دروج Drooj

هُطولُ الألوان: من الأعلام إلى القُمصان والمدرجات

كرة القدم ليست مجرد لاعبين وحكام ومدربين وجماهير تملأ المدرجات وملايين العيون المنغرزة في الشاشات الذكية، قبل الصافرة المعلنة بداية الدقائق التسعين وما يتبعها من وقت حاسم، هناك أناشيد وطنية تعزف ورايات ترفرف حاملةً رموز الدول وشعاراتها، ترافقها كفوف تنبسط على مواضع القلوب وطموحات تعانق السماء، وأمنيات بأهداف تكفي لهزيمة الخصم وتجاوزه والانتقال إلى المراحل التالية في هرم المنافسة.

المونديال، كأس العالم لكرة القدم، هذه الفسحة التي ينشغل فيها العالم عن حروبه وصراعاته ومآسيه في مشارق الأرض ومغاربها، ويتحول إلى حلقات بشرية تؤطر مستطيلًا أخضر وعيونًا تراقب ذلك من وراء البحار والمحيطات في الدول البعيدة.

في ليبيا أيضا سنحاول أن نبتعد عن السياسة وعن الاقتصاد وعن مؤثري ومؤثرات السوشيال ميديا قليلًا، سنحاول أن نتوقف عن مطاردة أخبار ضحايا العنف في بلادنا، سنسافر في رحلة افتراضية لا يتحكم فيها جواز سفر ضعيف ومنبوذ إلى أميركا وكندا، وإلى المكسيك أيضًا، فلن يحرك فينا الوضع الأمني هناك شعرة ونحن الليبيون الغارقون حتى رؤوسنا في وحل الفوضى منذ سنوات طويلة.

في المونديال، كما تستعد المنتخبات فنيًا، فإنها تحرص على الظهور بأجمل صورة وبملابس تليق بهذا الحدث، وتتزين صدور اللاعبين بشعارات اتحادات الكرة في دولهم وبالعلامات التجارية لأشهر وأهم شركات الملابس الرياضية، التي تعتبر كأس العالم فرصة لعرض تصميماتها الأنيقة والمميزة لكل الفرق التي سيظهر لاعبوها في ملاعب البطولة على امتداد جغرافيا شاسعة لثلاث دول، وستصل صورهم إلى ملايين المشاهدين عبر العالم.

في مهرجان الألوان هذا، تتفوق بعض المنتخبات التي تحظى بقاعدة جماهيرية كبيرة في كل العالم مثل الأرجنتين الذي يُحيلُ إليه الأزرق السماوي كما يحيل إليه مارادونا، ومثل البرازيل وأصفره المرتبطان في أذهاننا بكرة القدم ووجوه أساطيرها الذين لعبوا لفرق عالمية، ولكن الأصفر وحده كلون أساسي هو ما كان يليق بهم دون غيره من الألوان الأخرى.

عندما تفكر في مالديني سيحضر بقميصه الأزرق، وربما يتسلل بعض الأحمر من ميلانو، لكن الأزرق سيطفو على سطح الذاكرة، حتى عندما تفكر بالوقفة الشهيرة لباجيو ستراه بالقميص الأزرق دون سواه، ونجوم ألمانيا وإنجلترا بالأبيض، ونجوم هولندا بالبرتقالي، والكاميرون بالأخضر، وهكذا حسب أعلام هذه الدول أو حسب الخلفية التاريخية التي تجعل لونًا بعينه يلغي ألوان العلم في غلالة منتخب وطني، ويفرض لونًا آخر بعيدًا عنها كل البعد.

يقول “فيبر بيرين” في كتابه “الألوان والاستجابات البشرية”: “الأزرق لون التحفظ والإنجاز والتفاني والتأني والتأمل النفسي، لذلك فهو يناسب الأشخاص الذين نجحوا من خلال الاجتهاد وأولئك الذين يعلمون كيف يكسبون المال. ونظرًا لاتسامهم بالعقلانية، فإنهم في الغالب يعتبرون أنفسهم وحياتهم قدوة لغيرهم”.

وبالرجوع إلى مجموعات المنتخبات المتأهلة إلى نهائيات كأس العالم سنجد الأزرق، وسنراه بدرجات متفاوتة في قمصان منتخبات كثيرة، بعضها تنطبق عليهم عبارات فيبر عن الألوان مثل الزي الاحتياطي للبرازيل وكرواتيا والإكوادور والأرغواي والسويد والكونغو الديمقراطية والولايات المتحدة وباراغواي، وكذلك الزي الرسمي لمنتخبات كبيرة مثل فرنسا واليابان والأرجنتين التي منحتها أديداس أزرقَ مختلفًا عن خطوطها المعهودة في القميص الاحتياطي للمنتخب في هذا المونديال.

