أنا بنتُ جبل، أزعم أني أفهم لغة حجارته ووديانه وعشبه البري، أعيش على ضفة أحد وديانه وأعرف ماذا يعني الشتاء لسكان الجبال وماذا يعني المطر لفلاحين ورعاة تتنفس حقولهم برئتيّ انهماره.
في قريتي نحب المطر ونحتفي بخيوطه الشفافة المتدلية من السماء، وفيها أيضا نخشى السيل الذي يجسد عنف الماء وهو يتلذذ بالجَرف والتدمير، فالماء حياة، لكنه عندما يغضب يقطع شرايين الحياة في أجساد ضحاياه ويسيل مبتعدًا بأرواحهم عن هذا العالم.
إن أهل (المسفاة) يفرحون “بالخصب الذي يعني لهم أفلاجًا تنضح بماء وفير وحقول خضراء ممتدة فيها شتى أنواع الزرع، وبصيف أقل حرارة ومياه عذبة يشربون منها، ومراعٍ خضراء لأغنامهم تمتد حتى تخوم الجبال البعيدة”، نحن في قريتنا نشبههم، فالمطر يعني لنا كل ما سبق حتى إننا نضع الماء قرب أطفالنا وهم نائمون ليحميهم، ونسكبه خلف من يسافر من أحبتنا ليكون أمانًا لهم أينما ذهبوا ومهما ابتعدوا.
في قريتنا في غريان كان جدي يشبه القافر، إنه أميٌّ لا يعرف القراءة والكتابة التي نعرفها نحن، لكنه يعرف لغة أخرى لا نعرف نحن شيئا عنها، لغة الماء والكلام مع الماء وسماع خريره البعيد تحت سابع أرض، كان سكان القرى المجاورة يستعينون به ليخبرهم عن مكان الماء وأين يرسم جداوله الخفية، يقدم لهم خريطة حسية ويرتب لهم لقاء حافلًا مع إكسير الحياة، ولا زالت الآبار التي أشار إلى مكانها يومًا بعصاه تسقي كل الكائنات هناك من الإنسان إلى أشجار الزيتون التي تملأ المكان.
في “تغريبة القافر” رواية زهران القاسمي الفائزة بالبوكر سنة 2023، لم يكن الماء مجرد ماء، لم يكن محض عنصر يشترك مع النار والهواء والتراب في تشكيل هذا الكون، إن رمزيته فيها تحلق في مديات بعيدة منها الملموس والمحسوس والعجائبي أيضا. وفي كتابه “الماء والأحلام” يعود غاستون باشلار إلى النماذج البدئية الرمزية ليبين أن الماء مغذٍّ ومطفئ للظمأ لذا يشدد على طابعه الأمومي الأنثوي، كما يعالج خصائص الماء الأخرى الماء وسيلة تَطهُّر، والماء يهمس ويتكلم، حتى إن ثمة “أخلاق الماء”.
وفي الكتاب نفسه يقول باشلار: “في الحدائق المعلقة يسمع ستيفان جورج موجة تهمس: غُص فيَّ لكي تستطيع أن تنبثق مني”.
هذا ما كان يحدث للغريقة “مريم بنت حمد ود غانم” التي أدركت بعد أن جربت كل صنوف الدواء أن الماء وحده القادر على إطفاء جذوة الصداع التي تشعل رأسها ألما وهمّا، فالماء شفاء في نظرها بعد أن همس لها مرارًا وأقنعها بذلك قولا وفعلا: “في الأيام الأخيرة اختلف الحلم، صار هناك صوت يناديها من بئر عميقة لا قرار لها، فترى نفسها تهبط بالحبل حتى قعر البئر وعندما تدخل رأسها في الماء تشفى من الصداع”.
الماء يهمس ويتكلم، وبئر (الخطم) كان ينادي مريم بنت حمد: “تعالي.. تعالي”.
ولم يتوقف عن نداءاته حتى أطفأ وهج الحياة في عينيها الشاخصتين في المجهول قبل أن يسدل عليهما “الوعري” ستائر الجفون ويسلمهما لسكون الظلام والموت، فكما هي مريم لا تنتمي بالمطلق لنساء هذا العالم كذلك الوعري، فكلاهما تحيط به هالة من الخوارق غير المألوفة بين أهل القرية والقرى المجاورة، لهذا ربما كان وحده القادر على إنجاز مهمة إخراجها من البئر، وبالتالي بث الحياة في جسد ابنها الذي خرج بطعنة سكين في بطن أمه الميتة.
