دروج Drooj

الأسد والقاضي والمشنقة

مُنتصب الظهر، ونظرته لا تكترث لا بالقاضي ولا بالكاميرا التي تُحاصره منذ أيام، هذه الصور الاستثنائية ومئات مثلها، ظلّت في حوزة قاضٍ إيطالي لعقود طويلة، قبل أن يعيد بها باحثان إيطاليان محاولة بناء واحدة من أقسى مراحل التاريخ الليبي وأكثرها بطولة.

فالصّورة، في كثير من الأحيان، ليست زخرفة للنص التاريخي، بل وثيقة قد تحاكمه: تؤكده، أو تصححه، أو تملأ ما أسقطته السّجلات عمدًا أو سهوًا. ومن هذه الزاوية بالتّحديد يكتسب هذا الكتاب أهميته، إذ يستند إلى أرشيف فوتوغرافي فريد ظل منسيًا لعقود، ليعيد قراءة تلك المرحلة من الزاوية التي التقطتها آلة القمع نفسها.

مجموعة صور تعود لأواخر العشرينات وأوائل الثلاثينات من القرن الماضي، احتفظ بها جوزيبي بيديندو، وهو قاض عسكري إيطالي شارك في ما عُرف بـ”المحكمة الطائرة”، وهي محكمة عسكرية كانت تنتقل بين المدن والمناطق لمحاكمة المقاومين في سياق امتزج فيه القضاء بالقمع والإعدام وجرائم الإبادة.

يحمل الكتاب عنوان “الأسد والقاضي والمشنقة: تاريخ وصور القمع الإيطالي في برقة 1928–1932″، وصدر عن دار دونزيلي الإيطالية عام 2021، من تأليف الباحثين الإيطاليين أليساندرو فولتيرا وماوريتسيو زيني.

ويركز عمل فولتيرا على تاريخ أفريقيا والاستعمار الإيطالي، بينما يعمل زيني في مجال التاريخ المعاصر مع اهتمام خاص بالعلاقة بين التاريخ والصورة والسينما، ويجمع الكتاب بين هذين المسارين المتكاملين، صناعة الصورة والمعرفة التاريخية، والكتاب نتاج سنوات من الدراسة والبحث.

تضمّ مجموعة بيديندو مئات الصور، بينها عشرات الصور التي توثّق أسْر عمر المختار ونقلِه ومحاكمته وإعدامه. ويظهر المختار في عدد من اللقطات خلال أيامه الأخيرة، بينها صور أثناء القبض عليه، نقله على متن السفينة الإيطالية التي حملته إلى بنغازي، ثم صور له في سجن بنغازي، ومشاهد سبقت محاكمته وأخرى مرتبطة بالمحاكمة والإعدام، إلى جانب صور لمقاومين آخرين وضحايا ومعتقلين، وقضاة وجنود ومحاكمات ومشانق.

وتكمن قيمة الكتاب الأساسية في منهجيته، إذ يقابل المؤلفان الصور بوثائق عسكرية وقضائية وأرشيفية إيطالية، ويحاولان من خلالها إعادة بناء آليات القمع، لا أحداثه الكبرى فقط، وتصبح الصورة بذلك عنصرًا أساسيًا في الدراسة.

ولهذا يوصف الكتاب بأنّه قراءة للتّاريخ باستخدام زاوية سُلطة القمع نفسها، فالصور لم تُلتقط أصلًا لتوثيق معاناة الليبيين أو لفضح الاحتلال، بل أُنتجت من داخل الجهاز الاستعماري نفسه، وقيمتها لا تكمن فقط فيما يظهر فيها، بل أيضًا في الطريقة التي نظر بها الاحتلال إلى الأسير والمحاكمة والإعدام والتنكيل، وحوّل بها العنف إلى مشهد يمكن تصويره وحفظه.

يضع الكتاب عمر المختار أو “الأسد” كما يلقّبه المؤلفان في مركز السرديّة، لكن من دون أن يفصله عن المقاومة التي قادها أو يحوله إلى بطلٍ منفرد خارج سياقه، فهو يظهر أولًا قائدًا للمقاومة السنوسية في المرحلة الأخيرة من حركة المقاومة الليبية، التي كانت الطريقة السنوسية ركيزتها الأهم. ثم يظهر عمر المختار في مرحلة أخرى، أسيرًا في أيامه الأخيرة.

