دروج Drooj

الأرقام الإدارية في ليبيا: ملف قانوني عالق يتحول إلى صراع حول الهوية والتوطين

هويات معلقة 

عاد ملف “الأرقام الإدارية” في ليبيا إلى واجهة الجدل العام بعد سنوات من الجمود، عقب توصيات لجنة الحوار المهيكل الداعية إلى تسوية أوضاع حاملي السجلات المدنية المؤقتة. ورغم أن المقترحات جاءت في إطار إداري قانوني فإنها سرعان ما تحولت إلى نقاش سياسي واجتماعي واسع ارتبط بمخاوف من “التوطين” والتغيير الديمغرافي، وهذا التحول أعاد فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في البلاد، حيث يجد آلاف الأشخاص أنفسهم عالقين بين أنظمة تسجيل غير مكتملة، ونقاشات عامة تمس الهوية والانتماء وسط غياب تسوية نهائية استمرت لعقود.

وبينما يرى معارضون أن الملف يحتاج إلى تدقيق صارم يراعي اعتبارات السيادة، يؤكد متضررون وحقوقيون أن القضية تمثل امتدادًا لأزمة حقوق مدنية وإدارية عطّلت حياة أسر كاملة لسنوات طويلة.

من ملف إداري إلى سردية سياسية

 توصيات لجنة الحوار المهيكل التابعة للمجلس الرئاسي بشأن تسوية أوضاع السجلات المدنية المؤقتة رغم تشددها على معالجة فردية لكل حالة وفق الوثائق، إلا أنها أثارت موجة جدل على منصات التواصل الاجتماعي، خاصة بعد ربطها بخطاب “رفض التوطين” الذي تصاعد في سياق نقاشات الهجرة غير النظامية. ومع توسع النقاش انتقل الملف من نطاقه الإداري إلى فضاء سياسي أوسع حيث اختلطت مفاهيم الجنسية والهجرة والتوطين ما أدى إلى إعادة إنتاج تصورات متضاربة حول طبيعة هذه الفئة.

جذور قانونية ممتدة منذ عقود

“70 عامًا من القرارات والملف ما زال عالقًا”

تعود جذور الملف إلى الإطار التشريعي الليبي المتعلق بالجنسية والسجل المدني، حيث صدر قانون رقم (17) لسنة 1954 بشأن منح الجنسية للعائدين من المهجر، تبعه قانون رقم (18) لسنة 1980 بشأن الجنسية الليبية ومع إدخال منظومة الرقم الوطني عام 2013، أعيد فرز عدد كبير من الملفات القديمة، ما أدى إلى بقاء آلاف الحالات في وضع “السجل المدني المؤقت”، وتشير شهادات المتضررين إلى أن هذا التراكم بين النصوص القديمة والإجراءات الإدارية الحديثة أسهم في خلق حالة “تعليق قانوني” استمرت لعقود دون حسم نهائي.

قصص فردية: حياة معلّقة بين القانون والواقع

لم تكن عائشة مسعود تتابع الجدل الدائر حول الأرقام الإدارية بالطريقة نفسها التي تابعها بها آلاف الليبيين على مواقع التواصل الاجتماعي، فبينما انشغل كثيرون بالنقاشات السياسية والاتهامات المتبادلة حول ملف عاد إلى الواجهة مجددًا، كانت هي تفكر في ابنتها التي وُلدت بتشوه خلقي في القلب وتحتاج إلى متابعة طبية وعلاج مستمرين مدى الحياة.

تقول  عائشة  إن وضعها القانوني جعل الحصول على بعض الخدمات أكثر تعقيدًا،  بالنسبة لعائشة، “الأرقام الإدارية” ليست مجرد سجلات، بل هي تكاليف علاج باهظة وفحوصات طبية تضطر لتحملها من دخلها الخاص؛ لأن وضعها القانوني يحرمها من الخدمات الصحية التي تُقدم لليبيين الحاملين للرقم الوطني.

