دروج Drooj

ذاكرة تُصهر.. أين اختفت الحلي الليبية التقليدية؟

 حوار مع عائشة معتوق السنوسي
أجْرته: عزيزة حسين

تحمل الحلي التقليدية الليبية في تفاصيلها تاريخ المدن وذاكرة العائلات وذائقة المجتمعات المحلية. فالـ”لَبّة” و”الكردان» و”النبيلة” و”السنيبرة” وغيرها من القطع هي في الحقيقة سجل بصري للرموز الاجتماعية وأساليب العيش ومهارات الصاغة الذين تناقلوا هذه الحرفة عبر الأجيال.

غير أن حضور هذه الحلي في أسواق الذهب الليبية تراجع خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع انتشار منتجات مستوردة، ولا سيما من تركيا ودول الخليج. ومع تغير أذواق المستهلكين وارتفاع كلفة الصناعة اليدوية وتناقص عدد الحرفيين، غابت تصاميم ليبية كثيرة عن واجهات المحال، وأخذت أنماط تجارية موحدة مكانها.

يثير هذا التراجع أسئلة تتجاوز تبدل الموضة. ماذا حدث للقطع التي كانت متداولة داخل العائلات والأسواق؟ هل أُعيد صهرها للاستفادة من قيمة الذهب؟ وهل انتقل بعضها إلى مجموعات خاصة داخل البلاد أو خارجها؟

لا تتوافر دراسات وطنية أو قواعد بيانات ترصد حجم اختفاء الحلي التقليدية أو مصير القطع الخارجة من التداول. كما تغيب الإحصاءات التي يمكن أن تحدد ما صُهر منها أو بيع أو خرج من ليبيا. لذلك تظل الإجابات المتداولة في هذا الشأن احتمالات تفتقر إلى التوثيق، بينما يكشف غياب المعلومات نفسه حجم الإهمال الذي يطول هذا الموروث.

وتنطوي خسارة هذه القطع على ما يتجاوز قيمتها المادية. فكل قطعة تحمل نقوشًا ورموزًا وتقنيات صناعة مرتبطة ببيئة اجتماعية ومرحلة تاريخية محددتين. ومع صهرها، تضيع معها معرفة حرفية وشواهد مادية يصعب تعويضها أو إعادة إنتاجها.

في هذا الحوار، تتحدث عائشة معتوق السنوسي، الفنانة التشكيلية ورئيسة جمعية البيت الأصيل للفنون والتراث، ورئيسة النقابة الفرعية للصناعات التقليدية في بنغازي والمنطقة الجنوبية، عن قيمة المجوهرات الليبية التقليدية، وأسباب تراجعها، وغياب توثيقها، وما تراه ضروريًّا لحماية هذا الموروث ونقل مهارات صناعته إلى أجيال جديدة.

كيف تنظرين إلى المجوهرات الليبية التقليدية باعتبارها جزءًا من الهوية الثقافية والتراث الوطني، وليس مجرد حلي للزينة؟

المجوهرات الليبية التقليدية تمثل جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية الليبية، فهي تحمل في تفاصيلها تاريخ المجتمع وعاداته وتقاليده، وتعكس خصوصية كل منطقة من مناطق ليبيا. إنها ليست مجرد أدوات للزينة، بل وثيقة ثقافية تحفظ تفاصيل ذاكرة الأجداد وتجسد مهارة الحرفيين الذين نقلوا هذا الفن وحافظوا عليه عبر الأجيال.

ما الذي يميز الذهب الليبي التقليدي من حيث التصميم، والرموز، وجودة الصناعة، مقارنة بالمجوهرات المستوردة التي تهيمن اليوم على الأسواق؟

يمتاز الذهب الليبي التقليدي بتصاميمه الفريدة المستوحاة من البيئة المحلية، من نقوش وزخارف ونباتات وحيوانات محلية، واعتماده على الزخارف والرموز ذات الدلالات الاجتماعية والثقافية، وأيضًا المرتبطة ببعض المعتقدات، إضافة إلى جودة الصناعة اليدوية التي تمنح كل قطعة شخصية خاصة.

أما المجوهرات المستوردة، فغالبًا ما تعتمد على الإنتاج التجاري الموحد الذي يفتقد هذه الخصوصية، وخاصة أن أغلبه يأتي من خارج البلاد، وهو ينم عن ثقافة المجتمع المصنع للقطع.

من خلال متابعتك للمشهد التراثي، هل تلاحظين تراجعًا واضحًا في وجود المجوهرات الليبية التقليدية داخل محال الذهب؟ وما الأسباب الرئيسية لذلك؟

نعم، هناك تراجع كبير جدًا، فهناك اختفاء تام للصناعات التي تأتي على خلفية ثقافتنا المحلية، مثال: اللبة، والكردان، والنبيلة، والسنيبرة بأنواعها، والحوتة، والقرين، وغيره من المسميات.