في “تغريبة القافر” تناثرت مفردات وعبارات دعمت بخصوصيتها المحلية الحس العجائبي والأسطوري الذي يتصاعد زخمه في بعض السطور ويخبو في بعضها الآخر، وحسب تعريف تزيفيتان تودوروف للأدب العجائبي فإن هذه الرواية كانت مسرحًا عظيما للأسرار الخفية التي تسربت إلى تفاصيل الحياة الواقعية لأبطالها، فسالم القافر لم يكن طفلًا عاديًا في صغره؛ إذ إن الطريقة التي جاء بها إلى الدنيا وأبصر نورها قرب البئر التي قضت فيها أمه جعلته يعيش في هالة من غموض، قابلها أهل القرية بالتوجس ونساؤها بالبسملة والحوقلة ولعن الشيطان كلما رأوه رغم الود الظاهر من بعضهن.
لتكبر هذه الهواجس وتصبح غولًا مخيفًا يتربص بالطفل الذي شبّ على صوت خرير الماء في الأرض وجريانه في باطنها البعيد، فأن تعرف مخازن الماء في الأرض وتخبر الناس أين يحفرون أفلاجهم وآبارهم هذا شائع في القرى – جدي كان يفعل ذلك باستخدام غصن زيتونٍ لم يخذله يومًا- لكن أن تجيد لغة الماء فتفهمها وتطرب لها فهذا ما جعل من القافر شخصية تتأرجح بين الواقعي والخارق والأساطير الشعبية التي تزدهر في القرى.
إذ كيف نشأت هذه الألفة بينه وبين الماء، وهو الذي ابتلع أمه بعد أن أغواها بالشفاء، وسيكون قاتل أبيه وهو يسعى في الطريق إليه باحثا عن مساربه العميقة؟
“كاذية” أيضا العمة الطيبة التي تغدق حنانها على مريم والتي عشقها الوعري بعد أن اختبر طيبتها، تتحول في بعض السطور إلى امرأة جريئة، تستطيع أن تعارض بعض رجال القرية وتشق بطن الغريقة لتخرج سالم جسدًا صغيرًا حيًا من جثة هامدة أعياها المرض فأخذها الماء بعيدًا، تصبح قاسية للحد الذي جعل الناس ينفرون منها ويتهمونها بانتماء خفي للعالم السفلي ما يجعلها قادرة على صرع حيوان وقتله بنظرة من عينيها.
الغريقة مريم أيضًا شخصية تقترب منها الفنتازيا في بعض صفاتها، فهي السيدة التي تفوقت على نساء القرية في كل ما قد تبرع فيه امرأة من شؤون البيت والحياة، لكن ضربًا من سرّ خفي أصابها، فجعلها المريضة التي تُعجِز الأطباء فتهيم على وجهها تصارع الألم الذي التصق بها ولم يبرح جسدها ورأسها إلا بعد أن لفظت أنفاسها الأخيرة بين حلكة الظلام وبرودة الماء.
“الوعري” أيضا لم يكن رجلًا عاديًا، لا في نشأته التي جعلت الناس تسميه ولد الجن وتنسبه للعالم السفلي بكل بساطة، ولا حتى في عزلته الاختيارية التي عاشها فيما بعد وهو ينأى بنفسه عن الناس وحياتهم التي لم تعد تعنيه، الوعري بهيئته البدائية ومشاعره المحبوسة وشجاعته النادرة وغموض الحياة التي عاشها ويعيشها وما حدث لأمه ولأبيه في طفولته، كل هذا ويظل في شخصيته جانب يلفه التوجس والتردد في رسم ملامح هذا الرجل وشخصيته تماما كما جاءت في الرواية.
الماء ليس فقط حلم الفلاحين والرعاة بالخصب والعطشى بالارتواء والغرقى بالخلاص، الماء هنا ساحة الحرب التي تحسم فيها كل المعارك، هو العذوبة والجريان والحب الذي جعل إبراهيم بن مهدي يقول لزوجته آسيا بنت محمد مختصرًا كل قصائد العشق: “كل حد يسقيه الله فهالدنيا من روح إنسان ثاني، كل حد عطشان الين يلقى لماه، أنتِ عطشي وأنت لماي”. أي أنتِ مائي، وما الذي يشبه الماء؟
خاصة الماء الأرضي الذي لا يشبه غيره وهو المولود من رحم أرض لقّحتها السماء بماء الحياة فاهتزت وربت، هذا الماء الذي تبتلعه الأرض ليسكن داخلها زمنًا قد يطول وقد يقصر، قبل أن يتفجر على سطحها عيونًا وينابيع ووديان جارية تحمل أذرع القدر الخفية، فتقرر بإرادتها أن تمنح الموت أو الحياة لمن تشاء، يقول جيلبير دوران في كتابه الإنثروبولوجيا: “المياه الجارية تمثل دعوة لرحلة دون عودة، ذلك أن الينابيع لا تعود مطلقًا إلى منابعها، فالمياه الجارية هي صورة القدر”.