تجربة عائشة تتقاطع مع قصص آلاف المتضررين الذين وجدوا أنفسهم فجأة في قلب خطاب كراهية يصفهم بـ “الخطر الديمغرافي” و “الأجانب”، لمجرد أن الدولة فشلت في تسوية أوضاعهم الإدارية الممتدة لسنوات.

 “الحذر من الوعود غير المكتملة”

تقول أسماء الأنصاري، وهي من حاملي الأرقام الإدارية، لم أستقبل مقترح لجنة الحوار المهيكل بالحماس ذاته الذي أبداه آخرون. فبعد سنوات من المبادرات والقرارات التي طُرحت لمعالجة الملف دون أن تنتهي إلى حلول فعلية، أصبحتُ أكثر حذرًا في التعامل مع أي إعلان جديد يتعلق بالقضية.

وترى الأنصاري أن مستقبل الملف لا تحدده حملات التأييد أو الرفض على مواقع التواصل الاجتماعي بقدر ما تحسمه القوانين والمؤسسات المختصة، معتبرة أن معالجة أوضاع أصحاب الأرقام الإدارية يجب أن تتم ضمن إطار قانوني ودستوري واضح.

وتستعيد الأنصاري حادثة لا تزال عالقة في ذاكرتها، حين طُلب من شقيقتها أثناء استكمال إجراءات مدرسية تعبئة استمارة مخصصة للأجانب. وعندما راجعت الأسرة إدارة المدرسة للاستفسار، قيل لها إن منظومة التسجيل لا تتضمن سوى فئتين: “ليبي” و”أجنبي”، وإن المواطن الليبي يجب أن يكون مسجلًا برقم وطني. وتقول إن الحادثة تركت أثرًا نفسيًا على شقيقتها، خصوصًا بعد أن علم بعض زملائها بالأمر وتحولت الواقعة إلى مادة للتنمر داخل المدرسة.

وتضيف الأنصاري أن هذا الوضع أدى لضياع فرص تعليمية ومهنية كانت كفيلة بتغيير مسار حياتها، مشدّدة على أن “الأصعب هو أن تشعر أن وجودك نفسه محل نقاش”

ملف يمتد خارج حدود البلاد”

ذات التعقيدات واجهت “ص.ط” التي غادرت ليبيا، لكنها لم تتحرر من تبعات الملف الذي لا يزال يلاحق أقاربها، مؤكدة أن تحديد المستحق للتسوية يجب أن يكون مسؤولية المؤسسات القانونية، لا مادة للتحريض عبر المنصات التواصل الاجتماعي.

وتستعيد “ص.ط” جانبًا من تجربتها الشخصية مع الملف، مشيرة إلى أنه أثّر بشكل مباشر على مسارها التعليمي والمهني. فقد فقدت فرصًا للدراسة خارج البلاد والاستفادة من منح أكاديمية بسبب تعقيدات الوثائق والإجراءات القانونية، كما واجهت عراقيل في الحصول على فرص عمل بعد التخرج ، مما دفعها لمغادرة البلاد و البحث عن حلول أخرى .

“تأثير يتجاوز الفرد إلى الأسرة”

أما أحمد الشريف، وهو أحد أصحاب الأرقام الإدارية والمهتمين بمتابعة الملف، فيقول إن غياب الرقم الوطني لم يقتصر أثره على حرمان المتضررين من وثيقة رسمية، بل فرض قيودًا واسعة على حياتهم اليومية، تشمل استخراج جوازات السفر، وفتح الحسابات المصرفية، وإتمام المعاملات الإدارية والمالية. ويضيف أن هذه التعقيدات تمتد أيضًا إلى الحياة الأسرية، حيث تواجه بعض العائلات صعوبات في توثيق عقود الزواج واستكمال الإجراءات المتعلقة بالأبناء، ما يجعل تداعيات الملف تتجاوز جيل الآباء لتنعكس على الأبناء.

ويشير إلى أن آثار هذا الوضع تظهر بوضوح في مجاليْ التعليم والعمل، إذ يؤكد عدد من أصحاب الأرقام الإدارية أنهم فقدوا فرصًا دراسية أو مهنية بسبب القيود المرتبطة بوضعهم القانوني، بينما يجد آخرون صعوبة في الاستفادة من المنح والبعثات التعليمية أو فرص التوظيف التي تتطلب استكمال إجراءات الرقم الوطني.

