في كل مساء، وقبل أن يُغلق باب منزله، يتأكد الدكتور حسين بن غرسة من أمر واحد: أن كل من في الداخل يشعر بالأمان.
لم يكن هذا المنزل مشروعًا إنسانيًا في البداية، بل بيتًا عاديًا في بني وليد، المدينة التي مرّ عبرها كثيرون في رحلة تبدأ بالفقر أو الحرب، وتمرّ بالصحراء، لتنتهي أحيانًا في ليبيا، بين حلم الوصول إلى أوروبا وصعوبة الرجوع.
يقول حسين بن غرسة: “كنت أرى أشخاصًا يصلون إلى المستشفيات في حالة إنهاك شديد، بعضهم مصابون، وبعضهم يعيشون خوفًا حقيقيًا. وكان كثير منهم يُرفضون أو يُتركون لساعات بسبب عدم امتلاكهم أوراقًا رسمية. أصبح ملف الهجرة سياسيًا وأمنيًا، لكن من يقف أمامي في النهاية هو إنسان. وسألت نفسي: إذا انتظر الجميع الحلول الكبرى، فمن يساعد الشخص الذي يحتاج إلى النجدة اليوم؟”.
ومن هذا السؤال بدأت الفكرة. قرر حسين أن يحوّل جزءًا من منزله إلى مساحة إيواء مؤقتة للمهاجرين الأكثر هشاشة، من مصابين، ونساء منفصلات عن أسرهن، وأشخاص خرجوا من الاحتجاز أو من قبضة شبكات الاتجار بالبشر، وهم يحملون خوفًا أكبر من قدرتهم على الكلام.
يضيف بن غرسة: “البيت الآمن ليس مؤسسة، ولا محاولة لمواجهة أي جهة. هو مساحة إنسانية نحاول فيها توفير العلاج والطعام والحد الأدنى من الطمأنينة”.
ولا تبدو هذه المبادرة منفصلة عن واقع الهجرة في ليبيا. فوفقًا للمنظمة الدولية للهجرة، جرى تحديد نحو 940 ألف مهاجر في ليبيا حتى نهاية عام 2025، ينتمون إلى عشرات الجنسيات. بينما قدّم “البيت الآمن”، منذ يونيو 2025 وحتى يونيو 2026، الرعاية والمساعدة الإنسانية لأكثر من 4250 حالة، شملت الإيواء المؤقت، والرعاية الطبية، والدعم النفسي، إضافة إلى المساعدة في العودة الطوعية.

داخل هذا المنزل، تتقاطع حكايات جاءت من طرق بعيدة. لكل واحدة منها بداية مختلفة، لكنها تلتقي عند الحاجة إلى مكان يشعر فيه أصحابها بالأمان.
عيسى: عندما يصبح الرجوع إلى البيت هو الحلم
من بين القصص التي مرّت عبر “البيت الآمن”، تبرز قصة عيسى، الشاب النيجيري الذي وصل إلى ليبيا بعد رحلة طويلة عبر الصحراء. كان يظن أن أصعب ما في الطريق هو العطش، وطول المسافة، والخوف من الضياع، لكنه اكتشف لاحقًا أن الصحراء لم تكن نهاية الخطر، بل بدايته. فبعد أيام من وصوله إلى ليبيا، وجد نفسه داخل مركز احتجاز مكتظ. يتحدث عن عنف جسدي، وسوء معاملة، وليالٍ طويلة كان فيها الخوف أكثر حضورًا من النوم، قبل أن يُجبر على الاتصال بعائلته.
“أجبروني على الاتصال بعائلتي وطلب فدية قدرها 1500 دولار مقابل إطلاق سراحي. كنت أسمع صوت والدتي تبكي، بينما لم أكن قادرًا على فعل أي شيء”.
خرج عيسى من تلك التجربة منهكًا، كمن نجا بجسده فقط. وعندما وصل إلى “البيت الآمن”، كان أول ما وجده فحصًا طبيًا، ومكانًا هادئًا للنوم، ووجهًا لا يطلب منه شيئًا مقابل ذلك.
