كلّ من حكمت عليهم الأقدار أن يعيشوا الحياة كمأزق اقتصادي، محرومون تمامًا من مقاربتها كمأزق وجودي؛ سيعوزهم الوقت ووسع البال للتفلسف وإطلاق العنان للأسئلة المعقدة المثيرة للاكتئاب والبارانويا، عن المصير، وعن الكيف، واللماذا، وإلى أين..؟
هؤلاء متّهمون أن أسمى اهتماماتهم تشاركهم فيها بقية مخلوقات الله العجماء. بالنسبة لهم، خارج نطاق السوق والغابة، لا شيء سوى العدم. وبالنسبة لهم، عالم ما وراء الحس لا يعني أكثر من طقوس وطلاسم لغوية مبهمة، تلهج بها الألسن، بلاشعور ولا إدراك، بين يدي قسيس موقر أو حبر مبجل.
يقدسهم الأنبياء والمصلحون، ويحتقرهم المرموقون.
يسميهم “روسو” الشعب. ويعتقد “ماركس” أنهم مادته الخام لتكوين “الكتلة التاريخية”. ويحب “باكونين” مخاطبتهم بالجماهير. وهم أنفسهم تقريبًا رواد المقاهي الشعبية الدائمون في الأزقة والشوارع، في كل العواصم والمدن. وفي طرابلس على وجه الخصوص، ينتشرون على امتداد النظر فوق الأرصفة وفي الردهات، حول طاولات بلاستيكية متهالكة حال لونها من القذارة. خليط غير متجانس من مهن مختلفة، ومستويات متباينة، وأمزجة متنافرة، تجمعهم أوراق اللعب، يتحمسون لها، وتعلو صيحاتهم المبتهجة والساخطة تفاعلًا مع نتائجها المتقلبة.. وفي كل الأحوال يفعلون ذلك بجدية وإخلاص وشغف طفولي واضح.
في ذلك المساء، كان صديقي الشاعر، وعازف العود والكمان، والمفكر السري الذي يختبئ وراء قناع معلم الثانوي المتقاعد، قد دعاني إلى لقاء بالمقهى الذي درج على ارتياده منذ أشهر، في منطقة الهضبة، على مقربة من سياج الطريق السريع. المكان فسيح وشعبي إلى أقصى ما تحمل الكلمة من معنى. ومع ذلك، فقد كانت أجواؤه مريحة ومحرضة على الاستغراق في الكسل والبطالة والجدل السوفسطائي المرسل.
المجموعة التي يشاركها صديقي لعب الورق كانت تجري دوري بنظام خروج المغلوب، وعندما اتخذت مكانًا بجوار طاولتهم، كانت الجولة بين السبعيني الصاخب، بذيء اللسان، كثير الكلام، وبين صديقي الخجول الكتوم، والعصبي مع ذلك، على وشك الانتهاء.
تنحينا جانبًا، وهو ينهي وصلة هجاء بليغة لحظه العاثر في الكارطة وفي الحياة نفسها، ثم فاجأني بالحديث عن فكرته الجديدة الخاصة بتشكيل حزب تحت اسم حزب “الأحرار الباحثين عن السعادة”، برئاسته، وعضوية خمسة من زملائه المتقاعدين، إضافة لعضويتي الشرفية طبعًا، باعتباري لم أصل سن التقاعد بعد. أهم نشاطات الحزب تنظيم جلسات قراءة أسبوعية لأمهات الكتب في الفلسفة والشعر والدين، وترتيب رحلات شهرية خارج المدينة للترويح عن النفس وتغيير الجو. فحسب منطقه، إذا كنا عاجزين عن تحمل كلفة الاستمتاع بمهرجان غنائي أو مسرحي، أو حضور معارض الكتاب السنوية في القاهرة أو تونس أو الدار البيضاء، يمكننا على الأقل أن نصنع لأنفسنا أجواء مماثلة دون أن نغادر أرضنا، وبتكلفة لا تتجاوز 100 دينار لكل واحد.
