كان فيسبوك في أوائل ظهوره بدائيًا جدًا، ولأنه كان ثقافة جديدة على كل من استعمله، تباينت طرق تعامل رواده معه بحسب تفاوت مستويات الإدراك والتأقلم. من طرائف ما أذكره أن جارنا الحاج فرج كان ينشر منشورات غريبة، ظنًا منه أنه كان يكتبها في مربع البحث بجوجل. كل المنشورات كانت محرجة حتى على مجرد فكرة نقلها هنا. نعم، محرجة جدًا حتى على منهج القائل: ”ناقل الكفر ليس بكافر“. الحاصل أني فكرت في أن أكتب مثالًا أو مثالين على منشورات الحاج فرج، ولكن بعد طول تفكير لم أستطع أيضًا إيجاد حتى مثال واحد منها؛ لأنها في الواقع كلها كانت محرجة جدًا جدًا جدًا.
كان من طرائف فيسبوك أيضًا الإجابات الغريبة التي يكتبها الناس تحت خانة ”يعمل لدى“. وفي هذا السياق هناك الكثير من الأمثلة، ولكني سأكتفي بذكر واحدة، وسأترك البقية لذاكرة الذين تعرفوا على فيسبوك من خلال خطاب باراك أوباما أثناء حملته الانتخابية في سباق الرئاسة الأمريكية عام 2007. المهم أنه كان من تلك الطرائف اختيار بعض رواد فيسبوك للإجابة: ”يعمل لدى: متطوع في خدمة ليبيا الحرة“. لست أدري هل سيقرأ هذا المقال اليوم ممن كان يضع تلك الإجابة في ذلك الوقت، ولكن ما أنا متأكد منه أنني لم أكن أعرف يومها أن العبارة ستتحول، بعد سنوات، من خانة في فيسبوك إلى سؤال حقيقي عن الدولة التي نعيش فيها.
وفي سياق منفصل تمامًا، ولكن متصل تمامًا أيضًا، كنت مرة في طريق عام وقت منتصف الظهر، وكان الزحام القاتل للوقت سيد الموقف، كما هي العادة في شوارع طرابلس، تمامًا كما نقول أحيانًا: ”براولطي في بروالطي“، أو كما يقول شركاؤنا في الوطن الذين يعيشون في تريبولي: “bumper to bumper”، وفي رواية أخرى: Bottlenecked”” المهم، كان هناك متطوعان في خدمة ليبيا الحرة يهرولان بطريقة عسكرية انضباطية على طرفي الرصيف، وعلى الرغم من أن الشمس كانت عمودية، إلا أن المتطوعين كانا بلباس عسكري شتوي. في البداية استغربت، ثم اكتشفت أن هناك رتلًا من السيارات المصفحة، مشغلًا الأضواء الصفراء، ”الفليتشات الأربعة“، وراءهما، والظاهر أن في الرتل متطوعًا قديمًا في خدمة ليبيا الحرة.
هذا المشهد الجميل، في الواقع، مليء بأشياء جميلة جدًا. لنحلل أولًا سبب هرولة الجنديين في ذلك الحر، وبين أمواج السيارات المتلاطمة، بذلك اللباس الشتوي الجميل أيضًا. وفي نظري أنهما كانا يهرولان لأحد سببين: الأول أنهما كانا يحميان المتطوع القديم في خدمة ليبيا الحرة من المواطنين الذين لم يتطوعوا في خدمة ليبيا الحرة، تحسبًا أن يقترب أحد منهم من سيارته؛ أما الثاني، فهما كانا يفتحان الطريق لموكب المتطوع القديم في خدمة ليبيا الحرة؛ كي حالنا نحن كمواطنين ”مش متطوعين.. إلخ“، وربما للسببين مجتمعين. ولكن في كل الأحوال، احذر يا ابني، مهما ضاقت بك الدنيا، أن تلجأ لمثل هذه الوظيفة الجميلة. فشمس أغسطس حارقة، والرطوبة عالية، واللباس الشتوي ليس خيارًا جيدًا في هكذا موقف يا بني! أما الملثم الواقف على أهبة الاستعداد في الطريق العام على رشاش المدرعة، يا بني، فتلك الوظيفة قصة أخرى يطول شرحها.
