من عُكاظ إلى اجدابيا: مقارباتٌ شعريّة

cover final

من عُكاظ إلى اجدابيا: مقارباتٌ شعريّة

منصور عاطي

للشعر والشعراء مكانةٌ رفيعة في الثقافة العربية، ومن بين أبرز مظاهر هذا الاحتفاء أن العرب عقدوا للشعر أسواقًا، لتغدو مراكز ثقافية، ومنابر للتنافس الأدبي، ومواضع لبيع الأرزاق أيضًا. ولعل أشهر هذه الأسواق هو سوق عُكاظ، الواقع قرب مدينة الطائف (المملكة العربية السعودية اليوم)، وقد بدأ نشاطه سنة 501 ميلادية، بحسب ما ورد في الأخبار. وكان ملتقًى لفحول الشعراء من مختلف الأمصار، يتعكّظ بعضهم بعضًا فخرًا وحماسةً وهجاءً، ثم تسير القصائد مع القوافل والركبان، وتتداولها الألسن والقبائل، من عدنان إلى قحطان.

11

وفي مقاربةٍ للمكان، رغم تباعد الأزمنة، ظهر سوقٌ مشابه في مدينة اجدابيا، حمل خصائص قريبة مما عُرف به سوق عُكاظ؛ من إلقاء القصائد، وتداول البضائع. كان السوق يقع في وسط المدينة، قبالة ما يُعرف اليوم بـ(سوق الذهب). وعلى عادة سوق عُكاظ، كان للسوق حَكَم، وهو الشاعر الذي يفصل بين المتنافسين، ويقضي بالفوز أو الخسارة. وهي مهمة عظيمة، لا ينهض بها إلا شاعر ملمّ ببحور الشعر، وأوزانه، وأغراضه، وفنونه، فضلًا عن تحلّيه بحكمةٍ راجحة. وكان النابغة الذبياني من أشهر حكّام سوق عُكاظ، وفي سوق اجدابيا كان الشاعر والشيخ (بن مهدي الحرنة) الحكم أو كما يسمونه وقتها (شرع) كما ذكر الدكتور يونس فنوش في كتابه (دراسات نقديّة في الشعر الشعبي)، ووظيفة الشرع أو الحكم وظيفة عظيمة لا يرتقي لها إلا كبار الشعراء وأكثرهم حكمة.

والمهم هنا ليس تشابه الأسواق فحسب، بل ظهور شعراء أعادوا سيرةً طالما كانت الأبرز في تاريخ الشعر العربي. ويبرز في هذا السياق الثنائي حسن لقْطع وعلي بوفلاقة، وهما من شعراء مدينة اجدابيا، وقد شكّلا ثنائيًا يقارب في حضوره وتأثيره الثنائي الأشهر جرير والفرزدق. وتتمثل أوجه التشابه بين الثنائيين في جوانب عدة، منها الأغراض الشعرية، والمواضيع، والسيرة، والسلوك، والطباع.

فقد كان الشاعر الفحل حسن لقْطع رثّ الملابس، متّسخ الهندام، ويُروى أنه كان يقف في السوق، يلقي قصيدته في وجه خصومه، وهو يدسّ يده في ثوبه وياقته يخرج القمل منها. والفقر والبخل من أكثر السمات التي تجمع بين لقطع وجرير، إلى جانب بلاغة شعرهما وقوته. فقد كان جرير معروفًا بالبخل، وكذلك والده، ويُستشهد بقصة حلب والده للعنزة بفمه كي لا يسمعه جيرانه. ومن خلال البحث والسؤال، تبيّن أن حسن لقطع كان هو الآخر معروفًا بالبخل.

