سعد العشة: البيضا.. السينما الفوْقيّة في سُباتها القديم
سعد العشة
1
كان ذلك في أوّل العام 2023، حين تورّطتُ في استقصاءٍ أخرق عن صالات السينما في البيضاء. باتت رحلة البحث وقتذاك آخر محطات التصوير في مشروع توثيقي سريع عن السينما في ليبيا. زرتُ اثنتيْن من أطلال الصالات مع المصوّر محمد فرج السعيْطي، الذي لم يتطوّع فقط لعرض خدماته، بل قادني بسيارته.
كنتُ قد عرفت القليل عن الأولى ولا شيء عن الثانية. أقول القليل لأن المبنى ملاصق لعمارة عمّي، خلف مبنى البريد القديم وبمحاذاة مبنى المرور الجديد. بين القديم والجديد، يقبع مبنى السينما في برزخ المعمار، فلم يُهدَم ويُبعَث في حلّة جديدة، ولم يُحيَى كصالة سينما. كنتُ قد شاهدته آخر مرة يحوي ورشة حدادة في جزءه الأيمن. في زيارتي مع محمد، واجهني الباب مقفلًا، وعلى الحائط صفة المكان بطلاءٍ طاله ثقل الطقس: جلسة الأسطورة/ إدارة أبو السّيسي، مع رسمة نارجيلة مائلة.
تلك كانت “السينما اللَوْطيّة” التي تركتها مع تمنياتي كل التوفيق لأبي السيسي. اتّجهنا بعدها إلى “السينما الفوقية” في “السوق الفوقي”، التي لم أعرف حتى مكانها. رَكَن محمد سيارته قرب مبنى قديم يواجه الطريق الرئيسي داخل السوق، لم تستجد عليه سوى لافتة “مدرسة أمل الحياة”، وتيقنتُ أن الأمل لم يكمن داخل المبنى وإنما بمحاذاته أو خلفه أو أمامه. تحت اللافتة، يجابه المارّة بخّاخ الجداريّات الأثير بعبارة “ليبيا اتهاكن”. أمّا عن بوّابات المبنى الثلاث فقد استضفن “ليبيا قلبيه واحده”، “احفاد عمر المختار”، “عاشت ليبيا حرة” (هذه الأخيرة تمزّقت بين طرفي الباب، فظهرت “عا شت ليــــــ بيا حـــــــ ــــــــــــرة”)، “ليبيا عائلة واحدة”.
استرقتُ النظر بين طرفي الباب ورأيتُ صالة سينما بكراسيها وشاشتها. طلبتُ من محمد التقاط ما يمكن التقاطه. على أن الإضاءة لم تُظهر الكثير، فالغروب وشيك بعد الوقت الذي قضيناه مع أبي السيسي. فحصتُ المبنى من يساره ولم أجد فجوة. فحصتُ يمينه، فإذ بي أدخل أرضًا خاصة. فطنتُ لخدشي الحياء العام دون قصد.


كان محمد قد عاد إلى السيارة بعد تصوير المبنى وشباك التذاكر المغلق. في طريقي إلى السيارة، سمعتُ صوتًا يناديني. ألتفتُ وأرى شابًّا موتورًا بصحبة طفل لمحته عيناي في أرض خدش الحياء. سأرمز لكلامه بشرطة (-)، ولكلامي بعلامة تساوي (=):
– إنت من، ويش قصتك، وفيش تدير هنا…؟ (بوادر عراك)
= (أمد يدي لأصافحه) أولًا، أنا آسف كان درت أي شي غلط، وأمسحها في وجي.
– (يصافحني بعد أن تيقّن أنّي إنسان محترم) وين خاش يا حاج؟
= والله سامحني، نحساب الأرض فاضية. أنا مخرج وندير في تقرير عالسينما وجاي مع صاحبي، نصوّرو في المبني. (ألفت رأسي صوب السيارة لأرى إن كان محمد يراقب الوضع في حال نشوب عراك. رأيته، والحمد لله، ينصهر في عالم هاتفه).
أخبرني الشاب أنه كان عازمًا على تسديد اللكمات، لكنه غيّر رأيه لأن “على وجوهها، تشرب لبنها”. ربما لأن شاربي يوحي بأني شخصية مهمة، أو ربما لأني اعتذرتُ من البداية. احتضنتُ لطف الشاب وسألته، من المسؤول عن المبنى؟ فأخبرني أن صاحب المبنى عيت بو غزيّل. شكرته ولم ألحّ في الاستقصاء.
2
لم تراودني المسألة ثانيةً إلا بداية هذا العام. ربطني الصديق المخرج فرج معيوف بالكاتب الشريف بو غزيّل الذي ترأّس هيئة الثقافة في المدينة، فضلًا عن كونه ابن العائلة المشرفة عن المبنى. تكرّم الشريف بإمدادي بكل شيء عن المبنى، بدأً بإنشائه في 1967 (قبل أن ينشئ وزير الإعلام آنذاك، أحمد الصالحين الهوني، صناعة السينما في 1968 وقبل أن تتحوّر الخطة بعدها في 1969).