لم أشأ تكسير مجاديفه أو تسفيه تفاؤله. التزمت الصمت هنيهة، ثم رسمت ابتسامة متكلفة، وقلت: سأكون أول المتبرعين لتمويل الحزب.
وكنت، بدافع الشفقة، بالكاد أمنع نفسي من أن أعيد على مسامعه ما كان يدركه أكثر مني ربما؛ فكرته الطوباوية الجميلة ليست سوى محاولة يائسة، وجريئة لحد التهور، لاستعادة المعنى والجوهر في عالم فقد شغفه بالجمال.. عالم لن تطربه بعد اليوم طبقات صوت أم كلثوم الشاسعة، ولن يتحمل نثرًا غنائيًا رقيقًا كالذي كانت تطرزه غادة السمان في شبابها السادر، أو جبران خليل جبران في غربته الحالمة، أو فوزية شلابي في معتزلها الاضطراري.. عالم لن يستطيع صبرًا مع قصائد عشق حالمة من ذلك الطراز الفاخر الذي طالما جادت به قرائح الأفذاذ: نزار قباني، ومحمود درويش، وفضل المبروك، والمذبل، وشاعر الوردة، وطريبشان.
بل إن هذا العالم لن يطيق الهشاشة والنعومة والطلاوة الطاغية في صوت المرحومة فاطمة أحمد، والملكة ذكرى محمد، ولا هزيم السحاب الخصيب في تجليات محمد عبد الوهاب ومحمد حسن.
أولئك جاءوا في زمن الحب والمعجزات والأحلام الكبيرة.. ولن يتكرروا، حتى لو وقفنا جميعا على حافة الكوكب، وتضرعنا للملائكة الطيبين، بقلب واحد، كي يمنحونا فرصة أخيرة، فقط لنشاهد ذلك الجمال الغابر على “تيك توك ” أو على شاشة فضائية غير مأجورة.
لا أستطيع القول إنه قانون التطور وتغير ذائقة الأجيال. ففي الحقيقة، إن ما يجري ليس أكثر من خضوع لضرورات التفاهة وقانون الفناء؛ الروح تغادر، ثم يهمد الجسد، ويبدأ في التحلل، هكذا ببساطة.
لم أشأ أيضًا أن أطفئ نار الأمل في قلبه، وأقول له إن إعادة صياغة الحياة على هذا الكوكب ليست مزحة، وهي تجري في وتيرة صاخبة لا هوادة فيها، غير عابئة بشاعرية الأحلام والأماني التي صادرتها قوانين السوق الوحشية، وحولتها إلى سلع مكيّسة تباع على أرفف “المولات”. فلن يكون ثمة وقت مستقطع للثقافة والفن والحب بين قبائل الزومبيات الجديدة.
والمؤلم أنه ما زال علينا أن نكابد الاحتضار الطويل لعالمنا القديم..
حسب ما يقوله الخلدونيون، زمن الحضارة دائري، وعلى محيط تلك الدائرة الافتراضية تتوزع نقاط توهج ونقاط خمود. لكن ما يحصل الآن لا علاقة له البتة بقوانين سيرورة التاريخ، فالإنسانية تكاد تنحرف عن قدرها، وتسلم قيادها بيد السوق الوحشية التي تتوخى تدمير منظومتها القيمية الأخلاقية والروحية، لمصلحة قيم الغابة المنزوعة الرحمة والتسامي.
إننا لا نودع عالمًا وضيئًا، ونستقبل آخر يغوص بكل ما فيه إلى أعماق أكثر عتمة في سياق تبادلي تعودناه، لكننا نرتد من زمن إلى زمن، في ضربة واحدة، تشبه عودة الإنسان إلى المشي على أربعة، بعد أن تجاوز ذلك في رحلة امتدت ملايين السنين.