دروج Drooj

حديث مقتضب عن المعارضة الليبية وفيلم “بابا والقذّافي”

1

ماذا نعرف، كليبيّين، عن المعارضة منذ استقلال البلاد؟ من جهة، يعي المؤرّخون والسّاسة والأدباء نشاط المعارضة المبكّر وطبائعها في خضم الائتلافات والمناكفات داخل المعارضة نفسها، منذ الدولة الأولى -المملكة- عبر حركة الطلّاب في 1964 وحتى الانهيار السريع للديوان الملكي عقب هزيمة 67 وصعود الناصرية. ومن جهة، تتلخبط علاقة “المواطن البسيط” بالمعارضين والمعارضات: من شذّ عن صراط الجماهيرية المستقيم منذ السبعينيّات وحتى 17 فبراير 2011.

 هكذا استوعبت جماهير الجماهيرية -المؤيّدون لها والمعارضون- ماهيّة المعارضة في جيل “الكلاب الضّالة” المشنوقين ونشاطات الجبهة الوطنية في الخارج والداخل، إلى أن دخلت أجهزة “الريسيفر” إلى أغلب البيوت، ليظهر فرج العشّه مطلع الألفية في قناة الجزيرة، فيتبعه محمود شمّام وصالح جعودة وغيرهم من المعارضين والمعارضات الذين شاهدهم مواطننا البسيط في داره ومربوعته دون رادع (ومن يقدر على ردع التكنولوجيا!)، لتتلقفهم أستوديوهات الجزيرة والعربية والحرة وسواها من القنوات التي غطّت انتفاضة فبراير بكثافة لاحقًا.

ولعل القارئ يستشف من هذه المقدمة اعترافًا ضمنيًّا بخيبة المواطن البسيط بالمعارضين والمعارضات بعد الانتفاضة، لا سيما بعد نكسة 2014، إذ ينسب آلاف المواطنين البسطاء إخفاقات الراهن إلى فساد المعارضين وفسقهم، فيحنّون إلى أيّام الشنق التلفزيوني والنفي. بيد أن حكاية المعارضة الليبية، شأنها شأن المعارضات في الكوكب، معقّدة و”ذات شجون”. ومهما يكن من أمر، تظل حكاية المعارضين والمعارضات، الأحياء منهم والأموات، رهينة التسطيح والشيطنة والتمجيد، ولم تُكشَف حكايتها الكاملة -إن وُجِدَت- في وجدان المواطن البسيط. ولا نغفل في حديثنا المقتضَب من قضى شبابه وعمره في السجون قبل السابع من أبريل وبعده (لا تحتمل المساحة ذكر أسمائهم)، فخرج بعضهم قبل الإطاحة بالقذافي وبقيَ البعض الآخر حتى فُتِحت زنزانة سجناء الرأي في 2011، ليحتلّها سجناء رأي آخر. والحال أن سياسات المعارضة تعارضت إلى حد الخصومات المبكرة قبل 2011، وإلى حد الاقتتال بعد 2013. هذا ديدن المعارضات في عالمنا، خصومات وائتلافات في مشهد سياسي، واقتتال في الحروب الأهلية.

في هذا السياق، توثّق جيهان الكيخيا سيرة أبيها منصور، الدبلوماسي الذي أزعج الدولة الملكية، ليصبح أحد أهم السّاسة في تاريخ البلاد الحديث، وزيرًا للخارجية في جمهوريّتها (1972-1973) وسفيرًا في الأمم المتحدة، يمثّل جمهوريتها الآفلة وجماهيريتها الصاعدة (1975-1980)، فيزعج الجماهيرية من الثمانينيّات وحتى اختفاءه في 1993.

2

في العام الفائت، شاهدتُ وثائقيّيْن عن المعارضة الليبية، يختلفان في الطرح والسياق ويتفقان في شيء: صانع الفيلم “منفي”، لا يتحدث العربية وإنما يستكشف هويته. الأول لخالد الشامس عن أبيه المعارض، عاشور الشامس، الذي تزوج جنوب إفريقية في إنجلترا واستقر هناك، والثاني لسارة بن سعود عن جدها الليبي المعارض الذي تزوج تونسية، ليسافر ابنه الليبي-التونسي إلى كندا، فيستقر هناك فتولد سارة.

ينسحب هذا المزيج الهويّاتي على فيلمنا (بابا والقذّافي)، إذ تولَد جيهان الكيخيا للمعارض الليبي منصور الكيخيا والأم السورية بهاء العمري-الكيخيا التي لم يغترب أسلافها عن سجون الدولة السورية، كما تخبرنا في الفيلم. هي نفس الخلفية التي تنشّأ فيها خالد الشامس الذي عرف من أمه وأخواله أن جده من أمه، الإمام عبد الله هارون، قد قُتِل معارضًا لنظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. وهذا ما أثارني شخصيًّا في مقابلتي لخالد وسارة: اندماج الهوية الليبية مع عوالم أخرى تعي المعارضة والنضال في سياقات مختلفة.