“أخاطبك بنصفين: بذاكرة شبه واعية، وذاكرة واعية.” يستهل الشريف حديثه فيما خص الشخصي والعام. فالمدينة التي عزّت على العائلة السنوسية باتت مركزًا إداريًّا وحكوميًّا من 1963 وحتى انتهاء الملكية. في طور تحويلها إلى عاصمة مستقبلية، وفد عاملو الدولة ومن لازمهم من نخب إلى الحاضرة الوليدة، ليتلقّفهم هدوء الأحياء وينوع المؤسسات (ظلّت المدينة تُعرَّف في بنغازي بأنها “شارعيْن ودردوحة” لعقود).
ولم تمسِ سينمانا “الفوْقية” -المعروفة أيضًا بسينما “بو غندورة”، نسبة إلى العائلة المالكة- الصالة الوحيدة في المدينة، بطبائع الأحوال؛ فبجانب “اللّوطيّة”، لم يفصل بين سينما “الوحدة العربية” و”الشرقية” سوى بضع أمتار، والصالات الأربع تناثرت في أنحاء المدينة. يتذكر الشريف السينما التثقيفية التي سبقت تدشين الصالات، إذ عرضت الأفلام في ميدان يجابه بيت جده، علي بو غزيّل. كان المواطن سي عبد الله المصري يعرض الأفلام للأطفال والفتيان، من أشرطة وثائقية تعليمية إلى أفلام الأنيميشن.
في الشق الواعي لصباه، يشاركني الشريف الزيارات الكثيرة للصالتيْن الفوْقية واللوْطية، بعروضهما المتنوعة لأفلام هندية دأب الكبار على مشاهدتها، ودأب الفتيان مثله على مشاهدة الأفلام المصرية وأفلام “الكاوبوي” والخيال التاريخي التي يتذكر الشريف منها فيلم “سبارتاكوس” لستانلي كوبريك وسلسلة أفلام “ماشيستي” الإيطالية.
“لقد خلقت ثقافة السينما ثقافة المقاهي”، يسترسل الشريف في حديثه عن تأثير الأفلام في وعي الشباب داخل الصالة وخارجها، واقفًا على أطلال مقهاه الفوْقي بجوار الفوْقية، حيث ملأت “السوق الفوقي” -حاضن الصالة- المقاهي والمطاعم، وانتشرت العدوي إلى باقي الشوارع. ولا يخفي الشريف امتنانه لكل من دشّن هذه الصالات لأنها كانت قطاعًا خاصًّا في حقبة التأسيس؛ امتنانٌ لأولئك الذين فكروا في إنشاء الثقافة في مجتمع أنهكته الإبادة والفقر والأمّيّة.
كان جلّ الحضور من الرجال، بطبائع الأحوال، باستثناء حضور الهنديّات النادر إبّان وفود الجالية الهندية إلى المدينة، لا سيما في سينما “الوحدة العربية” الضخمة بشرفتها المخصصة للعائلات. ورغم استحداث الثقافة السينمائية في المدينة والبلد، فقد احتضنها المجتمع وصارت نشاطًا مسلَّمًا به في الحيّز العام. فحتى بعد إقفالها كصالات سينما، تحولت هذه المباني إلى مسارح وفضاءات للفنون الشعبية وخلافها. مثلًا، تحوّلت الفوْقية إلى مقر “فرقة علي الشعّالية للتمثيل والموسيقى، وبعدها إلى مسرح المختار”، كما أخبرني الشريف. هكذا يشدّد ختامًا على استمرار جيله في استكمال الأعمال الثقافية بعد إلغاء بعضها.

لا أعيرُ اهتمامًا كبيرًا لعراقة المباني بقدر ما أهتم بمضمونها، فلا يهم إن هُدِمَت سينما عتيقة وشُيِّدَت جديدة في مكان آخر (هل يتأسف واحدنا على مؤسسات الدولة القرمانلية المهجورة والمتحوّرة وما سبقها من معمار المماليك والفاطميين وما سبق ذاك إلى أطلال الإغريق؟). على أن هذا التفلسف يفشل في تشخيص حالة السينما الفوْقية، حالها حال الصالات التي احتفظت بشاشاتها وكراسيها في البلد كلّه. أتخيّل الصالة في سباتها عبر عقود الإغلاق والإلغاء، تدخر غبار القبلي صيفًا، وتستضيف حلاوة الطّل القادم من أعالي الجبل ربيعًا وأسفله شتاءً، وهي تقطن و”تقطّن” في خريف الزمن بين الهدم والإحياء.


