يعكس التتابع السريع للأزمات المالية في ليبيا حالة من الانكشاف الاقتصادي المزمن، إذ جاء التوقف الجزئي الأخير لإنتاج النفط ليعمق مخاوف قديمة ومتراكمة حول استدامة الرواتب والانهيار المحتمل للقوة الشرائية، وهي مخاوف تبناها الخطاب الرسمي عبر تحذيرات علنية وصريحة من أعلى الهرم المالي والنفطي. هذا التلازم المستمر يثبت عمق الهشاشة الهيكلية للدولة، التي تضع الأمن المعيشي للمواطن كرهينة مباشرة لسلامة الصمامات النفطية والتوازنات السياسية.
وقد بدأت ملامح الاستفاقة القاسية على حقيقة أن رواتب أكثر من 2 مليون مواطن مُعلّقة على فوهة بئر؛ تتبلور رسميًا منذ يناير عام 2014، عندما أطلقت الحكومة الليبية المؤقتة أولى تحذيراتها الرسمية العنيفة عقب خسارة إيرادات نفطية تجاوزت 10 مليارات دولار جراء الإغلاقات الواسعة للموانئ والحقول. وحذرت السلطات حينها بوضوح من أن استمرار العجز في الإنتاج النفطي سيشل كلياً قدرة الدولة على تمويل المرتبات والدعم، مشيرة إلى أن بند الرواتب بات يلتهم أكثر من نصف الموازنة العامة، وهي محطة تنبه فيها الجميع لخطورة توظيف النفط ورقةً للمقايضة السياسية.
وكانت الأزمة اللاحقة في نوفمبر من عام 2024 امتداداً لهذا التخبط، حيث تجددت التحذيرات إثر تجاذبات حادة بين مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط حول آليات إحالة الإيرادات. وأكدت تقارير رسمية آنذاك أن تأخر مرتبات الموظفين لشهر نوفمبر يعود مباشرة إلى شلل التدفقات المالية وتوقف التغذية النقدية، مما اضطر الدولة للاقتراض الداخلي لتسديد التزاماتها السيادية وسط مخاوف جدية من خروج العجز المالي عن السيطرة.
وتفاقم جرس الإنذار بشكل غير مسبوق في نوفمبر من عام 2025، عندما أطلق محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، تحذيرًا اعتبره مهتمون بالشأن الاقتصادي الأكثر صراحة ومكاشفة في تاريخ السياسة النقدية بالبلاد. وصرح عيسى رسميًا بأن انخفاض أسعار النفط العالمية إلى حدود 55 دولارًا للبرميل سيعني عجزًا للدولة عن سداد رواتب الموظفين، منبهًا إلى أن استمرار التوظيف العشوائي وتضخم فاتورة المرتبات إلى نحو 100 مليار دينار يضع الاستقرار الاجتماعي والسياسي بأكمله على المحك.
ومع مطلع يونيو الماضي، وجهت إدارة العمليات المصرفية بمصرف ليبيا المركزي مخاطبة رسمية لوزارة المالية، حذرت فيها من انحرافات مالية وتوسع عشوائي في مخصصات الباب الأول. وأوضح المركزي في خطابه أن متوسط الفاتورة الشهرية للأجور قفز إلى 6.211 مليارات دينار، وهو ما ينذر بحدوث عجز مالي في بنود الأجور قبل نهاية السنة المالية ما لم تضبط وزارة المالية القوائم وتكبح الإنفاق الاستهلاكي غير المنتج.
تُبيّن هذه الوقائع أن تكرار التهديد بعجز الرواتب عند كل إغلاق جزئي أو كلي للنفط، كالتوقف الأخير يوم الثلاثاء الماضي، ليس عارضًا طارئًا، بل نتيجة طبيعية لتضخم مفرط في المرتبات والتوظيف الحكومي العشوائي الذي بات يلتهم جل مداخيل النفط. وفي غياب إصلاحات هيكلية حقيقية، وتنويع لمصادر الدخل خارج عباءة الاقتصاد الريعي، ستبقى التوازنات المالية للدولة الليبية هشة، وسيبقى معها الأمن المالي للمواطن مهددًا مع كل هزة في أسعار الطاقة أو إغلاق للحقول النفطية.