دروج Drooj

بين ليبيا التي غادروها وتلك التي بقيت في ذاكرتهم: عن علاقة المهاجر بليبيا


أجرتْه: ميسون السنوسي حبيب

يعيش الليبيون في الداخل تحت ضغط أزمات متلاحقة فقدت من شدة تكرارها صفتها الاستثنائية. ينقطع التيار الكهربائي مع ارتفاع درجات الحرارة، وتتراجع القدرة الشرائية، فيما يستمر الانقسام السياسي وتتسع الفجوة بين ما يحتاجه الناس وما تستطيع المؤسسات تقديمه. في مثل هذه الظروف، قد يثير تعليق صادر عن ليبي يعيش خارج البلاد اعتراضًا يقوم غالبًا على أن من ابتعد عن الحياة اليومية لم يعد يعرف واقعها، أو لا يملك الحق نفسه في الحكم عليها.

وفي المقابل، يرى كثير من الليبيين في الخارج أن مغادرتهم البلاد لم تُنهِ علاقتهم بها، وأن المسافة لا تمحو الانتماء بقدر ما تعيد تشكيله. بعضهم غادر مختارًا، وبعضهم دفعته الحرب أو انعدام الأمان أو البحث عن فرصة أفضل. ومع مرور السنوات، تغيّرت حياتهم ولغتهم وطريقة تفكيرهم، لكن ليبيا ظلت حاضرة في ذاكرتهم ومتابعتهم للأخبار وحتى في علاقتهم بأنفسهم.

تحدثت “دروج” إلى ثلاثة ليبيين يعيشون في مالطا وتركيا والسويد، وتختلف تجاربهم في مدة الهجرة وظروفها. تكشف شهاداتهم عن علاقة مركبة بالبلاد، لا تقوم دائمًا على الرغبة في العودة، ولا تختصرها مشاعر الحنين، بل إنها علاقة تجمع المحبة بالغضب، والذاكرة بالنقد، والتمسك بالهوية مع إدراك أن البلاد التي غادروها لم تبقَ كما كانت، وأنهم هم أيضًا لم يبقوا الأشخاص أنفسهم.

بلد لا يصبح ماضيًا

غادر محمد ليبيا إلى مالطا قبل أكثر من عشر سنوات، معتقدًا أن سوء الأوضاع سهّل عليه الانفصال عنها. لكن السنوات التي أمضاها بعيدًا كشفت له أن الانتقال إلى بلد جديد وتكوين شبكة من الأصدقاء والجيران لا يكفيان بالضرورة لتحويل مكان الإقامة إلى وطن.

يقول: “إلى الآن ما زلت متعلقًا بليبيا، رغم مرور أكثر من عشر سنوات على هجرتي. لما طلعت، كنت نعتقد إن ما عنديش ارتباط كبير بها بسبب وضع البلاد السيئ وقتها. لكن بعد سنوات طويلة من الغربة، اكتشفت إن البلاد الجديدة، رغم وجود مجتمع خاص بي من أصدقاء وجيران، ما نقدرش نقول عنها وطن”.

اختبرت شام الشريف شعورًا قريبًا بعد انتقالها مع عائلتها إلى تركيا. فقد ارتبطت ليبيا في ذاكرتها بالحروب والأوضاع الصعبة التي عاشتها، ولذلك ظنت في البداية أن مغادرتها ستقود إلى نسيان البلاد أو التخلص من علاقتها بها. ومع ذلك، كشفت لها الغربة جانبًا آخر من هذه العلاقة.

تقول: “كنت من الأشخاص اللي يعتقدوا إنهم لما يسيبوا ليبيا حينسوها تمامًا بسبب الحروب والأوضاع اللي مرينا بها. كنت نعتقد إني نكره ليبيا، وللأمانة، إلى الآن ما نحبش نرجع لها أو نجي في زيارة طويلة. لكن في الغربة تعلمت قداش إني من الداخل نحب ليبيا ومتعلقة بتراثنا وثقافتنا وأخلاق الليبيين وكرمهم”.

لا تعني هذه المحبة، بالنسبة إلى شام، الرغبة في العودة والاستقرار. إنها تظهر أكثر في التفاصيل الثقافية وفي الطريقة التي تتحدث بها عن ليبيا أمام أصدقائها من جنسيات أخرى. تقول إنها وجدت نفسها تصحح الصور السائدة عن البلاد، وتشارك صورًا ومحتوى يُظهران جوانب لا تحضر عادة في الأخبار المرتبطة بالحرب والفوضى.

