بعـث
يقع بيتنا قرب المدينة الرياضية، ويمكن لإنارة الملعب في الطقس الصحو أن تضرب داخل فنائنا. أعلم بوجود المباراة من الزحام الذي يربك الشارع. سيارات أمنية تحمل شتى التسميات والألوان. أستطيع بوضوح رؤية التوتّر على الوجوه. ها قد بدؤوا يتوافدون. يخترقونهم بلا مبالاة. أهازيج تمزج البهجة بالعدوانية، ابتسامات متوعّدة، ملامح متحفّزة. كبار وصغار. صف طويل أمام المدخل الرسمي، وآخرون أخذوا أماكنهم فوق الأسوار بسرعة مذهلة. أتفرّس في الوجوه فلا أكاد أميّز أحدًا. أعرفهم. لكن ربما ليس في هذه اللحظة. أفكّر في تشبيههم بالزومبيز: أموات يتدافعون إلى أرض المحشر. لكنّهم ربما يكونون أحياءَ أكثر من أي وقت مضى. أكثر حياةً من القابعين في الخارج. لقد امتلكوا أصواتهم. صراخ يعلنون به وجودهم، يمتلكون به قدرهم، ويدفعون به تهمة الخصاء.
ليس لدينا في ليبيا يوم عطلة معلوم تقام فيه المباريات، ولا أجواء كرنفالية مصاحبة لها. وبالتأكيد، ليست المباراة بالمناسبة التي قد تفكر العائلة الليبية بالخروج للاستمتاع بها. وعلى أي حال، تكفي نظرة فاحصة للمشهد للإيمان بأن هؤلاء لن يحتاجوا إلى خطأ تحكيمي لكي يُحرقوا.. لنقل مقر رئاسة الوزراء مثلًا.
نشـاز
في ظهيرة يوم التاسع من يوليو عام 1996، سيتسبب الكابتن الماجد في مذبحة كروية. لم يكن معروفًا بهذا الاسم في ذلك اليوم، ولم يكن قد أطلق العنان بعدُ لمهاراته الفذة. لكنه كان مؤثّرا بما يكفي ليدفع بعض المشجعين للغناء له. لم يرق الأمر للكابتن، الذي لم يكن قنوعا بموهبته القيادية التي جعلته رئيسا شرفيا للاتحاد الليبي لكرة القدم، بل سيضم إليها لاحقًا موهبته الفنية على المستطيل الأخضر. من منصته الشرفيّة، أعطى الكابتن أوامره بفتح النار على مصدر الأصوات البغيضة. عشرات من مشجعي الأهلي طرابلس سقطوا جرحى وقتلى. لم يكن بينهم “إسلامي” واحد، متطرف أو معتدل، كما كان حال نزلاء سجن أبي سليم الـ1200، الذين قضوا قبل 10 أيام من هذا التاريخ.
انعتـاق
نالت كرة القدم وجمهورها نقداً لاذعاً من ذوي العقول اللامعة. أرستقراطيون اعتبروها رياضة للغوغاء، يساريون اكتشفوا أنها حيلة رأسمالية أخرى لسرقة الشعوب وصرفها عن الوعي بحقوقها، وعدد لا بأس به من رجال الدين وضعوها في خانة اللهو الذي يُشغل المؤمن عن التقوى.
ولأنه كان مفكراً لا همّ له سوى تحطيم الأغلال وتكريم الإنسان؛ رأى قائد الثورة الليبية في كرة القدم تهريجا سخيفا. فأن يركض 22 لاعباً وراء كرة واحدة طوال 90 دقيقة، محاطين بصخب آلاف المتفرجين، لهو فعلا مظهر رجعي، لا أقل من أن يوصف بالتخلف الذي لا ينسجم مع رقي النظام السياسي الحر الذي يتمتع به مواطنو الجماهيرية.
أعلن العقيد أن “الرياضة للجميع”. ما يعني إنهاء احتكار الألعاب الرياضية من قبل أندية خاصة معدودة، وما يعني أيضا، أن تترك الجماهير “المغفلة” مقاعدها لكي تمارس الرياضة في الساحات العامة بكل انطلاق.
وبات المشهد أكثر صحيّة: ملاعب خالية وقاعات خاوية، فيما امتلأت الشوارع بالجماهير الشعبية رجالًا ونساءً من مختلف الأعمار، يمارسون بعفوية ما يشبه اليوغا.
قهـر أبـدي
بعد عامين من تعليق النشاط الرياضي، استضافت ليبيا كأس الأمم الإفريقية عام 1982. عادت الجماهير “المغفلة” لأماكنها مسانِدةً لاعبي المنتخب، الذين كانوا يركضون بالروح المندفعة أكثر من التجهيز الفني الجيّد. وصلت ليبيا بأعجوبة إلى النهائي، وكادت أن تظفر باللقب لولا سوء حظ ركلات الترجيح. فازت غانا. وعمّ الصمت أركان الجماهيرية. هزيمة جعلت من ليبيا البلد الشمال إفريقي الوحيد الذي لم يتوّج بطلًا للقارة.
