بلادًا! لكن مهلًا… فالليبيون يقاتلون من أجل هذه الأرض القاحلة. أما نحن؟ علينا اللعنة! لم نحرك ساكنًا عندما جاء الإيطاليون للاستيلاء على أرضنا الخصبة… عندما تفكر في الأمر، فالليبيون في هذا المكان من البدو، وكان ينبغي ألا يهتموا كثيرًا، حيث بإمكانهم التحرك بسهولة تاركين هذه الأرض القاحلة للإيطاليين. لكن رغم كل هذا، لم يركعوا للحكم الإيطالي”.
إنه ” تكرار بطلنا للهواجس ذاتها”. لكن هذه الهواجس الآن منطوقة وتنساق مع خطاب الروائي في ذات الفقرة. فقد بات “الجحيم” الذي وُصِفت به الصحراء واقعًا لا يطاق، فسُمِّيَ فصل الرواية الأخير “العطش القاتل”، وهو ما يصير لأغلب أفراد الفرقة. يهرب الضابط الإيطالي مخافة أن يقتله مرتزقة على حافة الموت عطشًا، “لكن في الحقيقة، لم يكن أحد منهم يجرؤ على ذلك”.
“دعونا نقل الحقيقة”، يقول الحكواتي – ومن غيره! – “هل يجرؤ الحبشي على الثورة ضد إيطالي؟” يهلك أغلب الجنود، وينجو آخرون، بينهم بطلنا، بعد العثور على بئر. وفي خضم لعبة النجاة، ينجو آخرون، لكنهم “تصرفوا مثل الغوغاء، أو مثل الذباب الطنان الذي يسقط فوق وعاء من الحلوى، وماتوا وهم يدوسون بعضهم البعض”.
هذه المشاهد تذكرنا بلوحة إيليا ريبين، بحارة على نهر الفولغا، حيث الوهن واليأس على أشده. “نتمنى ألّا يرى آباء بني الحبشة هذا…” في خاتمة مشهديه تنتقل من التقرير إلى الإنشاء المناهض للإمبريالية.
يتحسر بطلنا مجددًا ويتمنى لو أن السفر كان لغرض التجارة أو الصيد أو لأي شيء “غير ضار”. لا يفهم اختياره الحرب والمهانة والجوع والموت، كما ينص الراوي الذي يذكر والديْه، ويخرج الحكواتي على السطح، قائلًا، “ولكن بما أننا نتحدث عن والديْ توكوابو، فلنرجع إليهما”.
من فرحتها بقدوم الابن، تموت الأم. ولعل موت الأم في الحكايات لازمة نراها مع الهزيمة (هزيمة الحرب في العام، وهزيمة المثاليات في الخاص). هنا نقرأ قليلًا عن طيش الشباب ومرونته على تخطي المحنة، بعكس الأب الذي فقد زوجته وقد يفقد ابنه.
في العودة أيضًا يتجلى القمع لبطلنا في أشكال أخرى، الآن وقد صار خبيرًا في التعايش في مجتمع قمعي-استعماري. بيد أن الراوي لا ينقل الإحباط على لسانه، فيكتب، “كان من المحزن رؤية الأحباش من عملاء السلطة هناك، والذين كانوا يصيحون بفخر ‘برونتو’ وهم يردون على الهاتف باللغة الإيطالية، لكنهم ببساطة تجاهلوا أو استهزأوا بأسئلة بني وطنهم. بل جرى الأسوأ من ذلك، ففي بعض الأحيان هناك جلْد وضرب ودفْع”.
فيما يخص لقاء توكوابو بأبيه، يكتب هايلو بروح الحداثة، “من الاسهل تخيّل ذلك بدلًا من التعبير عنه بالكلمات”.
يختم المجند العائد – كي لا نقول “يُنهي” – حكايته بقصيدة يجلد فيها ذاته ويرثي أمه، يبدأها ب
“ذاهب إلى أرض بعيدة
ليس من أجل رفعة وطني…” وينهيها – كي لا نقول “يختمها” – ب
“انتهيت من التجنيد وكل الميداليات الإيطالية
وداعًا السلاح!”
تتحول تجليّات الأبطال الحلوة/المرّة من الأسطورة – من جلجامش إلى أوديسيوس – إلى الحداثة – من مرتزقة الاستعمار إلى مجنّدي الدكتاتوريّات.