تضيف: “لما صار عندي أصحاب من جنسيات أخرى، بديت نحب نصحح صورتهم وتخيلاتهم عن ليبيا بعد الحرب. بديت نوريهم صورًا وننشر محتوى على حساباتي يبيّن إن ليبيا وثقافتنا حلوة، حتى لو كنت أحيانًا نخبي عنهم الأمور السيئة”.

أما إبراهيم، الذي يعيش في السويد منذ ثماني سنوات، فيرفض اختزال علاقته بليبيا في الحنين أو في صورة مثالية عن الوطن. بالنسبة إليه، تتكون هذه العلاقة من التجارب الجميلة والصعبة معًا، كما أن أسباب مغادرته البلاد صارت جزءًا من قصته معها.

يقول: “البعد ما خلانيش ننسى ليبيا، بالعكس، خلاني نفهم علاقتي بها أكثر. لكن تعلقي بليبيا مش تعلقًا بصورة مثالية. علاقتي بها فيها حاجات حلوة وحاجات صعبة. ليبيا بالنسبة لي مش مجرد مكان عشت فيه، هي جزء من تكويني وذكرياتي وهويتي، وحتى الأسباب اللي خلتني نطلع منها هي جزء من قصتي معها”.

يرى إبراهيم أن هذه الصلة لا تعني انتظار العودة إلى ليبيا التي غادرها، لأن الإنسان والمكان يتغيران بالتوازي. يقول: “ما نقدرش نقول إني واقف عند النقطة نفسها أو نبي نرجع إلى ليبيا نفسها اللي تركتها. الإنسان يتغير، والبلاد تتغير، وعلاقتنا بالمكان تتغير مع الوقت”.

بين ثقافتين

لا يعيش المهاجر بهوية ثابتة يحملها معه من بلد إلى آخر. فالاحتكاك بمجتمع جديد يغيّر اللغة والعادات والنظرة إلى كثير من المسائل، لكنه قد يدفعه أيضًا إلى التمسك بجوانب من ثقافته لم يكن منتبهًا إليها قبل المغادرة.

يصف محمد هذه التجربة بالشعور بوجود شخصيتين تتداخلان داخله: “بعد فترة من الغربة، تكتشف إنك ما تبيش تنسلخ من عاداتك وتراثك وهويتك. تحس كأن عندك شخصيتين: شخصية تأثرت بالبلاد اللي اغتربت فيها وصارت عندها طريقة ثانية في فهم الحياة، وشخصية أخرى كانت موجودة في ليبيا وترجع لها كلما رجعت إلى وطنك”.

لا يرى إبراهيم هذا الازدواج انقسامًا بين هويتين متعارضتين، بل نتيجة طبيعية للعيش بين ثقافتين: “أحيانًا تحس إنك بين عالمين. عندك جذورك الليبية، لكن عندك أيضًا تأثيرات من المجتمع اللي عشت فيه. وهذا شيء طبيعي في تجربة أي شخص عاش بين ثقافتين”.

تظهر هذه التغييرات في اللغة اليومية أيضًا. شام، التي تنتمي إلى عائلة ليبية سورية، كانت معتادة منذ طفولتها على الانتماء إلى أكثر من بيئة، وهو ما سهّل عليها التواصل مع جنسيات مختلفة بعد هجرتها. لكن لهجتها، مثل لهجات أصدقائها العرب، بدأت تختلط بكلمات وتعبيرات اكتسبتها من المحيط الجديد.

ترى شام أن أثر الغربة يتجاوز اللغة إلى الاعتماد على النفس وتحمل المسؤولية، ولا سيما بالنسبة إلى النساء القادمات من مجتمع تؤدي فيه الأسرة وشبكة الأقارب دورًا كبيرًا في الحياة اليومية.

تقول: “الغربة غالبًا تعلم المسؤولية بشكل أسرع، وتخلي الشخص يعتمد على نفسه أكثر. في ليبيا، العائلة تكون مسؤولة عن أمور كثيرة، وبحكم إن مجتمعنا اجتماعي، ممكن نلقوا من يساعدنا ويوقف معنا حتى من غير ما نطلب. لكن في الغربة، الشخص يتعلم الاعتماد على نفسه في كل شيء. وحتى لو كان محاطًا بالناس والأصدقاء، يقعد حاسس إنه بروحه وفي مكان مختلف عن منطقة راحته”.

وبالنسبة إلى إبراهيم، لا يمكن اعتبار تغيّر اللهجة أو طريقة التفكير دليلًا على ضياع الهوية : “أكيد تغيرت فيّ حاجات كثيرة. لما تعيش سنوات في مجتمع مختلف، طبيعي تتغير طريقة تفكيرك وأسلوب كلامك وحتى نظرتك إلى بعض الأمور. مرات يعلقوا على اللهجة أو بعض الكلمات اللي نستعملها، لكن أنا ما نشوفهاش فقدانًا للهوية. الإنسان مش مفروض يبقى الشخص نفسه اللي كانه قبل ما يطلع”.