بعد ثلاثة أعوام من هذا التاريخ، وتحديدا في أكتوبر، كانت الجماهير الليبية تنتظر منتخبها في مباراة الإياب أمام الجزائر. التعادل في الذهاب كان مبشّرًا، والحلم بالوصول إلى مونديال المكسيك، بدا تعويضا مناسبًا عن حسرة خسارة اللقب القاري.
لم يظهر المنتخبان في أرض الملعب. ثم انتشرت الشائعات التي غدت فيما بعد قرارا رسميا: ليبيا لن تخوض المباراة، لأن العقيد بمشاعره القومية النبيلة، لم يرغب بأن يأتي تأهّل الجماهيرية على حساب السلم المجتمعي في الشقيقة الجزائر. وبالفعل، احتفل شعب الجزائر الشقيقة بفرحة التأهل. أما الذين غادروا ملعب 11 يونيو بطرابلس لاعنين العقيد والزمن الذي أتى به إليهم، فانهالت عليهم عصيّ رجال الأمن وبنادقهم. كانت ليلة محزنة غصّت فيها الحناجر بألم مرير، قبل أن يعود الصمت ليخنق الجماهيرية.
حقـوق الحيـوان
الحمار الوحيد الذي يعرفه الليبيون هو حمار جحا/جحي، لكن مع مطلع الألفية الثالثة، وفي أحد أيام الصيف، شوهد حمار أخر يطوف شوارع بنغازي مرتديا قميص الكابتن ماجد. كانت المسيرة احتجاجًا على ممارسات عدة اعتبرتها جماهير الأهلي بنغازي مجحفة بحقها، ولأن الحمار صاحب صوت مسموع، فقد قررت تفويضه لإيصال رسالتها.
لكنّ الكابتن بما عُرف عنه من مزاج حاد، قرر معاقبة النادي على أفعال أنصاره اللامسؤولة، وانضمت إليه عدد من جمعيات الرفق بالحيوان التي اعترضت على استغلال الحيوانات في تصفية الحسابات الرياضية.
حُسم الأمر، واتُخذ قرار بهدم النادي العريق، الذي كان في حقبة ما، معقلا للعمل الوطني والثقافي إلى جانب مكانته الرياضية. ولكي تمنح السماء بركتها، فقد اختير يوم الأول من سبتمبر عام 2000، موعدا لدكّ حصن الرجعية.
تمييـز
بعد أن سلّمت برنامجها النووي السلمي بمحض إرادتها، عزمت الجماهيرية على إثبات صدق نواياها في إعادة الاندماج بالعالم. ومع استقرار النشاط الرياضي، وإعلان الفيفا بأن نسخة المونديال في 2010 ستكون إفريقيّة؛ رأت الجماهيرية أن التقدم بطلب احتضان حدث من هذا المستوى، سيحسّن صورتها، ويؤكد للعالم أنها قد تغيّرت.
لكنّ العالم لم يتغير، ولم يغفر لليبيا سجلّها المشاغب أيام المراهقة. لذا فقد رُفض ملف الترشح منذ المرحلة الأولى، دون أن يحظى بفرصة للفحص حتى. كان القرار ظالما وعنصريا بشكل فاضح. هذا ما أدركه الليبيون، الذين لم تخدعهم مبررات الرفض التافهة، من قبيل انعدام البنية التحتية ورداءة المنشآت الرياضية والخدمات اللوجستية، وافتقار البلاد للحد الأدنى من متطلبات الاستضافة.
منذ هذه اللحظة، ستستقبل هواتف الليبيين شبه الذكية، عبارة القائد: “الفيفا سوق نخاسة العالم”، مع كل نسخة مونديالية تبثها القناة الأرضية.
بطاقـة دعـوة
انتهى منذ أيام الموسم الكروي الليبي. وباستثناء أنصار الفرق التي وصلت إلى الأمتار الأخيرة من المنافسات، فلا يبدو أن أحدًا اكترث حقا بما يحدث. ثمة سبب آخر يدعو للخجل: تزامن نهاية بطولاتنا مع بداية كأس العالم.
ترفرف كثير من الأعلام في هذه النسخة الاستثنائية. هناك 48 بلدا موندياليا لأول مرة. وهذه الزيادة العددية الكبيرة تعني أن الغائبين فشلوا في أكثر مما هو رياضي. في ليبيا ثمة نكتة شهيرة تُروى عن اللاعب الدولي السابق أبوبكر باني، الذي اكتشف مبكرًا أن المنتخب الليبي لن يشارك في المونديال أبدًا إلا حين تُصبح المشاركة “بالرغبة”. تبدو هذه نبوءة صادقة إلى حد بعيد. لكن بدلا من معيار الرغبة، هناك أمل بأن يصبح المونديال مفتوحا لكل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.. أي 193 بلدًا. فقط يبقى الرجاء بأن تظل ليبيا كما نعرفها اليوم موجودةً حتى ذلك الحين.