ويعود ذلك إلى انتشار التصاميم المستوردة، وارتفاع تكاليف الإنتاج اليدوي، إضافة إلى قلة الحرفيين المتخصصين، باعتبارها مهنة متوارثة، وضعف الاهتمام المؤسسي بتشجيع هذا النوع من الصناعات التراثية.

من خلال خبرتك ومتابعتك لأسواق الذهب، هل تعتقدين أن اختفاء الحلي التقليدية من المحال مجرد تغير في ذوق السوق، أم أن هناك ما يمكن وصفه بسحب الذهب التراثي من التداول؟

أعتقد أن ما يحدث يتجاوز تغير أذواق المستهلكين. فمن الطبيعي أن تتغير الموضة، لكن من غير الطبيعي أن تختفي بهذا الشكل قطع تراثية كانت معروفة ومتداولة في الأسواق. لذلك أرى أن هناك بالفعل تراجعًا واضحًا في تداول الحلي التقليدية، وهو ما يستدعي دراسة جادة لمعرفة أسباب اختفائها، سواء كانت اقتصادية أو مرتبطة بالصهر أو بخروج بعض القطع من السوق، لأننا لا نملك حتى الآن بيانات رسمية توضح مصيرها.

برأيك، أين يذهب الذهب التراثي الليبي بعد اختفائه من الأسواق؟ وهل توجد آليات رسمية تتابع مصير هذه القطع؟

للأسف لا توجد معلومات أو سجلات رسمية يمكن الاستناد إليها للإجابة بشكل قاطع. قد تُصهر بعض القطع للاستفادة من قيمة الذهب، وقد يحتفظ بها أفراد أو هواة اقتناء، وربما تخرج بعض القطع إلى خارج البلاد، لكن هذه تبقى احتمالات تحتاج إلى توثيق وبحث. المشكلة الحقيقية هي غياب قاعدة بيانات وطنية للحلي التقليدية، وهو ما يجعل تتبع مصيرها أمرًا بالغ الصعوبة.

إذا استمرت عملية اختفاء هذه القطع دون توثيق، فما حجم الخسارة التي قد تتعرض لها ليبيا؟

الخسارة لن تكون اقتصادية فقط، بل ثقافية وتاريخية بالدرجة الأولى. فكل قطعة تراثية تضيع أو تُصهر تمثل جزءًا من ذاكرة المجتمع الليبي، لأنها تحمل رموزًا وزخارف وأساليب صناعة تعكس تاريخ مناطق مختلفة من البلاد. وإذا فقدنا هذه القطع، فلن نفقد الذهب فقط، بل سنفقد شواهد مادية على جزء من هويتنا الوطنية.

هل تعتقدين أن ليبيا بحاجة إلى مشروع وطني لحصر وتوثيق الحلي التقليدية قبل أن تختفي نهائيًا؟ وما الذي ينبغي أن يشمله هذا المشروع؟

بالتأكيد، وهذا أصبح ضرورة ملحة. ينبغي أن يبدأ المشروع بحصر وتوثيق القطع التقليدية الموجودة لدى المتاحف والأسر والصاغة، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية تتضمن صورًا ومعلومات دقيقة عن كل قطعة، إلى جانب تشجيع اقتناء النماذج النادرة من قبل المتاحف، ودعم الحرفيين لإعادة إنتاج التصاميم التقليدية، ووضع ضوابط لحماية القطع ذات القيمة التاريخية من الصهر أو الفقدان، حتى تبقى جزءًا من الذاكرة الثقافية الليبية.

إلى أي مدى يمثل اختفاء المجوهرات التقليدية خسارة للذاكرة الثقافية الليبية وللأجيال القادمة؟

اختفاء هذه المجوهرات يعني فقدان جزء مهم من الذاكرة الوطنية، لأنها تحمل نقوشًا ورموزًا وقصصًا تعكس تاريخ المجتمع الليبي. وإذا اندثرت، ستفقد الأجيال القادمة فرصة التعرف على جانب مهم من تراثها الثقافي.

هل تعتقدين أن إعادة صهر القطع التقليدية أو خروجها من البلاد يشكل تهديدًا حقيقيًا للتراث الليبي؟ وكيف يمكن الحد من ذلك؟

بالتأكيد، لأن إعادة الصهر تؤدي إلى ضياع قطع فريدة يمكن أن تكون قطعًا أثرية نفيسة لا يمكن تعويضها، كما أن خروجها إلى خارج البلاد يحرم ليبيا من جزء من إرثها الثقافي.

ويمكن الحد من ذلك من خلال توثيق القطع التراثية من الجهات ذات العلاقة، وتشجيع اقتنائها من قبل المتاحف، ووضع ضوابط لحماية القطع ذات القيمة التاريخية.

