تعود أزمة امتحانات الشهادة الثانوية في ليبيا كل عام إلى الواجهة، مصحوبة بجدل حول صعوبة الأسئلة، ونسب النجاح، وآلية التصحيح، إلى جانب حملات ضغط اجتماعي عبر وسائل التواصل الاجتماعي تطالب برفع الدرجات أو “تسهيل النجاح”. ومع مرور الوقت، لم يعد النقاش يدور حول جودة التعليم أو مستواه الحقيقي، بقدر ما أصبح ينصب على كيفية تمرير أكبر عدد ممكن من الطلاب إلى الجامعة، وكأن النجاح غاية في حد ذاته لا نتيجة طبيعية للتعلّم، بينما بات الامتحان مجرد أداة لا تقيس المعرفة بالضرورة.
هذا التحول يكشف خللًا أعمق في فلسفة التعليم؛ إذ لم تعد الدولة تتعامل مع هذا القطاع باعتباره مشروعًا لبناء الإنسان، بل كملف إداري موسمي يُدار تحت ضغط اجتماعي وإعلامي. وهكذا، يتحول التعليم إلى أداة لامتصاص التوتر العام، بدلًا من أن يكون وسيلة لاختيار الكفاءات وصناعة المستقبل.
وتتجلى هذه الأزمة أيضًا في تحويل الامتحانات إلى قضية قابلة للتفاوض الشعبي. فمع تزايد المطالب بتخفيف المعايير أو رفع نسب النجاح، تتآكل قيمة الشهادة تدريجيًا، لأنها لم تعد تعكس مستوى حقيقيًا من التحصيل العلمي، بل أصبحت، في كثير من الأحيان، نتاج توازنات اجتماعية وضغوط ظرفية.
وفي السياق نفسه، تتعمق ثقافة اجتماعية تدفع الطلاب نحو مسارات بعينها، مثل الطب والهندسة، في مقابل تهميش الكليات التقنية والمهنية، رغم حاجة الاقتصاد إليها. ويؤدي هذا الخلل إلى فائض من الخريجين في تخصصات مشبعة، يقابله نقص واضح في المهارات الفنية التي يقوم عليها الإنتاج الفعلي.
أما الخطاب الرسمي حول التعليم، فيعتمد بصورة متزايدة على مفردات مثل الحوكمة، والرقمنة، والتدريب، والتطوير، والتعليم عن بُعد، لكنها تبقى شعارات إذا طُبقت على واقع مدرسي يفتقر إلى أبسط مقومات البنية التحتية. فلا معنى للحديث عن تعليم رقمي في بيئة لا تمتلك تجهيزات مستقرة، أو إدارة فعالة، أو مناهج محدثة.
ولا تنفصل هذه المشكلات عن طبيعة إدارة القطاع نفسه. فمركزية القرار تجعل السياسات التعليمية تُصاغ من منظور واحد لا يعكس تنوع الواقع الليبي. فاحتياجات مدن الجنوب، على سبيل المثال، تختلف عن احتياجات المدن الكبرى، لكن السياسات غالبًا ما تُبنى وفق نموذج موحد يتجاهل الفوارق الجغرافية والاجتماعية.
ومن التناقضات الواضحة أيضًا أن الوزارة تضع معايير صارمة لاختيار مديري المدارس ومراقبي التعليم، بينما تعمل داخل منظومة إدارية لا تعتمد دائمًا المستوى نفسه من الصرامة في اختيار القيادات العليا. ويضعف هذا التباين أي محاولة جادة للإصلاح، لأن التعليم لا ينفصل عن بنية الدولة وآليات إدارتها.
كما أن التغيير المتكرر للوزراء حوّل معظم الرؤى الإصلاحية إلى مشاريع قصيرة العمر، تُستبدل مع كل إدارة جديدة، من دون أن تتشكل استراتيجية تعليمية مستقرة وطويلة المدى.
ويرى الأستاذ سالم البرغوثي، الذي شغل منصب مدير مكتب المتابعة بين عامي 2013 و2017، ثم مدير إدارة التعليم الأساسي بين عامي 2017 و2021، وعمل بوزارة التعليم منذ عام 2007، أن أزمة التعليم في ليبيا ترتبط بغياب السياسات المستقرة وتراكم الإشكاليات عبر سنوات طويلة.