يلاحظ محمد بدوره أن الاحتكاك بثقافات مختلفة أعاد تشكيل نظرته إلى سلوكيات كان يعدّها عادية قبل الهجرة. وعندما يعود أو يتحدث إلى أقاربه وأصدقائه، يكتشف أن المسافة بينه وبينهم لم تعد جغرافية فقط.

“بسبب الاختلاط بثقافات مختلفة، نظرتك إلى الأمور تتغير. ممكن تكون بعض السلوكيات داخل البلاد عادية، لكنها تصبح بالنسبة لك غريبة وتستنكرها. وفي المقابل، قد يعتبر أهلك وأصدقاؤك ردة فعلك غريبة لأنهم أصبحوا يختلفون عنك”.

متابعة من مسافة آمنة

تختلف طريقة متابعة المهاجرين للشأن الليبي. بعضهم يراقب الأخبار باستمرار، وبعضهم يتجنبها لحماية نفسه من القلق، فيما يختار آخرون متابعة الجوانب الثقافية والاجتماعية والابتعاد قدر الإمكان عن السياسة والحروب.

تحاول شام تفادي الأخبار التي تزيد شعورها بالحزن والعجز، لكنها تتابع ما يتعلق بالثقافة الليبية ونجاحات أصدقائها في الداخل. تقول: “غالبًا نتكلم عن الجانب الثقافي وعاداتنا وأكلاتنا، لكن نفضل ما نتابعش الأخبار باش ما نتضايقش أكثر على حال ليبيا. في المقابل، نفرح جدًا لما نشوف تغييرات إيجابية، ونحس بالفخر لما نشوف أصدقائي في ليبيا ينجحوا وينجزوا رغم الظروف”.

أما محمد، فيتابع الوضع ويتحدث عنه، لكنه يعترف بأن من يعيشون في ليبيا أكثر معرفة بتفاصيل الحياة اليومية وآثار الأزمات. يقول: “نتكلم عن الوضع، لكن الأكيد إن الناس اللي تعيش في ليبيا أدرى مني بتفاصيله”.

يربط إبراهيم متابعته للبلاد باستمرار اهتمامه بها، وليس بعجزه عن الاندماج في حياته الجديدة: “أنا بنيت حياة جديدة خارج ليبيا، لكن ما زلت نتابع أخبارها لأن عندي أمل نشوفها في وضع أفضل. لما نشوف خبرًا كويسًا نفرح، ولما نشوف حاجة سيئة نتضايق، لأنها تظل البلاد اللي تربيت فيها وجزءًا من قصتي”.

ومع مرور الوقت، تعلّم إبراهيم الفصل بين محبته لليبيا وبين تعليق حياته على احتمال تغيرها. يضيف: “تعلمت ما نربطش حياتي كلها بانتظار تغيير ليبيا. نحبها ونتمنى لها الأفضل، لكن نكمل نبني حياتي في المكان اللي أنا موجود فيه”.

ليبيا التي توقفت في الذاكرة

قد تحافظ الذاكرة على صورة البلاد كما كانت لحظة مغادرتها، بينما يواصل المجتمع في الداخل تحوله. ومع امتداد سنوات الغياب، تتسع المسافة بين ليبيا المتخيلة وليبيا التي يعيش فيها الناس فعليًا. وعندما يعود المهاجر، قد يصطدم بتغييرات لا توافق تصوره عن البلاد أو بالأحرى الصورة التي احتفظ بها عنها.

يرى محمد أن بعض المهاجرين الذين ابتعدوا سنوات طويلة يتحدثون عن ليبيا من خلال صورة رومانسية، من دون معرفة كافية بما طرأ على المجتمع. يقول: “كثير من الأصدقاء المغتربين من سنوات طويلة ما عادوش فاهمين الوضع، وعندهم نسخة رومانسية عن المجتمع، ولذلك تكون آراؤهم أحيانًا سطحية”.

اختبرت شام هذا الاصطدام عندما زارت ليبيا بعد نحو ثلاثة أعوام من هجرتها. بعض التحولات الاجتماعية في طرابلس فاجأتها، بينما أصابها استمرار المشكلات الأساسية بخيبة أمل.

تقول: “تفاجأت من بعض التغييرات والانفتاح اللي صار، خصوصًا في مدينة طرابلس. وفي الوقت نفسه، حاجات أساسية كثيرة ما تغيرتش، فحسيت بخيبة أمل لأني كنت متوقعة تغييرًا أكبر وتحسينات في البلاد مع مرور الوقت”.

