دروج Drooj

هوية غات على حافة النسيان: فنان يوثق ذاكرة الصحراء قبل أن تضيع تفاصيلها

حوار عزيزة حسين مع عبد العزيز الحسناوي

في أقصى الجنوب الليبي، تختزن مدينة غات ذاكرة قرون من حركة القوافل والتبادل الثقافي بين شمال أفريقيا وبلاد السودان. وتتجلى ملامح هويتها في العمارة التقليدية والأزياء والحلي والعادات والحرف وأنماط الحياة. وتواجه هذه الذاكرة الثقافية اليوم تحديات تفرضها التحولات الاجتماعية والثقافية المتسارعة، ما يزيد الحاجة إلى توثيق هذا التراث وحمايته ضمن مشروع وطني يحفظ التنوع الثقافي في ليبيا.

ومن بين المهتمين بهذا المجال الفنان التشكيلي والمصمم والباحث في التراث عبد العزيز محمد الحسناوي، الذي جمع بين الفن والتصوير في توثيق تفاصيل المكان والإنسان. ومن خلال أعماله ومشاريعه، جمع صورًا ومعلومات عن الأزياء التقليدية والحلي والعادات والعمارة وأنماط العيش في غات ومحيطها، انطلاقًا من رؤيته إلى التراث باعتباره جزءًا حيًا من الهوية يحتاج إلى الحفظ والتوثيق.

يرى الحسناوي أن أهمية غات تتجاوز موقعها الصحراوي، إذ شكّلت محطة تاريخية على طرق القوافل العابرة للصحراء، وأسهمت حركة البضائع والثقافات والعادات والفنون عبرها في تشكيل هوية المنطقة. ويؤكد أن هذا التنوع الثقافي يحتاج اليوم إلى مزيد من الاهتمام، خاصة أن جزءًا من الموروث ما يزال محفوظًا في ذاكرة كبار السن وداخل البيوت والعائلات، الأمر الذي يفرض توثيقه بطريقة علمية ومنظمة تحفظه من الضياع.

في هذا الحوار، يتحدث عبد العزيز الحسناوي عن علاقته بتراث غات، ودور الفن في حفظ الذاكرة، والتحديات التي تواجه الموروث الثقافي الليبي. كما يعرض رؤيته لمشروع وطني شامل يعمل على حصر التراث وتوثيقه وإدماجه في المناهج التعليمية، باعتباره أحد مكونات الهوية الوطنية.

كيف أثرت نشأتك في مدينة غات، بما تحمله من تاريخ وتراث، في تشكيل رؤيتك الفنية والإنسانية؟

نشأت في بيئة غنية بالتنوع الثقافي، فقد كانت مدينة غات عبر التاريخ إحدى أهم محطات القوافل التجارية العابرة للصحراء، التي ربطت شمال أفريقيا ببلاد السودان، ومنها مالي والنيجر، وامتدت عبرها الصلات التجارية والثقافية حتى نيجيريا. هذه القوافل لم تكن تنقل البضائع فقط، بل كانت تحمل معها الثقافات والعادات والفنون، وهذا ما جعل المنطقة تمتلك موروثًا غنيًا ومتنوعًا.

هذا المحيط أثر في شخصيتي منذ الطفولة، فقد كنت محاطًا بالألوان الصحراوية، والعمارة التقليدية، والأزياء، والحرف اليدوية، والفنون الشعبية. كل هذه التفاصيل أصبحت جزءًا من تجربتي الفنية، قبل أن تتحول لاحقًا إلى اهتمام أوسع بجمع التراث وتوثيقه.

انتقلت من الفن التشكيلي إلى التصوير الفوتوغرافي ثم إلى البحث في التراث، كيف تصف العلاقة بين هذه المجالات؟

أرى أن الفن التشكيلي والتصوير الفوتوغرافي يلتقيان في الهدف، فكلاهما يحاول التعبير عن الجمال ونقل رسالة للمتلقي. الفنان التشكيلي يستخدم الريشة والألوان ليقدم رؤيته لما يراه، بينما المصور يوثق اللحظة ويحفظها كما هي، لتصبح الصورة وثيقة تحمل قيمة ثقافية وإنسانية.

ومع مرور الوقت، أصبح اهتمامي يتجاوز التعبير الفني إلى التوثيق، لأنني أدركت أن كثيرًا من التفاصيل التي نراها اليوم قد لا تبقى للأجيال القادمة إذا لم نوثقها.

عندما تتحدث عن خطر اندثار التراث، ما أبرز العناصر التي ترى أنها مهددة اليوم؟

الخطر لا يقتصر على عنصر واحد، بل يشمل منظومة كاملة من تفاصيل الحياة التقليدية، مثل بعض الأزياء والحلي والحرف وأنماط العيش والعادات المرتبطة بالمجتمع المحلي. بعض هذه التفاصيل ما زالت موجودة، لكنها تحتاج إلى توثيق ودعم حتى لا تختفي مع تغير أنماط الحياة. فالتراث لا يقتصر على المباني القديمة أو القطع الأثرية، بل يشمل ذاكرة الناس وطريقة حياتهم وقيمهم وعلاقتهم بالمكان.

