منصور عاطي: “لزّوا العبيد”.. مكاشفة بشأن الهجرة والعنصرية
نتابع هذه الأيام موجة العنصرية التي تضرب أطنابها في المجتمع ومسؤوليه وبعض من كتّابه ومثقفيه، وكمشة من ناشطيه ومشهوريه، تستهدف المهاجرين الذين جاؤوا إلى ليبيا من هول ما عانوه ويعانوه في بلدناهم، قاصدين الدول الأوروبية إلا أن السُبل تقطعت بهم، والدروب سُدت أمامهم من قبل خفر السواحل الليبي الذي يمنعهم من العبور مقابل بضعة دولارات من حكومات الاتحاد الأوروبي، ليجدوا انفسهم فرائس طرية للتحريض والتجريم والوصم والعنف والنظرة الدونيّة. وهنا أود ان أهمس في أذن كل ليبي بضع كلمات لعلها تجد طريقها إلى العقول التي تؤمن بالفهم والنقاش، ولا حاجة لأحد بأن يشتمني أو أن يسارع إلى تخويني؛ هذه فقط كلمات يجب أن تُقال إنصافًا للإنسانية لا لشيء آخر..
حافظوا على ما تبقى من إنسانية!
قبل أن نتحدث عن الحقوق من عدمها، يجب أن نتفهم الأوضاع الإنسانية التي أجبرت هؤلاء المهاجرين على الخروج من بلدناهم، وماهية المخاطر التي تعرضوا لها في رحلة وصولهم المُضنية إلى بلادنا، لنتفهم هذا أولاً ونضع انفسنا مكانهم، ونضع التعميم جانبًا كي نستطيع ان نفكك المشكلة ونحللها بشكل منصف وإنساني. وقبل أن نُعدد مخاطر تواجدهم، علينا أن نعدد مخاطر الانتهاكات التي تحدث ضدهم، وكذلك مسؤولية من يتاجر بهم، ويتاجر بنا من خلال التصريحات والعواجل الكاذبة. نحن في ليبيا تعرضنا لمواقف مشابهة، تقاذفتنا الحدود بين هاربٍ ومُشرد ومطلوب، كان من الأجدر ان نتفهم هذه الأزمة من منطلق “لمجرّب” وليس بهذه النزعة الدونية. يجب أن لا تنطلي علينا أكاذيب “صغار النازيّة” من مدونين وناشطين، ليظهروا لكم ورقة “طالب اللجوء” على أنها ورقة لإعادة التوطين؛ إعادة التوطين يتم في بلد آمن يحترم حقوق الإنسان ويوفر العيش الكريم ولا يوجد به سجون ومجرمين يرتدون زيًا عسكريًا.. هذه الورقة هي لضمان عدم ترحيلك إلى بلدك إلى أن يتم نقلك إلى بلد آخر.
هل حقًا يريدون البقاء هنا؟
أغلب المهاجرين لا يريدون البقاء في ليبيا، ولكنهم لا يريدون الرجوع لبلدانهم. يجب أن نعي هذا ونتخلص من الأوهام النازيّة التي تتربع في عقولنا، وأننا في ليبيا نتعرض لمخطط تآمري وأن العالم أجمع يريد غزونا وسلب خيراتنا، لا وجود لهذا الوهم! على الأقل في هذه القضية. المهاجرون أناس يبحثون عن حياة كريمة وليس عن بلد يحتلونه، ولو سألتم أبناءكم المُهربين الذين يمتهنون مهنة جلب المهاجرين بطرق غير نظامية منذ الأزل، لقالوا لكم أنهم يأتون في ظروف قاسية ويدفعون “دم قلوبهم” كي يقطعوا مئات الكيلو مترات من أجل حلم الوصول إلى شواطئ لامبيدوزا أو غيرها من الجزر، ولكن هذا الحلم غالبًا ما يتم دفنه في الصحراء القاحلة مع جثثهم في صحراء الكفرة أو شقيقتها مزْدة، أو أن يُزج به في السجون التي تُسمى زورًا وبهتانا “مراكز إيواء”، ليتم اغتصاب الحلم أيضًا! ولكن تكاثرهم في ليبيا الآن، ليس لكونهم يفضلّون البقاء، بل لأن إيطاليا تريد ذلك، وأنتم لا تستطيعون فعل شيء حيال إيطاليا التي عاملتنا يومًا ما بنفس الفاشيّة التي نطالب بتطبيقها الآن على المهاجرين، نحن أبناء دائرة العنف الأولى لا ننفك عن تمرير الإساءة وتدوير الظلم عندما نعجز عن إيقافه.