ويقول: “للأسف، لا توجد سياسات تعليمية مستقرة، وذلك لعدة عوامل، أولها تعاقب أكثر من 13 وزيرًا منذ عام 2011 وحتى اليوم. كما طالبنا لسنوات بإنشاء مجلس لتخطيط التعليم يتولى رسم السياسات العامة، ويكون مرجعًا لأي وزير يُكلَّف بالمنصب. كذلك أسهم عدم استقرار البلديات في تعقيد المشهد، فوزارة الحكم المحلي تعتمد، بين حين وآخر، بلديات جديدة، وهو ما يترتب عليه فصل مراقبات تعليم، الأمر الذي تسبب في إرباك استقرار العملية التعليمية. وهناك الكثير مما يمكن قوله في هذا الصدد، من بينها وجود وزارتين للتعليم العام بين الشرق والغرب، إلى جانب غياب التنسيق بين التعليم العام والتعليم التقني والتعليم العالي في التعامل مع مخرجات التعليم”.
ويضيف: “تراجع مستوى التعليم لا يعود إلى السنوات القريبة، بل بدأ منذ توقف إنشاء المدارس، تقريبًا منذ عام 1989، ثم إغلاق الثانويات التخصصية في عام 2011، وعدم سيطرة الوزارة على قطاع التعليم الخاص، فضلًا عن وجود أعداد كبيرة من أصحاب المؤهلات غير التربوية داخل القطاع، وهو ما أثقل كاهله، رغم أنه كان بالإمكان الاستفادة من تخصصاتهم في قطاعات أخرى”.
ويشير البرغوثي إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب النظرة التنموية للتعليم، قائلًا: “لا توجد تنمية حقيقية في قطاع التربية والتعليم، بل يُنظر إليه باعتباره ملفًا اجتماعيًا. ورغم وعي الناس بأهمية التعليم وحرص أولياء الأمور على متابعة أبنائهم، فإنهم يشكلون في الوقت نفسه ورقة ضغط على الوزارة، وخصوصًا على المركز الوطني للامتحانات، من خلال المطالبة بزيادة الدرجات ورفع نسب النجاح، أو اللجوء إلى المدارس الخاصة للحصول على درجات أعمال سنة أعلى”.
ويتابع: “ما قلته ليس إلا نقطة في بحر من المشكلات التي يرزح تحتها القطاع. فكل وزير يأتي بجيش من أقاربه وأصدقائه لتولي المناصب أو لتنفيذ سياساته المزاجية، من دون العودة إلى الخبرات التي جرى استبعادها بحجة عدم امتلاكها مؤهلات عليا”.
ويؤكد البرغوثي أن ملف الكوادر البشرية يمثل تحديًا كبيرًا خلال السنوات المقبلة، موضحًا: “هناك نقطة مهمة، وهي أن الكوادر التربوية الموجودة حاليًا لم تعد قادرة على مواكبة التطور الذي تشهده المناهج الحديثة، بسبب عامل السن، والأمراض المزمنة، والإحالة إلى التقاعد الإجباري، في وقت نواجه فيه أزمة حقيقية في الإحلال. فلا توجد مخرجات كافية من الجامعات في التخصصات الدراسية، خصوصًا المواد العلمية، وهو ما يضطر الوزارة إلى الاستعانة بخريجين غير تربويين لتدريس هذه المواد. وهذا يعني أننا سنواجه أزمة حقيقية خلال السنوات المقبلة، في ظل غياب معاهد إعداد المعلمين وضعف مخرجات الكليات”.
هذه الشهادة من داخل المؤسسة تثبت أن أزمة التعليم في ليبيا ليست مشكلة امتحانات أو عام دراسي واحد، بل هي نتيجة تراكمات سياسية وإدارية وبشرية طويلة الأمد. ولا يمكن معالجتها بحلول مؤقتة أو الاستجابة لضغوط تهدف فقط لتخفيف المعايير. فالوضع الحالي يحوّل الشهادة إلى مجرد ورقة لا قيمة لها، ويؤدي إلى تخريج أجيال لا تمتلك المعرفة اللازمة، وهذا ما سيدمر أي فرصة للتقدم، مهما كثرت الشعارات والخطط.