ويضيف الشريف أنه مع إعلان لجنة الحوار المهيكل توصياتها بشأن تسوية أوضاع أصحاب السجلات المدنية المؤقتة، استقبل كثير من المتضررين الخطوة باعتبارها مؤشرًا على إمكانية تحريك ملف ظل مجمّدًا لسنوات طويلة. غير أن هذا التفاعل سرعان ما تزامن مع تصاعد جدل واسع على منصات التواصل الاجتماعي، بعد ربط بعض الخطابات بين تسوية الأوضاع وملف “التوطين.”

ويرى أن هذا الربط لم يقتصر أثره على مستوى النقاش العام، بل انعكس مباشرة على المتضررين أنفسهم، الذين وجدوا أنفسهم مرة أخرى في مواجهة خطاب يشكك في انتمائهم وحقهم في تسوية أوضاعهم. ويؤكد أن استمرار هذا المناخ لا يترتب عليه آثار قانونية وإدارية فحسب، بل يخلق أيضًا تبعات نفسية واجتماعية، تتمثل في الشعور بعدم الاستقرار والقلق من المستقبل وصعوبة التخطيط للحياة الأسرية والمهنية.

ويختتم الشريف بالتأكيد على أن جوهر القضية بالنسبة للمتضررين لا يتعلق بالسجالات السياسية أو المكاسب العامة، بل بإنهاء وضع قانوني مؤقت استمر لعقود، وتحويل الحقوق المنصوص عليها في قرارات وتشريعات سابقة إلى واقع ملموس ينعكس على حياة آلاف الأسر.

فخ “التوطين” والخلط المتعمد

بعد إعلان توصيات الحوار المهيكل، تصاعدت حملة “لا للتوطين” على منصات التواصل الاجتماعي، حيث انطلقت في سياق رفض استقبال المهاجرين غير النظاميين، لكنها ما لبثت أن اتسعت لتشمل أيضًا ملف الأرقام الإدارية، رغم اختلاف السياقين القانونيين بين الملفين. وقد رافق هذا التوسع استخدام شعارات مثل “ليبيا لليبيين” و”رفض التوطين”، ما عكس مخاوف ديمغرافية وسياسية أوسع تتعلق بالهوية والتركيبة السكانية.

هذا التحول في الخطاب أثار ردود فعل غاضبة، خصوصًا من مكونات اجتماعية مثل الطوارق، الذين اعتبروا أن الخلط بين ملف الهجرة غير النظامية وملف الأرقام الإدارية أسهم في تشويه طبيعة قضيتهم وإعادة إنتاج تصورات غير دقيقة حولها.

ويكشف تتبع الخطاب العام أن النقاش انتقل تدريجيًا من إطار إداري وقانوني محدود إلى جدل أوسع حول الهوية والانتماء. إذ برزت في النقاشات المتداولة مفردات من قبيل “الهوية الوطنية” و“الخطر الديمغرافي”، وهو ما يعكس مخاوف اجتماعية وسياسية متصاعدة أكثر من كونه نقاشًا قانونيًا محضًا.

ويرى مراقبون أن هذا التوسع في الخطاب ساهم في تعميق الاستقطاب داخل الفضاء العام، وأضعف في المقابل فرص التركيز على الحلول القانونية والإدارية الممكنة لمعالجة الملفات المطروحة.

“فجوة بين القانون والتطبيق”

ترى الناشطة الحقوقية خديجة عنديدي أن أصحاب الأرقام الإدارية يُعاملون في بعض الحالات كفئة “أقل حقوقًا” داخل المنظومة الإدارية، رغم أن الفارق بينهم وبين حاملي الرقم الوطني يظل في جوهره فارقًا إداريًا مرتبطًا بالإجراءات وليس بالانتماء.