هناك أيضا منتخبات عرفناها بالأزرق رغم خلو أعلامها من هذا اللون؛ مثل منتخب إيطاليا المعروف بالزُّرق “الأتزوري” الذي ورث هذا اللون من الأسرة الملكية آل سافوي موحِّدة إيطاليا منذ القرن التاسع عشر، ومنتخب اليابان الذي يلعب كرة القدم بالأزرق أيضًا منذ زمن بعيد ويسمى بالساموراي الأزرق، وقد تكون صدفة تاريخية هي ما جعلت اتحاد الكرة الياباني يعتمد اللون كجزء من الهوية الرياضية للمنتخب.

الأحمر أيضا من الألوان القوية الطاغية كثيرًا في أعلام دول العالم، وبالتالي صبغت ألوان الكثير من قمصان اللاعبين الرئيسية والاحتياطية به؛ مثل منتخبات سويسرا والتشيك وبلجيكا وبنما ومربعات كرواتيا الشهيرة وخطوط المنتخب الأميركي المستحدثة هذا المونديال والمستوحاة من خطوط العلم وهي تسبح بتأثير من الريح، أيضا هناك إسبانيا والنرويج وتركيا بالإضافة للمغرب ومصر، فيما تقلصت مساحة الأحمر على قميص المنتخب التونسي.

وعن الأحمر يقول بيرين: “توجد أنواع مختلفة من الشخصيات الحمراء، والنوع الأول يختار اللون حقيقة من منطلق اهتمامات متوجهة للخارج، فالشخص عفوي ومن الممكن أن يكون رياضيًا، جذابًا، سريعًا في الإفصاح عن آرائه سواء أكانت صحيحة أم خاطئة، والحياة بالنسبة له لابد أن تكون مثيرة وسعيدة، وإن لم تكن كذلك ظن أنه توجد مشكلة على نحو مؤكد”.

كثير من المنتخبات المتأهلة إلى نهائيات كأس العالم ستنتقل من الأحمر إلى الأبيض أو العكس لاعتمادها في اختيار ألوان غلالات لاعبيها على ألوان أعلامها، لكن بيرين لا يقول نفس الكلام على اللونَين، فالأحمر من أكثر الألوان تفضيلا لدى الكثيرين ويشاركه الأزرق في هذه المكانة، لكن الأبيض عنده مجرد لون “كئيب وعقيم وبلا مشاعر”، وهذا الأبيض هو اللون الذي سنشاهده كثيرا في مباريات المونديال، سيرتديه لاعبون من جنسيات مختلفة، من إنجلترا وألمانيا والمكسيك وساحل العاج وغانا وإيران والعراق والسنغال والسعودية وهاييتي والتشيك والرأس الأخضر وغيرها الكثير، سواء كان الزي الرسمي أو الاحتياطي أو الثالث.

ومن الألوان التي لا يمكن تجاهلها والتي ارتبطت في ذاكرة الشعوب بكرة القدم، الأصفر اللون الرسمي للسيليساو، راعي المتعة واللعب الأنيق لرونالدو وروماريو ورونالدينو وغارينشا وكاكا وغيرهم، يقول بيرين: “الشخصية الصفراء تحب الابتكار والحداثة والحكمة، وهذا النوع من الشخصيات يتعاملون بقدرات عقلية عالية وجادة مع العالم ومن فيه من أشخاص موهوبين”.

وفي الدائرة الصفراء يدخل مع البرازيل منتخبات أخرى مثل السويد والإكوادور وجنوب أفريقيا وكولومبيا وغانا وحتى منتخب كوراساو الوافد الجديد، حديث العهد بهذه المنافسة العالمية والداخل إليها من بوابة الكونكاكاف رغم انتمائه السياسي لمملكة هولندا في قارة أوروبا ومنتخبها البرتقالي.

إذا وضعنا هذه الألوان الأساسية جانبًا، الأحمر والأزرق والأصفر واتجهنا إلى الألوان الثانوية وأكثرها شيوعًا الأخضر، الذي وصفه بيرين بأنه “رمز الطبيعة والتوازن والاعتيادية، والشخصيات الخضراء منشغلة باستمرار وتستمتع بالأشياء الجميلة في الحياة”.

