صديقُنا فرج مواطن صالح، متزوج وله أربعة أطفال، يقضي نصف يومه في العمل، والنصف الآخر على فيسبوك، ثم ينام ويصحو ويعيد الدورة نفسها، إلا إذا خطف زردة في يوم جمعة.. وفرج، فوق ذلك كلّه، صاحب موقف تربوي راسخ: الضرب حاجة عاديّة، بل مفيدة، والدليل القاطع أنه ضُرب مرارًا في طفولته و”ما صارله شي”.
من بين ملايين البشر الذين تكفيهم حياة بين العمل والمنزل والمقهى والحديقة والحفلة أحيانًا، فرج -من بين قليلين- لا يرضى حياة بهذه النشاطات البشرية العادية، فلا يكتمل يومه إلا بالبحث عن “ذكر أعلى” ليعبُده ويبجّله ويكتب له منشورات التطبيل. فرج لا يشعر بالراحة بدون وجود شخص أقوى منه في حياته، الأب، المدير، الوزير، الزعيم، الرئيس، شخص يمارس معه طقوس “الانبطاح”، لكن فرج ما زال يشعر بأن هذا طبيعيّ، وأنه “ما صارلش شي”.
وهو يسمّي هذا كلّه احترامًا. والاحترام عند فرج كلمة هلامية عجيبة، لا تعرف أين تنتهي ليبدأ الخوف، فالطّاعة التي تعلّمها بالألم والتهديد جعلت المسافة بين الاثنين غامضة في رأسه، لذلك ما زال يحبّ الأستاذ الذي صفعه أمام الفصل كله، ويذكره باعتزاز لأنه “ربّاه”.. ويرى أن المدير الذي يهينه “يريد مصلحته”، وإذا وقف مسؤول لا يستطيع فرج في ظل سلطته شراء أبسط احتياجاته، أسرع إلى الوقوف له أيضًا توقيرًا وتحية.
وقد تظن أنّ هذه التربية أنتجت لنا على الأقل مخلوقًا مسالمًا، خائفًا، لا يؤذي أحدًا.. “ياريت والله”، لكن الدّرس الذي يتعلمه الطفل من منظومة كهذه ليس أن العنف نتيجة لانحرافه عن النظام، بل أن العنف هو النظام نفسه! فالعنف امتيازٌ هرمي، من في الأعلى يضرب من دونه، ومن هو تحت يصمت أمام من هو فوق، فيبحث بدوره عمن هو “أوطى” منه في السلم.. ففرج مثلًا يعرف كيف يرفع صوته، لكن على زوجته، يخشى المدير ويتحدث بأدب شديد مع حامل السلاح نعم، لكنه يحتقر “راقد الريح” والعامل والمهاجر والفقير، وحين يصبح أبًا.. يجد أخيرًا مخلوقات صغيرة لا تستطيع رد الصفعة.. و”خوذ التريس بعدين”.. ألم يقل لك أنه ماصارله شي؟
وبالنسبة لفرج، التخويف هو أيضًا الطريقة الوحيدة للتربية. يمكن أن تصل المسألة عنده إلى أقصى الحدود ، فابنته قد تستحق الموت لأنها تحدثت مع جارها أو أرسلت إيموجي لزميلها، وطفله الصغير يستحق الفلقة لأنه لم يحفظ الدرس. لا يهم إن كان الطفل يعاني صعوبة تعلم، أو ضعف نظر يمنعه من رؤية السبورة، أو مشكلة تحتاج إلى طبيب أو خبير يعرف ماذا يفعل.. لدى فرج أداة تربوية واحدة تصلح لكل الأعطال البشرية: اضربه. سيحفظ، سيفهم، سيتأدب، وستزرع فيه “القيم”.
لكن، ما هي القيم؟ هنا يتوتر فرج قليلًا.
فحتى ضميره تلقى تربيته بالعصا، لم يتعلم أن يمتنع عن الخطأ لأنه خطأ، بل أن يمتنع عنه ما دام صاحب العصا قريبًا. لا تزعجه مخالفة القانون بقدر ما يخيفه أن يُقبض عليه. الواسطة فساد إذا تجاوزته، و”معارف” إذا خدمته. والسرقة جريمة إلا إذا كان السارق ابن القبيلة أو “راجل معروف ومواقفه تشفعله”.. لقد نجحت التربية بالفعل، صنعت رجلًا يحتاج دائما إلى “شيخ” و”مدير” و”طوبو بي بي آر” طويل.
حتى الدولة نفسها لا يستطيع فرج أن يتخيلها باعتبارها مؤسسات وقوانين وحقوقًا مجردة؛ الدولة في مخيلته “أب ضخم” ينبغي أن يخيف أبناءه، ولا شيء بعد ذلك. ليس مهما كثيرًا أن تكون هذه الدولة فاسدة أو ظالمة أو عاجزة، أو أن يكون فرج نفسه فقيرًا فيها ومحرومًا من أبسط الخدمات، المهم أن تجلد مواطنيها، ولهذا قد يشتاق فرج أحيانًا إلى جلاّده القديم إذا غاب.
لقد تلقى فرج الكثير من ضربات الفلقة في صغره، وتمت مناداته بالحمار والبهيم مئات المرات، عدا عن تهزيبات مدير العمل، وسخرية المسؤولين والأفنديات.. لكن فرج “كاتينة حديد” وليس “عيّل حمر”، لم يتأثر أبدًا، اللهم إلا أنه صار عديم الشخصية، يقدّس القوي، يقهر من هو أضعف منه، يعبد الذكور الأعلى قيمة، ويستمتع بقهرهم له، عاجز عن بناء علاقة إنسانية سليمة، لا يفهم حتى مشاعره الخاصة، لا يرى للقيم والأخلاق مكانًا في تشكيلة سلوكه.. سوى في مقاعد الاحتياط. عدا عن ذلك.. “ما صارله شي”.
مافيش داعي للمبالغة يا شباب الضرب والكفوف باهيات، لدينا على الأقل 4 ملايين فرج في ليبيا، ولم يحدث لهم ولا لنا شيء، بالعكس.. كوّنوا لنا هذا المجتمع الجميل.