وتشير إلى أن عددًا من المتضررين يواجهون صعوبات في الوصول إلى خدمات أساسية، بينها الخدمات الصحية والمعاملات الإدارية، حيث يُصنَّف بعضهم أحيانًا ضمن فئة الأجانب رغم أن خلفية الملف معروفة لدى الجهات الرسمية.

وفي ما يتعلق بالخطاب العام، تؤكد عنديدي أن جزءًا من الالتباس ناتج عن الخلط بين ملف الأرقام الإدارية وملفات الهجرة أو التجنيس، ما ساهم في إنتاج تصورات غير دقيقة حول طبيعة القضية، وأضعف النقاش القانوني لصالح قراءات سياسية واجتماعية متباينة.

وتعتبر أن مقترح لجنة الحوار المهيكل يمثل خطوة إيجابية نحو تسوية الملف، شرط أن يتم وفق معايير قانونية واضحة تضمن العدالة وعدم الإقصاء. وتشدد على ضرورة الفصل بين ملف الأرقام الإدارية وملف الهجرة غير النظامية أو “التوطين”، لأن دمج هذه الملفات يعقّد الحلول ويزيد من حدة الجدل.

وتختم بالتأكيد على أن المعالجة الفعالة للملف تتطلب تمكين المؤسسات القانونية من أداء دورها بعيدًا عن التوظيف السياسي، بما يضمن تسوية عادلة تحفظ حقوق الأفراد وتراعي استقرار الدولة.

محاولة تسوية مؤجلة

يرى محمد ماخي، عضو الحوار المهيكل، أن المقترح جاء لمعالجة ملف وطني وإنساني ظل عالقًا لسنوات طويلة، مشيرًا إلى أن إدراجه ضمن مسار الحوار المهيكل يندرج في إطار معالجة القضايا الخلافية المزمنة عبر آليات قانونية ومؤسسية بعيدًا عن التجاذبات السياسية.

ويوضح أن المقترح يقوم على إنشاء آلية لمراجعة وتسوية أوضاع أصحاب السجلات المدنية المؤقتة من خلال فحص الملفات والتحقق من المستندات والحقوق المكتسبة بصورة فردية، بحيث تقتصر التسوية على الحالات التي تستوفي الشروط القانونية، مع استبعاد أي ملفات لا تستند إلى أساس قانوني واضح.

ويؤكد ماخي أن المقترح يستند إلى معايير تشمل الالتزام بالقانون، والتحقق من البيانات والمستندات، واحترام الحقوق المكتسبة، وضمان الشفافية في دراسة كل حالة على حدة.

وحول الجدل الذي رافق التوصيات، يرى أن جزءًا منه ناتج عن خلط بين ملف السجلات المدنية المؤقتة وملفات أخرى، مثل “التوطين”، إضافة إلى انتشار معلومات غير دقيقة أسهمت في تشويه طبيعة المقترح وأهدافه. ويشدد على أن معالجة الملف لا تعني منح الجنسية بشكل جماعي، بل تسوية أوضاع قائمة وفق ضوابط قانونية وآليات تحقق محددة.

ويضيف أن تقييم أي مقترح يجب أن يستند إلى مدى توافقه مع القانون والمصلحة العامة، لا إلى حجم الجدل المثار حوله، مؤكدًا أن استمرار تعليق الملف يفاقم الأوضاع الإنسانية والإدارية لآلاف الأسر، في حين تمثل التسوية القانونية المنظمة خطوة نحو معالجة قضية طال انتظار حلها.

خلط الملفات يعمق الجدل

 يرى الناشط والمتابع لملف الأرقام الإدارية عبدالله مردقي أن الخطاب الرافض أو المشكك في أصحاب الأرقام الإدارية تصاعد خلال الفترة الأخيرة، بالتوازي مع اتساع النقاش حول الهجرة والتوطين والتركيبة السكانية، وهو ما انعكس في منصات التواصل الاجتماعي عبر خطاب يقوم على التعميم والاتهام الجماعي.