الشيطنة بناء على العرق واللون
إذا ما أردنا الحديث عن المهاجرين وكذلك اللاجئيين وطالبي اللجوء، فهو أمر يشمل جميع الناس دون استثناء، ومن جميع الدول، ولكن ما نشهده اليوم من حملة تحريض وعنف لفظي قابل للتطور سريعًا إلى جسدي، نجده موجّهًا ضد المهاجرين الأفارقة السود فقط، في المقابل بادرعبد الحميد الدبيبة بفتح مركز إيواء المهاجرين العرب “خمس نجوم”، بينما “السود والبنغلاديش” فهم يعيشون في ظروف غير إنسانية بتاتًا! ومهما كانت الأعذار التي قد يتفوه بها أحدنا كي يبرر هذا التمييز المبني على العرق واللون، يظل “سقطة أخلاقية” تستمد بقاءها من ممارسات القرون الوسطى.. وفي هذا استوقفني تعبير لأحد من تقلدوا مناصب ثقافية رفيعة المستوى في ليبيا، معلقًا على الموضوع وناصحًا بأن لاتتم “المصادمة مع الأفارقة وخاصّة المسلمين منهم”.. هذه القضية معقدة لدرجة أن ينبّه “المثقف الرفيع” ويستثني المسلمين من هذا الخطاب دون غيرهم ليخصّهم بالمعاملة الحسنة.
وبمتايعة التعليقات على السوشال ميديا تفوح علينا رائحة العنصرية التاريخية التي نرفض الاعتراف بمدى عمقها في ثقافتنا المحلية؛ من قبيل “العبيد ضروري يروحوا” هذوم مجرمين وبكرة يقولوا هذي بلادنا”، وكذلك صور مصممة بالذكاء الاصطناعي توحي بأن السود سيقومون بحرق كل شيء، ويتم ابتلاعها وتصديقها بتقنية “الغباء الطبيعي” المخجل، ليتعدى الأمر المطالبات بالخروج ضد “العبيد”، بل تجاوزه لدعوات تطهير وطرد كل الأفارقة وملاحقتهم ” زنقة زنقة ” حتى تتطهر ليبيا من “الأفارقة السود أحفاد اليميم”، الذين جلبوا لنا الجريمة صحبة شيطان أعور ذي قرنين، وعلى صدره تميمة يريد أن يسحر بها الليبيّين الغارقين في النعيم والثراء الفاحش والسلام الدائم.
مزاجية الحقوق وانتقائية التنديد
منذ خمسة عشر عامًا والمهاجرون في ليبيا يعانون شتى صنوف العذاب والقهر والانتهاكات، كالقتل والإجبار على ممارسة الجنس والتعذيب والسُخرة والإتجار، ويحدث كل ذلك في مراكز الاحتجاز نفسها وعلى طول الطرق المؤدية للمجهول، وشهدنا عليه في مقاطع مصورة تُدمي القلوب، ولكننا لم نرى آلامًا شعبية ودعوات للخروج بـ”جمعة وقف الظلم والانتهاك”، لم نسمع تنديدًا واحدًا بقادة المليشيات والأجهزة الأمنية الذين يستخدمون المهاجرين لقضاء الأعمال الشاقة في مزارعهم بدون مقابل، أو أي تحرك أمني ضد المهربين وقادة الاتجار بالبشر وتجار المخدرات الذين يستخدمون المهاجرين لترويج بضاعتهم.