وقد كان القدر في تغريبة القافر بيد الماء وحده، هو يحيي ويميت، فالبئر التي ابتلعت الغريقة كانت حياة لأهل المسفاة قبل ذلك، والفلج الذي دفن تحت ردمه عبدالله بن جميّل سيحيي فيما بعد عشرات الأرواح لبلد بأسرها.
في الرواية تكررت كثيرا مفردات مثل “الفلج” وهو مصدر الماء وينبوعه، والمحْل الذي “يمارس قسوته على كل الكائنات”، فيبث فيها رعب الموت جوعًا وعطشًا أو مرضا.
وفي الرواية أيضا يعيش أبطال فنتازيون التصق الماء بهم ومنحهم شيئًا من هيبته، مثل الغريقة التي أخذها الماء إلى أعماقه وخلصها من المرض ومن الحياة برمتها، ومثل عمتها “كاذية بنت غانم” التي أنجبت سالم بن جميّل من رحم ميت وأنقذته من أن يتشارك القبر وأمه مريم بنت حمد، وعاشق كاذية “الوعري” سلام ود عامور الذي روى ذات محْلٍ عطش القرية كلها رغم ظمئه الأزلي لوصال معشوقته كاذية وقبلها أمه التي رحلت بشوقها إليه وشوقه إليها، بعد أن أقنعت نفسها أن سلام ابنها غادر للأبد إلى العالم السفلي، وهذا الذي يعيش معها ولد جن تركوه بديلًا عن ابنها سلام لكن الحياة بعد رحيلها صقلته ومزقته مرارا بمخالبها حتى صار “الوعري”.
أما القافر “سالم عبدالله بن جميّل”، فقد كان هائمًا في لزوجة السائل الذي سار على هديه منذ طفولته، فكانت همسات الماء تطرق سمعه لتبوح له بمكامنها السرية فيقودها من بطن الأرض إلى سطحها المتعطش لجريانه، فقط عندما داهمه حب “نصرا بنت رمضان” استحوذ على سمعه وبصره ولم يترك للماء سبيلًا إليهما. بعيدًا عن ذلك، ظل القافر تائهًا في عالمه المتلاطم مثل مياه سيل عظيم تحمله على متنها، ليتنفس حينًا وتكتم أنفاسه داخلها حينا آخر:
“حمله الماء إلى الداخل، وكان الفلج يحاول لفظه والتخلص منه مثل أي عنصر دخيل، وهو يقاوم ذلك كله محاولًا القبض على أي شيء يعيد إليه توازنه، ويوقف تلك القوة الهائلة، ولكن اندفاع الماء المتدفق كان يقتلعه من أي مكان يحاول التشبث به”.
القافر ولد من رحم الماء أكثر من مرة واختفى في سيوله المتلاطمة أكثر من مرة، وحتى السطور الأخيرة في هذه الرواية ظل مصيره مجهولا بالنسبة للقارئ: “تداعت الصخرة أمامه، وانفتح الخاتم على النفق الطويل، فانطلق الماء بقوة وجرف معه كل شيء”. فهل خرج سالم سالمًا في هذا الانجراف أو لا؟ لا إجابة مؤكدة، وهذا منصف بالنسبة لي، فللماء معجزاته التي لن تتوقف أمام حياة رجل قد يكون خلق من قطراته الشفافة دون أن يخالطها شيء من العناصر الأخرى للمادة، يقول دافيد لوبروتون عن الجسد في كتابه انثروبولوجيا الجسد والحداثة: “إنه حبة الكون، وجوهره خليط من العناصر الأربعة التي يتكون منها، كل شيء موجود الماء والأرض والهواء والنار، إن الجسد والكون يمتزجان بشكل لا يمكن تمييزه، ويتكونان من نفس المواد ومن نسب الكِبَر المختلفة”.
أما أنا فلا أرى أثرًا لأي عنصر آخر في تكوين جسد القافر سالم، سوى الماء.
لطالما كانت سطوة الماء عظيمة، في قطراته تزهر الحياة وفي أمواجه يكمن غول الموت لضحاياه، فهذه التغريبة من صنعه وبرعايته، في بئر يشفي من الصداع ويزهق الروح، وفي فلج قد يبتلع أجسادًا أسهمت في صنعه ليمنح الخصب لأجساد أخرى كثيرة يرويها ماؤه ويبث فيها الحياة، وكما يقول باشلار: “الانتصار في الماء أندر وأخطر وخليقٌ بالتقدير أكثر من الانتصار في عراك الريح”.