ويعتبر أن جزءًا من هذا الخطاب يستند إلى الانطباعات والشائعات أكثر من اعتماده على بيانات رسمية، الأمر الذي أسهم في تكوين صورة غير دقيقة عن فئة واسعة تختلف أوضاعها القانونية والاجتماعية. ويشير إلى أن بعض الطروحات حمّلت أصحاب الأرقام الإدارية مسؤوليات لا علاقة لهم بها، ما زاد من تعقيد فهم الملف وأضعف فرص الوصول إلى حلول عادلة.

ويوضح أن من أبرز الإشكالات الشائعة اختزال أصحاب الأرقام الإدارية في صورة “الأجانب” أو الوافدين الجدد، رغم أن الملف يضم حالات متعددة، بينها أسر عاشت في ليبيا لعقود طويلة وأفراد وُلدوا ونشأوا داخل البلاد، إضافة إلى حالات مرتبطة بإشكالات إدارية أو أخطاء في التسجيل.

ويؤكد أن الرقم الإداري لا يمكن اعتباره دليلًا على انعدام الارتباط القانوني أو الاجتماعي بالدولة، ولا يجوز استخدامه لتعميم أحكام جاهزة على جميع الحالات. كما يشير إلى استمرار الخلط بين ملف الأرقام الإدارية وملفات الهجرة غير النظامية أو “التوطين”، وهو ما يفاقم سوء الفهم حول القضية.

ويختتم بالتأكيد على أن أي معالجة جادة للملف يجب أن تستند إلى التدقيق والتحقق من الوثائق وفق القانون، بما يساهم في إنهاء حالة عدم اليقين وبناء معالجة مؤسسية بعيدة عن الاستقطاب الإعلامي والسياسي.

ملف مركّب يحتاج إلى تسويات فردية

يرى جعفر عثمان الأنصاري، عضو الحوار المهيكل في لجنة حقوق الإنسان والمصالحة الوطنية والمهتم بملف الأرقام الإدارية من الناحية القانونية، أن هذا الملف لا يمكن التعامل معه باعتباره كتلة قانونية واحدة، بل هو ملف مركّب يضم فئات متعددة تختلف أوضاعها القانونية والإدارية. ويشير إلى أن من بين هذه الفئات من صدرت بحقهم قرارات سابقة بمنح الجنسية ولم تُنفذ، ومنهم من يحملون إيصالات أو مستندات رسمية منذ سنوات طويلة، إضافة إلى حاملي السجلات المدنية المؤقتة، فضلًا عن حالات تعثرت إجراءاتها لأسباب متعددة، من بينها ما وصفه بالتمييز، مشيرًا إلى أن عددًا كبيرًا من أبناء الطوارق يدخلون ضمن هذه الحالات. وبناءً على ذلك، يؤكد أن أي معالجة للملف يجب أن تتم عبر تسوية فردية لكل حالة وفق ما يتوفر من أدلة ووثائق قانونية.

وفي قراءته لأسباب استمرار هذا الملف لعقود دون حل، يعزو الأنصاري ذلك إلى تراكم عوامل سياسية وإدارية، من بينها غياب سياسة وطنية مستقرة تنظم ملف المواطنة، وعدم تنفيذ قرارات رسمية صدرت قبل عام 2011 وبعده، إضافة إلى تغير الأولويات السياسية عبر مراحل مختلفة، وهو ما أدى إلى بقاء آلاف الأسر في حالة قانونية معلّقة لفترات طويلة.

وفي ما يتعلق بالمفاهيم المتداولة في النقاش العام، يوضح الأنصاري وجود خلط واضح بين تسوية الأوضاع والتجنيس والتوطين. فبحسب تعريفه، تعني تسوية الأوضاع تصحيح أو استكمال وضع قانوني قائم لكنه لم يُستكمل، بينما يرتبط التجنيس بمنح الجنسية وفق ضوابط القانون للأشخاص غير الحاملين لها، في حين أن التوطين يتعلق بملفات الهجرة أو إعادة التوطين من خارج الدولة، ولا يمت بصلة مباشرة إلى ملف السجلات المدنية المؤقتة.