يقول حسين بن غرسة: “الضرر لا يكون ظاهرًا دائمًا. أحيانًا تكون الندوب النفسية أعمق من الإصابات الجسدية نفسها. وأهم ما يحتاجه الإنسان في تلك اللحظة هو أن يشعر بأنه في مكان آمن”.
على مدى أسابيع، بدأ عيسى يستعيد عافيته، حتى تغيّر معنى النجاة بالنسبة إليه. لم يعد يفكر في الطريق إلى أوروبا، بل في طريق العودة إلى البيت. قبل مغادرته، التفت إلى حسين قائلًا:
“جئت أبحث عن حلم بعيد.. لكنني اليوم أريد فقط أن أعود إلى أمي سالمًا”.
عيسى في أول يوم له داخل «البيت الآمن» يتلقى العلاج.

قصة عيسى ليست استثناءً، إذ تحمل كل غرفة داخل هذا المنزل حكاية مختلفة، تجمع بينها مشاعر الفقد والخوف والبحث عن فرصة جديدة للنجاة.
سارة: أربعة أشهر من الانتظار
سارة امرأة صومالية وصلت إلى ليبيا برفقة زوجها، قبل أن يفترقا خلال حملة ملاحقة للمهاجرين. في لحظة واحدة، وجدت نفسها وحيدة في بلد لا تعرفه، بلا وثائق، أو مال، أو إجابة عن السؤال الوحيد الذي كان يطاردها كل ليلة: أين زوجي؟
لم يكن أمامها سوى البحث عن أي عمل يوفر لها الطعام ومكانًا تنام فيه. قضت أسابيع بين المزارع والحدائق والأماكن المفتوحة، تنتقل من مكان إلى آخر، وتحاول النجاة يومًا بيوم، بينما ظل مصير زوجها مجهولًا.
لاحقًا، دلّتها مهاجرة إفريقية أخرى على “البيت الآمن” في بني وليد. وهناك بدأت رحلة مختلفة. لم تجد جوابًا فوريًا عن زوجها، لكنها وجدت سقفًا يحميها، وأشخاصًا يحاولون فهمها رغم عائق اللغة.
تقول: “كنت أنام كل ليلة دون أن أعرف أين هو، أو إن كان بخير”.
لم يكتفِ حسين بتوفير مكان آمن لها، بل وفّر لها أيضًا أدوات الخياطة والتطريز، وهي الحرفة التي كانت تمارسها في بلدها. راحت تقضي ساعات في تطريز قطع صغيرة، على أمل أن تتمكن من بيع بعضها، وكأنها تحاول أن تستعيد بيديها جزءًا من حياتها التي فقدتها. وبالتوازي، ساعدها في التواصل مع جهات إنسانية تعمل على لمّ شمل المهاجرين، إلى أن تمكّنت، بعد أربعة أشهر، من معرفة مكان زوجها.
تقول مستعيدةً تلك اللحظة: “شعرت أنني عدت إلى الحياة من جديد. كان شعورًا غريبًا.. لم أكن أصدق أن زوجي ما زال على قيد الحياة”.
وتضيف: “الفرق هنا، في “البيت الآمن”، ليس الطعام أو السرير فقط، بل إن هناك من يستمع إليك ويعاملك كإنسان”.
مقاربة إنسانية وسط ملف معقد
يرى الناشط الحقوقي أحمد الجابري أن المبادرات الفردية، رغم أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلًا عن سياسات واضحة للتعامل مع ملف الهجرة. فالمبادرات تكشف حجم الفراغ الإنساني الذي يتركه غياب الحماية المنظمة، لكنها لا تستطيع، وحدها، تحمل عبء أزمة بهذا الاتساع.
ويضيف الجابري: “ليبيا تتحمل جزءًا من مسؤولية هذا الملف باعتبارها دولة عبور، لكنها تواجه أيضًا تحديات أمنية واقتصادية كبيرة. والمطلوب هو مقاربة متوازنة تحمي السيادة، وفي الوقت نفسه تحفظ كرامة المهاجرين”.
ويتابع: “ليس كل المهاجرين تهديدًا أمنيًا. كثير منهم ضحايا للاتجار بالبشر، أو فارون من نزاعات وفقر شديد، ولهذا تحتاج الفئات الأكثر هشاشة إلى آليات حماية حقيقية”.