هل تعتقد أن جهود الأفراد قادرة وحدها على حماية هذا الموروث، أم أننا بحاجة إلى مشروع وطني شامل؟

الجهود الفردية مهمة لأنها تحافظ على أجزاء من الذاكرة وتلفت الانتباه إلى أهمية التراث، لكنها لا تكفي وحدها. التراث الليبي واسع ومتنوع، ولا يمكن أن يعتمد على مبادرات فردية فقط.

نحن بحاجة إلى مشروع وطني شامل تشارك فيه المؤسسات الثقافية والجامعات والباحثون والمجتمع المحلي، مشروع يقوم على جمع التراث وتوثيقه وإنشاء أرشيف يحفظ هذه الذاكرة للأجيال القادمة.

ما الذي يجب أن يتضمنه هذا المشروع الوطني لحماية التراث الليبي؟

الخطوة الأولى هي إجراء حصر شامل لكل عناصر التراث الليبي، المادي منه وغير المادي، وجمع الصور القديمة والروايات الشفوية والمعلومات المتعلقة بالعادات والحرف والأزياء والعمارة. كما نحتاج إلى مراكز بحثية متخصصة تضم خبراء في التاريخ والثقافة والفنون، لأن حماية التراث تحتاج إلى عمل علمي مستمر، وليس فقط إلى جهود موسمية مرتبطة بالمناسبات والمهرجانات.

هناك مناطق كثيرة في ليبيا تمتلك موروثًا غنيًا، مثل غات وغدامس وجرمة ومرزق وجالو، لكن كثيرًا من تفاصيلها غير موثق. أين تكمن المشكلة؟

المشكلة تكمن في غياب العمل المنظم طويل المدى. لدينا ثروة ثقافية كبيرة، لكن جزءًا منها ما يزال محفوظًا في ذاكرة الأشخاص، خاصة كبار السن، وإذا لم يتم جمع هذه الروايات وتوثيقها فقد نفقد جانبًا مهمًا من تاريخنا.
التراث يحتاج إلى مؤسسة تحميه، لأن الأشخاص يرحلون، أما الوثائق والأرشيف فتبقى.

كيف يمكن تحويل التراث من ملف ثقافي محدود إلى مشروع وطني يشارك فيه التعليم والسياحة والإعلام؟

يجب أن ننظر إلى التراث باعتباره عنصرًا من عناصر التنمية. فهو يمكن أن يدعم السياحة الثقافية، ويحافظ على الصناعات التقليدية، ويوفر فرصًا اقتصادية للمجتمعات المحلية. كما أن التعليم له دور أساسي، فتعريف الأطفال بتاريخ مناطقهم وتراثها يجعلهم أكثر ارتباطًا به وأكثر قدرة على حمايته. إدراج التراث في المناهج الدراسية خطوة مهمة لبناء علاقة جديدة بين الأجيال وذاكرتها الثقافية.

كنت من مؤسسي مهرجان غات السياحي الدولي، كيف تنظر إلى دور المهرجانات التراثية في حماية الموروث؟

المهرجانات لها دور مهم في إعادة تقديم التراث وتعريف الناس به، فهي تخلق مساحة للتواصل بين الأجيال وتسلط الضوء على الفنون والعادات والصناعات التقليدية. لكن دورها يجب ألا يقتصر على الاحتفال، بل ينبغي أن تكون جزءًا من مشروع أكبر للتوثيق والدراسة والحفاظ على الموروث.

ما الرسالة التي تريد إيصالها لصناع القرار حول حماية التراث الليبي؟

رسالتي هي أن التراث ليس ملفًا ثانويًا، بل جزء أساسي من الهوية الوطنية. عندما نفقد عنصرًا من عناصر التراث فإننا نفقد جزءًا من ذاكرتنا الجماعية. نحتاج اليوم إلى مشروع وطني ينظر إلى التراث باعتباره ثروة ثقافية يجب حمايتها، لأن هوية أي مجتمع لا تقوم فقط على الجغرافيا والتاريخ السياسي، بل تقوم أيضًا على ذاكرته وقيمه وتقاليده.

في الختام، ما الذي تأمل أن يبقى من جهودك في توثيق تراث غات؟

أتمنى أن تكون هذه الجهود جزءًا من مسار أكبر يحافظ على ذاكرة المكان، وأن تصل هذه الصور والوثائق إلى الأجيال القادمة لتعرف تاريخها وتعتز به. التراث أمانة، والحفاظ عليه ليس مسؤولية فرد واحد، بل مسؤولية مجتمع كامل، لأن ما نحميه اليوم هو جزء من هوية الغد.

Share This Article

منشورات ذات صلة

حوار عزيزة حسين مع عبد العزيز الحسناوي في أقصى الجنوب الليبي، تختزن مدينة غات ذاكرة قرون من حركة…

أنا بنتُ جبل، أزعم أني أفهم لغة حجارته ووديانه وعشبه البري، أعيش على ضفة أحد وديانه وأعرف ماذا…

لا شك أن الفن الشعبي في برقة يُعد جزءًا من الذاكرة الثقافية للمجتمع، فقد نشأ مع تطور الإنسان…

لو وقف أحد اليوم في قلب حوض سرت، فلن يرى أكثر من رمال تمتد حتى الأفق وهضاب صخرية…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.