ويرى الأنصاري أن توصيات لجنة الحوار المهيكل تمثل مدخلًا إيجابيًا لمعالجة الملف، كونها لم تتجه نحو منح جماعي للجنسية، بل دعت إلى تسريع إجراءات التسوية وفق معايير قانونية واضحة تضمن الشفافية وعدم التمييز، مؤكدًا أن نجاح أي مسار في هذا الاتجاه يظل مرهونًا بالإرادة السياسية وآليات التنفيذ والرقابة.

ويشدد على أن الاعتبارات المرتبطة بالسيادة والأمن الوطني مشروعة، لكنها لا ينبغي أن تُستخدم لتقييد الحقوق أو تعطيلها، موضحًا أن التسوية القانونية لا تعني منح الجنسية بشكل تلقائي، بل تستند إلى فحص فردي دقيق لكل حالة على حدة. وبناءً عليه، يرى أن الحديث عن أي أثر ديمغرافي محتمل لا يستقيم قانونيًا إذا ما تمت الإجراءات وفق معايير شفافة وخاضعة للرقابة المؤسسية.

وفي تقييمه لتأثير الجدل السياسي والإعلامي، يوضح الأنصاري أن تحويل الملف إلى مادة للاستقطاب يؤدي إلى تراجع النقاش القانوني لصالح المواقف السياسية، ما يضعف فرص المعالجة الموضوعية. ويدعو إلى التعامل مع الملف بوصفه قضية قانون وحقوق إنسان، بعيدًا عن خطاب التخويف أو التوظيف السياسي.

كما يشير إلى أن من أكثر التصورات المغلوطة شيوعًا اختزال أصحاب الأرقام الإدارية في فئة واحدة تسعى للحصول على الجنسية، في حين أن الواقع أكثر تنوعًا وتعقيدًا، ويشمل حالات قانونية قائمة وأخرى لم تُستكمل وإجراءات متعثرة لأسباب مختلفة.

نحو 12 ألف أسرة ما زالت في السجلات المؤقتة

وفي ما يتعلق بالبيانات المتاحة، يوضح الأنصاري أن آخر إحصاء رسمي يعود إلى عام 2014، ويقدر عدد الأسر بنحو 12 ألف أسرة، مشيرًا إلى أن الأرقام المتداولة حاليًا في الإعلام ومواقع التواصل تظل تقديرية وغير دقيقة، ما يجعل الحاجة ملحة إلى حصر شامل وتدقيق مؤسسي للملفات.

ويختتم بالتأكيد على أن الهدف من أي معالجة لهذا الملف لا يتمثل في منح امتيازات أو فتح مسارات خارج القانون، بل في تطبيق القانون القائم، وإنصاف أصحاب الحقوق، وإنهاء حالة امتدت لعقود، عبر آلية شفافة وعادلة تحفظ حقوق الأفراد وتصون في الوقت نفسه سيادة الدولة ومصالحها.

خاتمًا “ملف يتجاوز الإجراء إلى سؤال الدولة

ويرى نشطاء و مهتمون بالملف أنه وبعد عقود من التأجيل، لا تزال قضية الأرقام الإدارية مفتوحة على أسئلة قانونية واجتماعية وسياسية معقدة، في انتظار معالجة مؤسسية تحدد مصير آلاف الأسر وتضع حدًا لجدل يتجدد مع كل محاولة لإعادة فتحه.

Share This Article

منشورات ذات صلة

هويات معلقة  عاد ملف “الأرقام الإدارية” في ليبيا إلى واجهة الجدل العام بعد سنوات من الجمود، عقب توصيات…

بعـث يقع بيتنا قرب المدينة الرياضية، ويمكن لإنارة الملعب في الطقس الصحو أن تضرب داخل فنائنا. أعلم بوجود…

1 ماذا نعرف، كليبيّين، عن المعارضة منذ استقلال البلاد؟ من جهة، يعي المؤرّخون والسّاسة والأدباء نشاط المعارضة المبكّر…

كلّ من حكمت عليهم الأقدار أن يعيشوا الحياة كمأزق اقتصادي، محرومون تمامًا من مقاربتها كمأزق وجودي؛ سيعوزهم الوقت…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.