هنا فقط يمكن وضع الكثير من التعريفات للأمن في ليبيا. قد يكون الأمن أحيانًا هو أن تحمي شخصًا من الناس، ثم تحميه من زحام الناس، ثم تطلب من الناس أن ينتظروا حتى يمر. وتبعًا لذلك، فإن أنظمة المرور نفسها تبدو قابلة لإعادة الكتابة بحسب هوية السيارة. لم تعد الأولوية بالضرورة للقادم من اليمين، ولا لصاحب الطريق الرئيسي على الفرعي؛ الأولوية، في بعض الشوارع، لسيارة الميليشياوي، حتى لو كان طريقها فوق الرصيف. وهكذا يصبح الرصيف طريقًا، والطريق رصيفًا، والإشارة مجرد اقتراح، وقاعدة الأولوية الوحيدة التي لا تحتاج إلى لوحة: ”الأولوية للأقوى“. ولعل هذا هو الاختصار الأكثر دقة لحكايتنا كلها: حين يصبح السلاح قادرًا على تعديل قواعد المرور، لا تعود المشكلة في إشارات المرور فقط، بل في الدولة التي يفترض أن تقف خلفها.
لكن، إذا كان هذا هو الأمن، فكيف حال البلد بعد كل هذه الحماية؟ لدينا جهاز للاستخبارات، وجهاز للأمن الداخلي، وآخر للأمن العام، وآخر لمكافحة الإرهاب، وآخر لحرس المنشآت، وحرس الحدود، ووزارات وأجهزة وقطاعات أمنية غيرها تكاد تكفي، على الورق، لحراسة كل متر من البلاد. ثم يأتي السؤال البسيط: ما فائدة كل هذه الأجهزة إذا كان كل جهاز قد ينتهي به الأمر إلى القيام بعمل جهاز آخر، أو إلى الاشتباك معه؟ وربما لا يحتاج المرء إلى مثال أكثر سيريالية من أن يفتح هاتفه فيجد خبرًا عن جهاز أمني يهاجم جهازًا آخر يفترض أن مهمته مكافحة الإرهاب. تخيل المشهد: ”جهاز الأمن العام في مواجهة جهاز مكافحة الإرهاب“، هكذا ورد الخبر حرفيًا في إحدى المنصات الإعلامية! ربما في أي بلد طبيعي، يفترض أن يكون السؤال: كيف تتعاون الأجهزة الأمنية لمواجهة من يهدد الدولة؟ أما عندنا فقد يصبح السؤال: أي جهاز سيحمي جهاز الأمن من جهاز الأمن؟
قرأت خبرًا مؤخرًا مفاده أن وزارة الدفاع استهدفت خلية تخريبية، وقد يبدو الخبر طبيعيًا في بلد يواجه تهديدًا أمنيًا، خصوصًا كما أسلفنا في سياق تعاون الأجهزة الأمنية، لولا أنك تتذكر أن هناك أجهزة أخرى أنشئت أصلًا لمثل هذه المهام. وهنا يصبح المواطن في حيرة: من اختصاص من هذا الأمر أصلًا؟ لذا، هنا لم تعد المشكلة أن لدينا أجهزة أمنية كثيرة؛ المشكلة الحقيقية أن مهامها تتداخل، وأحيانًا تتنافس، واختصاصاتها تتشابك، وربما هي بذاتها تشتبك مع بعضها، كما حصل مع العام والإرهاب، والقضائية والأربعات.. وهكذا، حتى يصبح السؤال عن الجهة المسؤولة أهم من السؤال عن الجريمة نفسها. وعند هذه النقطة تحديدًا يصبح إطلاق قذائف الهاون من منصة في جزيرة ”أبو ستة“ عرفًا وتقليدًا مباركًا.
في الواقع، خلصت مؤخرًا إلى أن بعض الأجهزة الأمنية لا تنشأ بالضرورة لأن الدولة تحتاج إليها، بل لأن هناك شخصًا سيُوضع على رأسها؛ لذا ننشئ الجهاز أولًا، ثم نبحث له عن اختصاص يناسب رئيسه. فإذا تغيّر المسؤول، احتجنا ربما إلى جهاز جديد، أو مسمى جديد، أو مهمة جديدة. المهم أن يجد القادم كرسيًا يليق به، ومقرًا يليق بالكرسي، وميزانية تليق بالمقر؛ وهكذا تتكاثر الأجهزة كما تتكاثر المناصب، بينما تظل الوظيفة الأصلية للدولة في مكانها، تنتظر من يقوم بها.
ولعلي قبل قليل أتيت على ذكر المقرات؛ وهنا لزم تعريف المقر اصطلاحًا. المقر: منشأ ضخم على مساحة أضخم، به بوابات، وأسوار، ووجوه ملثمة، ومدرعات، وقناصة، وأسلحة، وملابس عسكرية كاملة، ومولدات ومكيفات، بل ودفايات أيضًا. وربما أحيانًا يكون فيه ضبط وربط لا تشوبه شائبة. وهنا يأتي دور الدولة لتنفق على هذه المقرات الضخمة، والأسوار العالية، والمدرعات، والمصفحات، والتجهيزات، حتى تتحول بعض هذه المقرات إلى ما يشبه الجزر المسلحة داخل الدولة؛ بقعًا لها عالمها الخاص، وحساباتها الخاصة، وأحيانًا قانونها الخاص. ومع ذلك، قد لا تحتاج إلى أن تبتعد كثيرًا عن البوابة حتى تجد أن الأمن نفسه قد أصبح هشًا، وأن الاشتباك يمكن أن يبدأ على بعد بضعة كيلومترات فقط. والأكثر صدمة أن المقر ذاته قد يجمع بين الأمرين: الأمن وانعدامه. قد يكون مكانًا ينعم فيه الآمر والجنود بالأمن التام، بينما يُسام في زنازينه وغرفه مظلومون يُسامون انعدام الأمن التام، وانعدام القانون التام، وانعدام الأخلاق التام.