أعلم أن الجميع يغض الطرف مقابل الأموال التي يجنونها من التجارة المُحرمة، وتصمت الأجهزة الأمنية عنهم مقابل الأموال التي تأخذها من الاتحاد الأوروبي وحكوماته، وأنا على يقين ان الشعب سيصمت إن أراد قادة المليشيات لهذا الأمر أن يستمر.. على ما يبدو، لا قدرة لنا إلا على ظلم الفئات الهشّة، أو لعله عقدة نفسيّة تتمثل في إعادة تدوير الظلم الذي نعيشه أنفسنا، وهو ما ذكره الروائي سعود السنعوسي في روايته (ساق البامبو): “كل طبقة اجتماعية تبحث عن طبقة أدنى تمتطيها، تحتقرها وتتخفف بواسطتها من الضغط الذي تسببه الطبقة الأعلى فوق أكتافها هي”. وهذا لكم يفسر الحملة التي تُحرض على طرد المهاجرين، وهي ذات الحملة التي سيركب موجتها قادة المليشيات لتصفق لهم الأمة لهم باسم الوطنية، القادة ذاتهم ممن يقتلون أبناءكم كل يوم خلف أسوار معتقلاتهم وسجونهم.
رسالة من أعماق القهر
أيّها الإخوة المهاجرون، نحن هنا في ليبيا لا نستطيع أن نفعل لكم شيء حيال ما تتعرضون له من غرقٍ واضطهاد ومعاملة غير كريمة. نعلم أننا نعترضكم كل مرة ونعيدكم إلى “وطننا”، لنجبركم على غسل الصحون وكنس الغُرف، ثم نترككم تركبون البحر لتغرقوا عند أول موجة بحر غاضبة من ليبيا، ونودعكم وأنتم تموتون بشكل مؤلم، يحرق صدوركم الملح.. ثم تموتون. ولا نملك لكم نحن عبر رحلتكم المضنية سوى التحريض والتنميط والشتم، و بضعة صحون للغسل، وسجن وسجّان جاهز لاغتصاب اي شيء مقابل الشعور بنشوة الانحطاط، وشرطي جوازات يمرركم مقابل “200” دينار ثم يدعوا لكم برحلة موفقة وخالية من “الملح” . لأننا في الواقع نحن أيضاً نغرق داخل ليبيا، ولكنه غرق من نوع آخر؛ نغرق في دمائنا وفي وحل أزماتنا الأخلاقية، ولا نستطيع أن نفعل حيال أنفسنا ولا حيالكم شيئًا سوى الدعوات الطيبة وبعض النوايا الخبيثة والاستغلالية. وإذا فكرنا يوماً ما أن نمد لكم يد العون لننتشلكم من “الغرق”، فاعلموا وقتها أننا توقفنا عن الغرق داخل ليبيا، وأصبحنا شعباً قادرًا على غسل صحونه ويكنس غرفته معتمدًا على نفسه وإنسانيته. أما بضعة الملايين التي يصرفها الاتحاد الأوربي لليبيا لتوفير الإمكانيات التي تساعدنا على قتلكم، فسوف تنتهي يومًا ما، وستبقى الحقيقة وحدها.
أتريدون وقف الهجرة ومنع التوطين حقًا؟
عليكم إذًا بمكافحة نشاطات وهوايات أبنائكم الذين يمتهنون “الاتجار بالبشر” في الكفرة والعسّة ومزدة، اوقفوا حركة التهريب، وافرغوا “الهناقر” المعبأة حتى حافتها في بني وليد، وتوقفوا عن استغلال المهاجرين في مزارعكم بشكل غير قانوني من قبل قادتكم، ولا تجعلوهم يعملون بالسُخرة في المعسكرات والمعتقلات الأمنية في كافة التراب الليبي. عليكم كذلك منع خفر السواحل الليبي من ملاحقتهم وسط البحر وإرجاعهم إلى السجون في ليبيا، لكي تمارس ضدهم أفعال التعذيب والسادّية الجنسية. عليكم بملاحقة وتفكيك شبكات الاتجار بالبشر التي يرأسها ضبّاط وقادة مليشيات، وأن تحافظوا على حدودكم لا أن تستغلوها لتهريب البشر والوقود والزيت وكل ما هو مدعوم من الدولة، وأن تقفوا في وجه حكوماتكم وقادتكم المنبطحين والمتواطئين مع حكومات أوروبية مقابل تثبيت قمعهم وتسلطهم عليكم، وبضعة ملايين أخرى لشلل الميليشيات الجائعة. أمّا المهاجرون أنفسهم ، فلم يطلبوا منكم سوى العبور إلى من امتصوا كل قطرة خير من تراب بلدانهم، ونصّبوا عليهم ذئابًا متوحشة وفاسدة كالتي نصّبوها فوق رؤوسكم.
11 تعليقات