وكم يتمنى عشاق المنتخبات الخضراء أن يبادلهم اللاعبون متعة اللعب وتسجيل الأهداف وصناعة الفوز، من أهم المنتخبات المرتبطة باللون الأخضر نجد السنغال والسعودية وجنوب أفريقيا والجزائر والمكسيك، حتى المنتخب الفرنسي “الأزرق” اعتمد في هذه الدورة من المونديال زيًا كاملا من تصميم شركة نايكي باللون الأخضر الهادئ القريب للباستيل، مستوحى من لون تمثال الحرية الذي أهدته فرنسا للولايات المتحدة باعتباره رمزًا للعلاقات الودية بين البلدين.

هناك أيضا التصميم الأنيق لزي منتخب النمسا الاحتياطي من شركة بوما بألوانه الرخامية الخضراء المتداخلة مع خطوط من الذهبي وشيء من البنفسجي والوردي، الذي أكمل الصورة وعكس روح فيينا.

أما أخضر أستراليا الصريح فلم يأخذه الفريق من علم البلاد أيضًا، بل من النبات الوطني لأستراليا “الأكاسيا الذهبية”، ليصبح الأخضر والذهبي اللونين الوطنيين للرياضة ويرتديهما عدد من منتخبات البلاد في كل الرياضات، وهناك أيضا الدرجة الهادئة جدا من الأخضر لقميص المنتخب السويسري التي يحاكي فيها التصميم جواز السفر السويسري، ما يعكس الهوية التي تجمع هذا الأخير بالمنتخب.

كما أخذت ساحل العاج البرتقالي من علمها، أما هولندا فقد التصق بها البرتقالي منذ القرن السادس عشر كإرث وطني وتاريخي للبلاد، أيضا لون القميص الاحتياطي لمنتخب اسكتلندا يعود لطقم روزبيري الشهير منذ أواخر القرن التاسع عشر، والذي يعتمد اللون المرجاني مع إضافة خطوط رفيعة باللون الأزرق.

أما الأسود الذي تنازل عنه الحكام منذ زمن كلون وحيد لملابسهم، فقد اعتنقه لاعبو بعض المنتخبات في زيهم الاحتياطي مثل النرويج وتونس، وباراغواي كلون يغلب الأزرق أو حتى كخيار ثالث كما حدث مع منتخب الأردن ومنتخب المكسيك. ونلاحظ أيضًا أن الحكام حظوا بالأسود الكلاسيكي في بعض مباريات هذا المونديال مع استحداث ألوان أكثر جرأة مثل البرتقالي الفسفوري والأزرق الفاتح أو الآكوا، والبنفسجي الفاتح والأخضر الليموني والأصفر الفسفوري التي ظهرت جميعها في تصميم أنيق زينته خطوط أديداس الثلاثة على الكتفين مع شعارها الفخم في المنتصف.

ولن ننسى طبعا الوردي أو الأحمر الفسفوري الذي صُمِّمت به أحذية اللاعبين وقد اتفقت عليه الشركات المصنعة لعدة أسباب تسويقية وفنية.

هناك أيضا اللون المميز لقميص كوريا الجنوبية الاحتياطي، وهو تدرجات الأرجواني الفضائي الذي أبدعته شركة نايكي، ويضاهيه في النعومة الزي الاحتياطي لبلجيكا بالأزرق الفاتح وشيء من الأبيض والوردي الفاتح من تصميم شركة أديداس.

أديداس، هذه العلامة التجارية المكونة من عدة شركات يدعمها تاريخ طويل وعراقة ألمانية وضع أدولف داسلر حجرها الأول في بافاريا منذ عشرينيات القرن الماضي، تتصدر الشركات المتخصصة في الملابس والأحذية والمعدات الرياضية التي تضع علامتها التجارية على القمصان التي سيرتديها اللاعبون في منافسات هذا المونديال، سنرى شعار الشركة على قمصان 14 فريقًا؛ هي ألمانيا والمكسيك وجنوب أفريقيا وقطر واسكتلندا وكوراساو والسويد وبلجيكا وإسبانيا والسعودية والأرجنتين والجزائر وكولومبيا، وأيضا التصميم الأنيق لقميص اليابان الاحتياطي باللون الأبيض والخيوط الملونة المرسومة عليه. وباعتبار أديداس شريكًا رسميا للفيفا منذ سبعينيات القرن الماضي، فإنها المسؤولة عن الكثير من نشاطات الاتحاد الدولي لكرة القدم مثل تصميم الكرة والملابس والمعدات الخاصة بالمتطوعين والعاملين في البطولات التي ينظمها.

