دروج Drooj

ثرثرة على ضفاف المحنة

الفوضى التي يعيشها الإنسان الليبي، في ظل غياب الدولة بكل تمظهراتها الدستورية والأمنية والخدمية والاقتصادية، حوّلت تفاصيل نضاله اليومي إلى ملحمة تراجيدية مكتملة العناصر، مكتظة بالمعجزات، وتهاوت بمستوى جودة الحياة في عاصمة البلاد، بل في البلاد كلها، إلى الدرك الأسفل.

الحصول على سيولة نقدية لشراء الخبز والبنزين وتغطية النفقات الأساسية يحتاج إلى معجزة.

تجديد جواز السفر أو استخراج آخر يحتاج إلى واسطة، أي إلى معجزة.

شراء الدولار لغرض السفر، سياحةً أو علاجًا أو حتى للادخار الآمن، يحتاج إلى حظ وافر يجمع بين قوة شبكة الإنترنت وانخفاض الضغط على تطبيق حجز الدولار في المصرف، وذلك أيضًا حظ يحتاج إلى معجزة.

تنويعات هذا البؤس لا تنتهي، ويمكن الاسترسال في ذكرها طويلًا، لكن لعل أشدها وطأة هذا الصيف الحار، منذ بدايته، مأساة انقطاع الكهرباء المتكرر في جل مناطق طرابلس وليبيا عامة، بسبب “طرح الأحمال” المرتبط بالاختلال الفادح بين كمية الطاقة المنتجة والكمية المطلوبة للاستهلاك.

الشركة العامة للكهرباء، وهي مؤسسة ليبية نشأت بموجب القانون رقم (17) لسنة 1984 لغرض إنتاج وتوزيع الطاقة الكهربائية، وتشغيل وصيانة محطات التوليد وشبكات النقل والتوزيع، تبرر كل هذا العبث الذي يتحمل الليبيون تبعاته بحجة أن الشبكة أصبحت متهالكة وتحتاج إلى الصيانة والتطوير، مع أن مئات الملايين تُستقطع سنويًا من موارد الدولة وتُخصص لهذا الغرض، دون أن يتحقق شيء يُذكر طوال السنوات الخمس عشرة الماضية.

ويعدد أحد الفنيين العاملين بالشركة أسباب ما يحدث، قائلًا أنها نتيجة:

“ارتفاع الطلب على استهلاك الكهرباء في فصل الصيف، والاستخدام المكثف لأجهزة التكييف.

انخفاض القدرة الإنتاجية نتيجة خروج بعض وحدات التوليد بسبب الأعطال أو أعمال الصيانة.

تهالك شبكة النقل والتوزيع، ما يؤدي إلى فقدان جزء من الطاقة وصعوبة إيصالها بكفاءة.

الاعتداءات والسرقات التي تتعرض لها مكونات الشبكة، مثل سرقة الأسلاك والمحولات.

صعوبة تنفيذ مشاريع جديدة بالسرعة المطلوبة لمواكبة النمو في الطلب على الكهرباء”.

ومع ذلك، عندما شرعت الشركة في تركيب عدادات الدفع المسبق لعدد من البيوت في مناطق متفرقة من البلاد، تفاءل كثيرون، معتقدين أن تحصيل الجباية قد يساعد في تحسين الخدمة المقدمة. لكن العكس هو ما حدث؛ إذ تكررت الحوادث الناجمة عن تذبذب التيار وتلف الأسلاك الجديدة ذات الجودة المنخفضة، بسبب رداءة المواد المستخدمة في الأسلاك والتمديدات التي نفذتها مجموعات من العمال الأفارقة داخل الأحياء السكنية، ما تسبب في اندلاع حرائق في أكثر من منزل ومحل تجاري.

يحكي مواطن من سكان محلة صلاح الدين، ببلدية أبوسليم، أنه بعد انتهاء الوجبة اليومية الثانية من طرح الأحمال، وبينما كان يجلس في أحد المقاهي القريبة، فوجئ باتصال من أحد جيرانه يخبره بأن الدخان الكثيف يتصاعد من الطابق الثاني لمنزله.