ويتفهم إبراهيم أسباب تعلق بعض المهاجرين بصورة قديمة عن بلادهم، لكنه يرى أن المشكلة تبدأ عندما يتوقعون من المجتمع أن يتوقف عن التغير في غيابهم.

يقول: “لما الشخص يطلع من بلاده ويعيش سنوات برا، مرات يحتفظ بصورة البلاد عند آخر لحظة عاشها فيها، وكأن الزمن وقف هناك. المشكلة تبدأ لما يتوقع إن البلاد والناس لازم يبقوا كما هم عشانه، مع إنه هو نفسه تغير بسبب المجتمع الجديد والتجارب اللي مر بها”.

بالنسبة إليه، تفرض هذه المسافة قدرًا من التواضع عند الحديث عن ليبيا: “لازم المغترب يتقبل إن ليبيا تغيرت، وإن الناس اللي بقوا فيها عندهم تجارب مختلفة. ما يصيرش نقارن كل شيء بصورة قديمة موجودة في ذاكرتنا”.

من يملك حق الحديث عن ليبيا؟

تكشف العلاقة المتوترة أحيانًا بين الليبيين في الداخل والخارج عن اختلاف تجربتين أكثر مما تكشف عن اختلاف في الانتماء. فالذي يعيش في ليبيا يواجه انقطاع الكهرباء وارتفاع الأسعار وضعف الخدمات وانعدام الاستقرار بصورة مباشرة. أما المهاجر، فقد أصبح بعيدًا عن هذه الضغوط اليومية، لكنه يحمل تجربة أخرى تتصل بالفقد والبدء من جديد ومحاولة بناء حياة في مجتمع مختلف.

يرى إبراهيم أن سوء الفهم يبدأ عندما يختزل كل طرف تجربة الآخر. يقول: “اللي داخل ليبيا ممكن يشوف المغترب بعيدًا عن الواقع اليومي وما عاشش التفاصيل نفسها، والمغترب مرات يحس إن الناس ما تفهمش التضحيات أو الأسباب اللي خلته يطلع”.

كما يرفض قياس الانتماء بمكان الإقامة وحده، لأن الهجرة ليست دائمًا اختيارًا حرًا أو بحثًا عن حياة أسهل: “ما نعتقدش إن فيه شخص ليبيته أكثر من الثاني. أحيانًا الناس تربط الانتماء بالمكان اللي تعيش فيه، وهذا مش دائمًا صحيح، خصوصًا إن الهجرة ما تكونش دائمًا اختيارًا. مرات الإنسان يطلع لأنه ما عادش يلقى مكان آمن أو فرصة يعيش فيها بحرية وكرامة”.

لا تمنح الهجرة صاحبها معرفة أوسع بليبيا بالضرورة، كما أن البقاء داخلها لا يجعل تجربة جميع المقيمين واحدة. لكن المسافة تغيّر زاوية النظر، وتجعل المهاجر يرى بعض التفاصيل على نحو مختلف، فيما تفصله في الوقت نفسه عن التحولات اليومية التي لا يمكن إدراكها بالكامل من الأخبار والزيارات القصيرة.

لهذا لا تبدو العلاقة بين الداخل والخارج مسابقة على أحقية الانتماء، بل مواجهة بين تجربتين تشكلتا تحت ظروف مختلفة. يستطيع المهاجر الحديث عن ليبيا من موقعه وتجربته، لكنه يحتاج إلى الاعتراف بحدود معرفته بالواقع اليومي. ويستطيع المقيم مساءلة آرائه وانتقادها، من دون نزع صلته بالبلاد أو اختزال هجرته في الرغبة في الهروب منها.

يلخص إبراهيم هذه العلاقة بقوله: “اللي عاش داخل ليبيا عنده قصة، واللي اضطر يبعد عنده قصة ثانية. ما فيش واحد يلغي الثاني”.

Share This Article

منشورات ذات صلة

أجرتْه: ميسون السنوسي حبيب يعيش الليبيون في الداخل تحت ضغط أزمات متلاحقة فقدت من شدة تكرارها صفتها الاستثنائية.…

 حوار مع عائشة معتوق السنوسيأجْرته: عزيزة حسين تحمل الحلي التقليدية الليبية في تفاصيلها تاريخ المدن وذاكرة العائلات وذائقة…

تحت غطاء "تحديث التشريعات وسد الفجوات القانونية"، استحدث مجلس وزراء حكومة الوحدة في 15 يناير 2025 القرار رقم…

يشكل الساحل الليبي الممتد لأكثر من 1750 كيلومتر، الملاذ الطبيعي الأكبر والحضانة البيئية الأهم للسلاحف ضخمة الرأس (Caretta…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.