وإذ تسارع جيهان إلى التعريف بحياة أبيها، فهي تشدد أيضًا على أحايين الحياة العادية من خلال كاميرا جدتها وأمها، بعيدًا عن سجون القذافي وتقارير الأمم المتحدة، فنقتبس بعضًا من طفولتها وطفولة شقيقها وصور أمها في لقطات بعيدة في أفلام العائلة التي وثّقت مناسبات عديدة. نرى اللقطات البعيدة هذه تتجلّى في لقطات كبيرة للأم وهي تسرد حكاية الأب المختفي، حكاية تتلاعب بها الابنة زمنيًّا لتسرد حكاية دولة وليدة من طريق نضالات أبيها ومن ناصره.

تبدأ مخرجتنا السرد بالتعريف بتاريخ ليبيا الحديث، من إبادة الفاشست الطليان إلى استقلال البلاد وسيرة أبيها المبكرة. ولعل أحد أهم مسارات الفيلم يتجلّى في شرح المسألة الليبية من خلال الأجانب؛ في هذه الحال، شرح الصحفي السوري، مصطفى كركوتي، سياقات انتفاضة سبتمبر في 1969 التي أيّدها غالبية الشعب إثر فساد الديوان الملكي المذكور. لم تكن هويّة قادة الانتفاضة/الثورة مهمة آنذاك، فالمهم كان الإطاحة بالنظام التي غيّمت على شوارعه عبارة “إبليس ولا إدريس”. لم تعرف أغلبية الشعب حينها من هم الضباط الأحرار، لا سيما من هو الملازم أول معمر القذافي

ويصحّ في مقارنتنا بين الأفلام الثلاثة أن ننوّه إلى تضافر السيرة الذاتية مع سيرة الموضوع؛ فخالد الشامس الذي وثّق لسيرة أبيه السياسية، إنمّا عرض تعليقاتها بالمشاركة مع شهادة أبيه المباشرة، وهو الذي ساهم أيضًا في الإدلاء بما يعرف ويتذكّر في وثائقي الكيخيا. أما في فيلميْ سارة وجيهان، تجابه الصانعتان حكاية ناقصة، لا يتأمّل موضوعها في الراهن ليضيئه بالماضي، كما فعل عاشور الشامس وابنه.

3

يعرض الفيلم أرشيفًا مهمًّا لمنصور الكيخيا السياسي فضلًا عن منصور الزوج والأب؛ نتعرف في العرض على شخصيته الساحرة المبتسمة، سواء في أروقة الأمم المتحدة أو في صالة بيته. لقد بات الكيخيا بعثيًّا في طموحاته السياسية، والتأمت رؤيته السياسية مع رؤيا الجمهورية الليبية التي لم يسيطر عليها القذافي بالكامل إلا بعد خطاب زوارة؛ نراه خطيبًا مدافعًا عن القضية الفلسطينية والوحدة العربية في إحدى خطاباته في مقر الأمم المتحدة. على أن الخلاف يبدأ في مطلع الثمانينيّات عندما استفرد القذافي بالسلطة وصاغ جماهيريته التي نفت وسجنت واغتالت وأعدمت أفرادًا اعتبرهم الكيخيا شركاء في الوطن وليسوا أعداء. 

هذه الأحداث كلها توثّقها جيهان -التي يعرّفها الإنترنت باسمها الوحيد كيلا يُرهق الأجانب بنطق حرف الخاء في الكيخيا– بين العام والخاص. مرة أخرى، أراني أقارن بين سيرة جيهان الكيخيا وهشام مطر، الروائي الليبي البريطاني، الذي اختفى والده، جاب الله مطر، في مطلع التسعينيّات أيضًا -عقد الاختفاء القسري في مصر- والاثنان انتهجا معارضة الجماهيرية كدبلوماسيّيْن لم يسلكا الكفاح المسلّح.

تستفهم جيهان الكيخيا في تجربتها السينمائية الأولى عن الهوية السياسية، ليس فقط من خلال تساؤلات أبيها، بل من خلال تساؤلات أمها وتساؤلاتها هي، المواطنة الأمريكية التي تسكن في مطبخها ليبيا وسوريا، وتسكن في ذاكرتها جماهيرية القذافي. أما عن حاضرها، فتلك قصة أخرى، نستلهم بعض صورها عبر تعليقها الصوتي وصور الفيديو التي صوّرت رقصاتها الطفولية ولقطة الفيلم الأخيرة التي أتركها إلى المشاهد.

Share This Article

منشورات ذات صلة

1 ماذا نعرف، كليبيّين، عن المعارضة منذ استقلال البلاد؟ من جهة، يعي المؤرّخون والسّاسة والأدباء نشاط المعارضة المبكّر…

كلّ من حكمت عليهم الأقدار أن يعيشوا الحياة كمأزق اقتصادي، محرومون تمامًا من مقاربتها كمأزق وجودي؛ سيعوزهم الوقت…

أكثر من 150 ألف عضو في مجموعة ليبية واحدة على موقع فيسبوك، يتبادلون يوميًا قصصًا عن فقدان الوزن…

لم يكن سقوط برجين لنقل الطاقة في منطقة الفاو مجرد عطل فني عابر. ففي غضون ساعات، تحولت مدن…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.