برأيك، لماذا أصبحت التصاميم الخليجية والتركية أكثر حضورًا في السوق الليبية، بينما تراجعت التصاميم المحلية؟

يرجع ذلك إلى قوة التسويق، وتأثر المستهلكين بالموضة العالمية، وسهولة استيراد هذه المنتجات، مقابل ضعف الاستثمار في تطوير وتسويق التصاميم الليبية، وعدم مواكبتها في بعض الأحيان للاتجاهات الحديثة.

هل ترين أن هناك تقصيرًا من الجهات الثقافية والرسمية في توثيق المجوهرات الليبية التقليدية وحمايتها من الاندثار؟

أعتقد أن هناك حاجة إلى جهود أكبر في مجال التوثيق والحماية، وخاصة وزارة الثقافة، سواء من خلال الدراسات العلمية أو إنشاء قواعد بيانات ومعارض دائمة، لأن هذا التراث يستحق اهتمامًا مؤسسيًا يضمن استمراريته.

ما الدور الذي ينبغي أن تقوم به وزارة الثقافة، ومصلحة الآثار، والمتاحف في حفظ هذا الموروث وتوثيقه؟

ينبغي أن تعمل هذه المؤسسات على توثيق المجوهرات التقليدية، ودعم البحوث المتخصصة، وتنظيم معارض داخل ليبيا وخارجها، وتشجيع الحرفيين، وإدراج هذا التراث ضمن البرامج التعليمية والثقافية. فمثل هذه البرامج تساهم في توعية المواطنين بأهمية الحفاظ على هذا الموروث الثقافي الزاخر والكبير.

كيف يمكن تشجيع الصاغة والحرفيين على إحياء صناعة المجوهرات الليبية التقليدية ونقل مهاراتها إلى الأجيال الجديدة؟

من خلال توفير برامج تدريب، ودعم الورش الحرفية، وتقديم حوافز مالية، وتنظيم مسابقات ومعارض، وربط الحرفيين بالمصممين الشباب لإنتاج نماذج تجمع بين الأصالة والابتكار.

هل يمكن تطوير التصاميم التقليدية لتواكب الموضة المعاصرة، مع الحفاظ على روحها وهويتها الأصلية؟ وكيف يمكن تحقيق هذا التوازن؟

نعم، وهذا أمر ضروري. يمكن استلهام العناصر والزخارف التقليدية وإعادة تقديمها بأساليب عصرية تناسب مختلف الفئات، مع الحفاظ على الرموز والهوية البصرية التي تميز المجوهرات الليبية.

ما أهمية إقامة معارض، أو مسابقات، أو برامج تدريبية متخصصة في المجوهرات التراثية لإعادة الاعتبار لهذا الفن؟

هذه المبادرات تسهم في التعريف بالموروث الليبي، وتشجع الحرفيين على الإبداع، وتلفت انتباه الشباب إلى قيمة هذا الفن، كما تفتح فرصًا اقتصادية وثقافية تسهم في استدامته.

إذا استمر تراجع المجوهرات الليبية التقليدية من الأسواق، فما الذي قد تخسره ليبيا على المستويين الثقافي والتاريخي؟

ستخسر ليبيا جزءًا من هويتها الثقافية ومن ذاكرتها التاريخية، كما ستفقد إحدى أهم الصناعات التقليدية التي تعكس تنوعها الحضاري، وهو ما سيؤثر في حفظ التراث ونقله إلى الأجيال المقبلة.

ما الرسالة التي تودين توجيهها إلى صناع القرار، والصاغة، والباحثين، والمجتمع الليبي، من أجل حماية المجوهرات التقليدية وإعادة إحيائها بوصفها جزءًا أصيلًا من الهوية الليبية؟

رسالتي هي أن المجوهرات الليبية التقليدية ليست مجرد مصنوعات ثمينة، بل هي جزء من تاريخنا وذاكرتنا وهويتنا الوطنية. وحمايتها مسؤولية مشتركة تتطلب تعاون المؤسسات الرسمية، والحرفيين، والباحثين، ووسائل الإعلام، والمجتمع بأكمله، حتى تبقى حاضرة في حياتنا وتنتقل بكل قيمها الجمالية والثقافية إلى الأجيال القادمة.

Share This Article

منشورات ذات صلة

 حوار مع عائشة معتوق السنوسيأجْرته: عزيزة حسين تحمل الحلي التقليدية الليبية في تفاصيلها تاريخ المدن وذاكرة العائلات وذائقة…

تحت غطاء "تحديث التشريعات وسد الفجوات القانونية"، استحدث مجلس وزراء حكومة الوحدة في 15 يناير 2025 القرار رقم…

يشكل الساحل الليبي الممتد لأكثر من 1750 كيلومتر، الملاذ الطبيعي الأكبر والحضانة البيئية الأهم للسلاحف ضخمة الرأس (Caretta…

حوار عزيزة حسين مع عبد العزيز الحسناوي في أقصى الجنوب الليبي، تختزن مدينة غات ذاكرة قرون من حركة…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.