كل شعارات هذه الشركة من الخطوط الثلاثة العريضة التي تشكل هرمًا إلى الورقات الثلاث التي تتخللها الخطوط الثلاثة نفسها إلى شعار الدائرة الذي يشترك مع الجميع في الخطوط الثلاثة، تبقى أديداس راعيًا رسميا لمنصات التتويج وللكؤوس والميداليات الذهبية ولأبطال وبطلات سطع نجمهم في كل الرياضات حول العالم، ويبقى مجرد ارتداء قميص أو قبعة تحمل هذه العلامة مصدرًا صغيرًا ومتاحًا للسعادة، حتى لو كانت هذه العلامة كوبي بيست أو مقلدة.

من ألمانيا إلى الولايات المتحدة مسرح بعض مباريات هذا المونديال وموطن المؤسسة الرائدة في الملابس والأحذية الرياضية “نايكي”، المنافسة الشرسة لأديداس والعلامة التجارية التي تزين ملابس بعض أهم الفرق والمنتخبات والنجوم في العالم، بعلامة بسيطة تمثل مسار طيران تضع نايكي بصمتها وترتسم بقوة على قمصان 12 منتخبا في مونديال 2026؛ هي أميركا وكوريا الجنوبية وكندا والبرازيل وأستراليا وتركيا وهولندا وأوروغواي وفرنسا والنرويج وإنجلترا وكرواتيا.

أما “بوما” الألمانية المنحدرة أيضا من سلالة داسلر لمؤسسها رودولف شقيق أدولف مؤسس أديداس، فإنها أيضا رسمت الكوغر أو البوماء، الحيوان المعروف بسرعته ورشاقته وقوته على قمصان 11 فريقا تخوض نهائيات هذا المونديال؛ وهي التشيك وسويسرا والمغرب وباراغواي وساحل العاج ونيوزيلندا ومصر والسنغال والنمسا والبرتغال وغانا، معروف عن بوما أيضا رعايتها للنجم مارادونا منذ بدايته وحتى رحيله.

تقاسمت تصميم ملابس الفرق الأحد عشر المتبقية شركات أقل شهرة مثل الشركة الإنجليزية ريبوك التابعة لأديداس والتي ترعى منتخب بنما، وشركة كيلمي الإسبانية التي ترسم آثار مخلبها على قمصان منتخبي البوسنة والأردن، والشركة الألمانية جاكو وشعارها الدائري مع خطين عريضين على قميص منتخب العراق، وشعار كابيلي سبورت الأميركية للرأس الأخضر، وكابا الإيطالية لمنتخب تونس، وسايتا الكولومبية على قميص منتخب هاييتي، وأمبرو الإنجليزية لمنتخب الكونغو الديمقراطية.

بالإضافة لشركات محلية اقتصرت رعايتها على منتخب بلادها مثل شركة “ماجيد” الإيرانية وشركة “ماراثون” الإكوادورية.

أما علامة جوردن أو الرجل القافز، فإنها ستظهر لأول مرة على القميص البديل لمنتخب البرازيل، يذكر أن جوردن التي يتلقى نجم كرة السلة مايكل جوردن جزءًا من أرباحها تتبع مؤسسة نايكي، لذلك يظل منتخب البرازيل تحت رعاية هذه الأخيرة مع ارتباط رسمي وليد بجوردن.

كأس العالم هدنة قصيرة نحتاجها، لن نشغل أنفسنا بالممارسات الغبية لأميركا ولا بالوضع الأمني في المكسيك، ولن نفكر في الأرقام الفلكية لتذاكر المباريات، هو فقط ريسيفر صغير في شاشة المربوعة أو وسط الحوش، وإذا انقطعت الكهرباء فكرسي في زاوية مقهى “وحدة نص نص” وانضمام هادئ لمهرجان الألوان الصاخب. تابع فريقك المفضل وغير المفضل، واستمتع بوقتك لأبعد حد. 

Share This Article

منشورات ذات صلة

لم يكن سقوط برجين لنقل الطاقة في منطقة الفاو مجرد عطل فني عابر. ففي غضون ساعات، تحولت مدن…

كرة القدم ليست مجرد لاعبين وحكام ومدربين وجماهير تملأ المدرجات وملايين العيون المنغرزة في الشاشات الذكية، قبل الصافرة…

يشهد الشارع الليبي خلال الفترة الأخيرة تصاعدًا في النقاشات والمواقف المتعلقة بملف الهجرة واللجوء، تجسدت في حملات إعلامية…

العنف الرقمي ضد النساء في ليبيا.. تشهير وتهديدات تدفع الأصوات النسائية إلى الصمت يشهد الفضاء العام في ليبيا…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.