22

أما صديقه اللدود علي بوفلاقة، فقد كان أقرب إلى الفرزدق، صديق جرير اللدود، من حيث اهتمامه بالمظهر، وحرصه على التطيّب بأجمل العطور. وقد ورد في بعض الشهادات أنه كان يمشّط لحيته، ويصبغها بالحناء، ويرتدي أجمل ما لديه، ثم يجلس في السوق لإلقاء قصائده. وكذلك كان الفرزدق حريصًا على مظهره، يلبس لبس الملوك، إذ كان من حواضر قومه، وغنيًّا، كما هو الحال مع علي بوفلاقة. إن هذا التقارب في هيئة الشعراء ومظهرهم وسلوكهم أنتج حالةً شعرية متشابهة، انعكست على علاقتهم بالشعر، وطبيعة العلاقة الثنائية بينهم، كما ظهرت في المساجلات والمنافرات الشعرية.

المقاربات الشعريّة

أما عن الشعر، فما أقرب مقاصدهم! وما أبعد السنوات بينهم! نبدأ بـحسن لقطع، زعيم الهجّائين، الذي كان يفخر بشعره، ويعي موطن قوته، فيقول:

من مصر لا عند فَزّان

جميلة اللّي يقول سَوْدة

نا حسن وهذا هو فلان

عين في صفا مهرودة

وتُذكّرنا هذه الأبيات بما قاله جرير فخرًا وتحدّيًا:

أعدَّ اللهُ للشعراءِ مني

صواعقَ يُخضعون لها الرّقابا

أنا البازي المُدلُّ على نُميرٍ

أُتِحتُ من السماءِ لها انصبابا

ويتجلّى هنا بوضوح مدى التقارب في فخر الشاعرين بنفسيهما، وثقتهما في شعرهما وموهبتهما التي يتباهيان بها، وفي موضع آخر، يُروى أن شاعرًا يُدعى خنفر هجاه شاعر من اجدابيا يُدعى حمد بومير، فاستنجد خنفر بحسن لقطع ليقف إلى جانبه، فقال لقطع مناصرًا:

علي أربعين طلاق لولا لولا

أنسحن حمد بومير سحنة (رولا)

ويذكّرنا هذا ببيت جرير الشهير، ردًّا على الفرزدق، ودفاعًا عن صديقه مربَع:

زعم الفرزدق أن سيقتل مربَعًا

أبشِر بطول سلامةٍ يا مربَعُ

وفي ذات السياق التشابهي، نرى علي بوفلاقة يفخر بقوته وقوة أهله، في تحدٍّ واضح لأحد جنرالات الاستعمار الإيطالي ماليتي، إذ قال:

يا عون في دنياه يا ماليتي

من جاك في ثمان الآلاف لك متوتي

ويقصد هنا ثمانية آلاف مقاتل من المجاهدين، في إشارة واضحة إلى نية الغزو، لولا ضيق الظروف. ولم يَسلم منه أيضًا المشايخ الذين كانوا يعملون تحت حكم ماليتي، ولا يملكون من أمرهم ولا من أمر أهلهم شيئًا، فقال عنهم:

ما اهناك شي شوخة مع ماليتي

شوخة المشايخ كيف شوخة جتّي (جدّتي)

والمطالع لشعر الفرزدق، يجد النبرة نفسها من الفخر والاعتداد، ولعل من أشهر قصائده في هذا السياق قوله:

إنَّ الذي سمكَ السماءَ بنى لنا

بيتًا دعائمه أعزُّ وأطولُ

وأيضًا:

وإذا دعوتُ بني فُقَيمٍ جاءني

مَجْرٌ له العددُ الذي لا يُعدَلُ

والمقارنات والمقاربات في هذا الباب تطول وتتشعّب، ولا يتّسع هذا المقال لحصرها دون إخلال أو تقصير في البحث أو الإعداد أو التعبير. وهذا القدر اليسير قد يفتح الباب أمام مقاربات أخرى، لم يُسلَّط عليها الضوء بعد، وعن إرثٍ ثقافيٍّ لم يُتح لنا جمعه وتبيانه للأجيال القادمة.