وتمنح الصور هذا المسار ثقلًا خاصّا؛ “سي عمر” المُصاب في يده، كبرياؤه داخل المحكمة، هيستيريا الإيطاليين واحتفاؤهم بالقبض عليه، مشاهد الإعدام القاسية وإجبار الناس على المرور أمامها، وتحويل موته نفسه إلى استعراض لسلطة الاحتلال.. صور تُظهر رجلًا عرف إلى أين تقوده المعركة، وظلّ حتى نهايتها في مواجهة آلة وجبروت وقسوة الاحتلال الذي سخّر كل قوّته للقضاء عليه.

ويذهب الكتاب بوثائق ومشاهد نادرة إلى قلب المعتقلات الإيطالية في مناطق برقة، الأداة القمعية الأشد قسوةً وفتكًا في تلك المرحلة، ليسلطا الضوء على الواقع الإداري العسكري لمنظومة المعتقلات، وكيف لم تكتف سلطات الاحتلال بتعذيبهم وتجويعهم وإبعادهم عن أوطانهم، بل اقتادتهم في كثير من اللحظات لإجبارهم على مشاهدة قادة المقاومة أثناء محاكمتهم وشنقهم.

ولا يتوقف الكتاب في شقيه النصي والمصور عند أدوات القمع التقليدية المتمثلة في السلطات العسكرية والقضائية الإيطالية، بل يتوقف أيضًا عند جانب أقل حضورًا وأكثر حساسية: سياسات التفكيك الاجتماعي وصناعة الخوف التي انتهجتها سلطة العنف الإيطالية من قمع وترحيل وتجويع وعزل بلغ ذروة قسوتها في تلك المرحلة.

كما يوثق كيف وظّف الاحتلال هذه الظروف في تجنيد واستخدام المخبرين والأدلاء وشبكات المعلومات، لتعقب المقاومين ومحاصرتهم، ولا يقدم الكتاب الوشاية والتعاون بوصفهما مجرد قصص فردية ودوافع شخصية، بل باعتبارهما جزءًا من منظومة استخبارات وقمع متكاملة، إلى جانب الاستطلاع الجوي، وإغلاق الحدود، والشرطة، والترحيل، والمحكمة العسكرية.

ويمنح المؤلفان اهتمامًا خاصا لدور القضاء في هذه العملية، فالمحكمة في الكتاب ليست مؤسسة منفصلة عن الحرب، بل إحدى أدواتها. وتظهر “المحكمة الطائرة” كمثال شديد الوضوح على تداخل العسكري بالقضائي، فالقاضي والطائرة والجندي والمشنقة تحولت جميعها إلى أجزاء في جهاز واحد، يسعى إلى القضاء على المقاومة وإظهار سلطة الاحتلال أمام السكان.

بالنسبة إلى القارئ الإيطالي، يعيد الكتاب فتح صفحة كثيرًا ما جرى تهميشها في الذاكرة العامة الإيطالية، أما بالنسبة إلى القارئ الليبي الذي لم يصله الكتاب فضلًا عن أن يُترجم له، فالقيمة مختلفة ومضاعفة، فإلى جانب الزاوية الجديدة للكاتبين، فإن جزءًا واسعًا من مادتها البصرية الأصلية تمثل إضافة استثنائية للتوثيق التاريخي الليبي.

ما يفعله “الأسد والقاضي والمشنقة” هو أنّه يعيد أمامنا بعض تلك اللحظات من خلال الصور والوثائق التي صنعها الطرف الآخر نفسه، ويخبرنا بأن تفاصيل وخفايا كثيرة من تاريخنا ما تزال مخبأة في المخازن والمستودعات والأرفف والألبومات الخاصة، تنتظر من ينفض عنها الغبار.

Share This Article

منشورات ذات صلة

كان فيسبوك في أوائل ظهوره بدائيًا جدًا، ولأنه كان ثقافة جديدة على كل من استعمله، تباينت طرق تعامل…

صديقُنا فرج مواطن صالح، متزوج وله أربعة أطفال، يقضي نصف يومه في العمل، والنصف الآخر على فيسبوك، ثم…

تنتزع مشاهد العبث اليومية ما تبقى من قدرتنا على التحمل. في هذا البلد، كل شيء يمهّد لسطوة حزن…

مُنتصب الظهر، ونظرته لا تكترث لا بالقاضي ولا بالكاميرا التي تُحاصره منذ أيام، هذه الصور الاستثنائية ومئات مثلها،…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.