عندما عاد، وجد الشارع مكتظًا بالجيران، وأطفاله وزوجته ووالدته العجوز شبه المقعدة يتحركون بينهم كالتائهين، تعلو وجوههم علامات الصدمة والإرهاق. كان السبب ماسًا كهربائيًا أحدث شرارة تطورت إلى حريق طال أنحاء المنزل كافة، وكاد أن يودي بحياة الأسرة بأكملها، لولا ألطاف السماء وتدخل أهالي المنطقة، الذي سبق وصول سيارات الإطفاء الرابضة على بعد عشرات الأمتار، بعضها بلا مياه، وبعضها الآخر بلا عناصر بشرية تشغلها.

غير بعيد عن المكان نفسه، وبعد أيام قليلة من الحادثة المذكورة، اشتعل حريق آخر في الطابق الأرضي من منزل عائلة الجيلاني، مباشرة بعد عودة التيار الكهربائي الذي كان مقطوعًا لساعات طويلة، بقوة أعلى من المعدل الذي تتحمله الأجهزة المنزلية، ما تسبب في احتراق جهاز تكييف الهواء في الغرفة التي كانت العائلة تخزن فيها جالونات البنزين، لتتمدد ألسنة اللهب في كل اتجاه، وتنجو المساعدة المنزلية الأفريقية بأعجوبة، بفضل تدخل الجيران، هذه المرة أيضًا.

وسط الزحام الذي تشكل من جمهور المتفرجين والمتطوعين في جهود الإنقاذ، يمكن لمن يجيد الإنصات أن يسمع عبارات التبرم والسخط، تتداول الشكوى نفسها بصيغ مختلفة:

ثلاجتنا تعطلت.

شاشة جار أخي احترقت.

مكيف بيت خالتي تعطل.

كمبيوتر صديقي فسد.

لكن أسوأ ما يمكن أن تسمعه في سمفونية الشكوى المريرة، تلك القصة التي رواها شاب أسمر البشرة عن أخته من أمه، التي قضت نحبها في مدينة سبها اختناقًا بسبب دخان المولد الذي ملأ بيتها الصغير في إحدى ليالي الصيف الطويلة.

يتفق الجميع على أن السبب المباشر لكل هذه الخسائر البشرية والمادية هو تذبذب التيار الكهربائي عقب عودته بعد وجبات طرح الأحمال اليومية المعتادة، لكن أحدًا لا يؤكد أنه أقدم، أو سمع في نطاق معارفه، عن متضرر أو أحد من ذويه رفع قضية ضد المتهم الرئيسي.

هل ترتبط هذه السلبية بضعف الثقافة القانونية؟ أم أن ثمة عوامل أخرى؟

عبر الهاتف، سألت الأستاذ خليفة، المحامي المعروف، عن إمكانية رفع قضايا من قبل المستهلكين أمام القضاء الليبي ضد شركة الكهرباء.

على الطرف الآخر، سمعت قهقهة عالية، أردفها صاحبها بسؤال استنكاري:

تحساب روحك في سويسرا؟

ولما تمسكت بجدية السؤال، أجاب بنبرة شبه واثقة:

“من الناحية النظرية، يمكن لأي متضرر أن يفعل ذلك، لكن الجدوى غير مضمونة في ظل الترهل المؤسسي القائم. هناك في القانون ما يحمي حق المستهلك وفق صيغ العقود بين أي طرفين، لكن ضمن دائرة علاقاتي المهنية والاجتماعية، لم أسمع عن شخص ممن أعرفهم تقدم بدعوى قضائية. الناس غير ملمة بحقوقها الدستورية والقانونية، ولا تثق كثيرًا في جدوى عمل المؤسسات، لذلك تكتفي بالشكوى والثرثرة في المقاهي وعبر صفحات التواصل الاجتماعي”.

Share This Article

منشورات ذات صلة

الفوضى التي يعيشها الإنسان الليبي، في ظل غياب الدولة بكل تمظهراتها الدستورية والأمنية والخدمية والاقتصادية، حوّلت تفاصيل نضاله…

عندما أعلن مصرف ليبيا المركزي تعرضه لهجوم إلكتروني، انصرف اهتمام كثير من الليبيين مباشرة إلى السؤال الأكثر حساسية:…

لا أحد يعلم كيف حدث ما حدث، ولا ما هيّة طبيعته الغريبة. وهل كان مجرد طفرة فيزيائية على…

ما نعرفه حقًا عن سلامة ما نأكله في ظل شح المعلومات الرسمية المنشورة حول سلامة الإمدادات الغذائية في…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.