وربما لم نأتِ على ذكر عنصر مهم من عناصر المشهد الأمني في البلد، وهو بوابات الاستيقافات في الطرق العامة، وهي، على الرغم من أنها تزيد الطين بلة —”To add insult to injury“، كما ترجمها الميليشياوي المثقف— في أزمة الازدحام الموجودة أصلًا، إلا أننا سعداء جدًا بها؛ لأنها نجحت فعلًا في تحقيق ”الضبط والربط“، ولكن للأسف في المكان الخطأ. ذلك أننا لا نخشى من انعدام البوابات بقدر ما نخشى أن تتصادم تلك القوات المسلحة التي تقيم البوابات ذاتها فيما بينها، وكل تلك القوى تؤكد أنها تعمل من أجل الأمن.
وهنا تظهر واحدة من أغرب مفارقات المشهد: الدولة التي يفترض أن تحتكر القوة، صارت أحيانًا توزع المال العام على قوى مسلحة لتقوم بوظائفها، تصدر خطابات رسمية لتكليف تشكيلات بحماية منشآت حكومية، ويُدفع مقابل هذه الحماية، إلى جانب المرتبات والميزانيات والمخصصات الأخرى؛ فتتحول حماية المنشأة العامة، شيئًا فشيئًا، إلى ما يشبه ”إتاوة“ حديثة: ادفع لمن يحميك. لكن لنقف هنا لبرهة: من الذي نحمي المنشأة منه؟
إذا كان الخطر هو المواطن، فهذه كارثة أخرى، وإذا كان الخطر تشكيلًا مسلحًا آخر، فنحن أمام كتيبة مكلفة بحماية منشأة من الدولة، من كتائب أخرى ربما هي أيضًا مكلفة بحماية منشآت أخرى أيضًا، ولكن ذات الدولة نفسها؛ دائرة كاملة من الحماية، لا نعرف في نهايتها من الذي يحتاج إلى الحماية من مَن.
ثم تتسع الحكاية أكثر: تجد تشكيلًا أمنيًا ينظم معرضًا للكتاب بدل وزارة الثقافة، وجيشًا يدخل في البناء والاستثمار بدل الجهات التنفيذية والمؤسسات المتخصصة، وعلى ذلك فقس، وكأن المشكلة لم تعد في غياب مؤسسات الدولة، بل في أن كل مؤسسة يمكن أن تستبدلها جهة تحمل سلاحًا أو تملك نفوذًا أكبر. وفي النهاية يشتركون جميعًا في شيء واحد على الأقل: نصيب من المال العام؛ لكن الفرق أن بعضهم يحمل بندقية، وبعضهم يحمل ختمًا، وبعضهم يستطيع أن يفعل الأمرين.
ثم يحدث ما هو أكثر غرابة: يجلس بعض من صنعوا نفوذهم بالسلاح، أو شاركوا في الصراع الذي دفع الناس ثمنه، على طاولات الحوار السياسي، ليتحدثوا باسمنا نحن المتعبين، وليقرروا مصيرنا. وهذه ربما واحدة من أقسى المفارقات: أن يتحول السلاح من وسيلة لفرض الأمر الواقع في الشارع إلى بطاقة عبور نحو طاولة الحوار، ثم يجلس صاحبه هناك ليقرر مستقبل الذين ظلوا طوال السنوات الماضية يدفعون ثمن ذلك السلاح.
أما المواطن، الذي لم يحمل بندقية ولم يطلب حربًا، فيجد نفسه في النهاية مجرد شخص ينتظر انتهاء الموكب حتى يستطيع أن يكمل طريقه. وفي كل هذا، لا يفقد المواطن الشعور بحس الفكاهة من شركائنا المسلحين في الوطن. فيحدث أن يمر مواطن، مثلًا، بجانب أحد المقرات الأمنية، فيجد جنديًا واقفًا أمام البوابة يرش المياه على الطريق. بعد كل الأسوار والمدرعات والأسلحة والبوابات، يقف الرجل في النهاية ليرش الماء على الشارع، وكأنه ينثر شيئًا من السعادة والسرور على المارة.