ويرى الجابري أن تحسين ظروف الاحتجاز، وتعزيز الرقابة المستقلة، وتسهيل العودة الطوعية الآمنة، كلها تمثل خطوات ضرورية للحد من الانتهاكات، وإعادة التعامل مع ملف الهجرة باعتباره قضية إنسانية، إلى جانب أبعاده الأمنية والسياسية.
وتأتي هذه المبادرة في وقت يشهد فيه ملف الهجرة في ليبيا تصعيدًا ملحوظًا. فمنذ مطلع يونيو 2026، شهدت العاصمة طرابلس ومدن أخرى احتجاجات رافضة لوجود المهاجرين، ترافقت مع حملات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، واعتداءات طالت مهاجرين وأماكن إقامتهم وعملهم.
كما رفع المحتجون شعارات ترفض ما وصفوه بـ”توطين المهاجرين” في ليبيا، وامتدت الاحتجاجات إلى مقار منظمات أممية، إذ أُغلقت مداخل مقر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، قبل أن يغلق محتجون، في 16 يونيو، مداخل مكتب المنظمة الدولية للهجرة في طرابلس بسواتر ترابية، مطالبين بوقف أنشطتها.
وفي المقابل، حذرت الأمم المتحدة من تصاعد خطاب الكراهية، والمعلومات المضللة، والتحريض على العنف ضد المهاجرين والعاملين في المجال الإنساني.
وفي خضم هذا المناخ المشحون، يواصل حسين بن غرسة فتح باب منزله أمام أشخاص أنهكتهم الرحلة، وينظر إليهم أولًا باعتبارهم بشرًا يحتاجون إلى الأمان.
بيت يتسع للناجين
داخل “البيت الآمن”، تبدو الفوارق أقل صخبًا مما هي عليه خارج الجدران.
داخل “البيت الآمن”، تبدو الفوارق أقل صخباً مما هي عليه خارج الجدران.

ففي إحدى الغرف، كان عبد الرحمن، المهاجر السوداني المسلم، يساعد عيسى، الشاب النيجيري المسيحي، على تغيير الضمادات، ويسانده في المشي، ويحاول أحيانًا أن يترجم له ما يعجز عن قوله. وفي أوقات الطعام، كانا يتشاركان الوجبة نفسها، دون أن تكون اختلافات الدين أو الجنسية حاجزًا أمام هذا التواصل الإنساني البسيط.
لا تجمعهم اللغة أو البلد، لكنهم يلتقون في الحاجة ذاتها، إلى مكان لا يُسأل فيه الإنسان أولًا عن أوراقه، بل عن حاجته إلى الأمان.
ويختتم حسين بن غرسة حديثه قائلًا: “أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى أكثر من مكان يشعر فيه بأنه لن يُهان أو يُطارَد. نحن لا نقدم حلولًا كبيرة، ولا ندّعي أننا نغيّر واقع الهجرة، لكننا نحاول أن نمنح الشخص لحظة يستعيد فيها نفسه”.
عندما غادر عيسى هذا المنزل، لم يحمل معه أكثر مما جاء به، لكنه حمل يقينًا واحدًا: أن العودة إلى والدته هي النجاة التي يبحث عنها.
أما حسين، ففي ذلك المساء، عاد إلى عادته اليومية. مرّ على الغرف واحدة تلو الأخرى، واطمأن إلى أن من بقي فيها يشعر بالأمان، قبل أن يغلق باب منزله.
وفي ليبيا، حيث يُختزل ملف الهجرة غالبًا في لغة الأمن والسياسة والأرقام، يقدم هذا المنزل الصغير رواية مختلفة، لا تتحدث عن الحدود بقدر ما تتحدث عن البشر الذين علقوا بينها.
وقد لا يغيّر “البيت الآمن” واقع الهجرة المعقد، لكنه يذكّر بأن أبسط الأفعال الإنسانية قد تترك أثرًا لا تصنعه السياسات وحدها، وأن بابًا ظل مفتوحًا في وجه الغرباء كان كافيًا ليمنح بعضهم فرصة جديدة للنجاة.