أمل الغيثي: أبناء الليبيات في المنطقة الرمادية
في ليبيا، لا تزال رابطة الجنسية تُدار بوصفها أداة ضبط سيادي أكثر من كونها رابطة حقوق، حيث يُقدَّم تنظيمها في الخطاب الرسمي باعتبارها مسألة أمن قومي وسيادة وطنية، لا مسألة مساواة دستورية. ويتجلّى هذا المنطق بوضوح في وضع أبناء وبنات الليبيات المتزوجات من غير ليبيين، الذين يُتركون عمدًا في منطقة قانونية رمادية، بين انتماء فعلي للدولة وغياب الاعتراف القانوني الكامل بهم.
ورغم أن الأم الليبية كاملة الأهلية القانونية، فإن هذه الأهلية تتقلص بصورة لافتة حين يتعلق الأمر بنقل جنسيتها إلى أبنائها. هذا التناقض لا يعكس خللًا تشريعيًا فحسب، بل يكشف تصورًا أمنيًا غير مُعلَن للمواطنة، يُقاس فيه الانتماء بمعايير الدم الأبوي والافتراضات الوقائية، لا بالواقع الاجتماعي ولا بمبدأ المساواة أمام القانون.
الإطار القانوني المنقوص حين يُحوَّل الحق إلى استثناء
ينظم القانون رقم (24) لسنة 2010 بشأن الجنسية الليبية رابطة الانتماء الوطني على أساس حق الدم من جهة الأب. إذ تنص المادة (3) على أن كل من وُلد لأب ليبي يُعد ليبيًا بقوة القانون، سواء وُلد داخل ليبيا أو خارجها، وبغض النظر عن جنسية الأم. في المقابل، تجاهل المشرّع الاعتراف بحق الدم من جهة الأم، ما أرسى تمييزًا تشريعيًا صريحًا على أساس الجنس.
ولسد هذه الفجوة، جاءت المادة (11) بنص جوازي يتيح منح الجنسية لأبناء وبنات الليبيات المتزوجات من أجانب وفق شروط تحددها اللائحة التنفيذية، غير أن هذا النص لم يُلغِ التمييز، بل أعاد إنتاجه في صورة مسار إداري معقّد، مشروط، وغير مضمون النتائج، حيث تحوّل الحق إلى استثناء إداري خاضع للسلطة التقديرية.
وقد اشترطت اللائحة التنفيذية موافقات متعددة (اجتماعية، إدارية، وأمنية)، وأبقت القرار النهائي في يد الجهات المختصة بصيغة تقديرية شبه مطلقة، ما جعل منح الجنسية مرتبطًا باعتبارات غير مُعلنة، تُدرج غالبًا تحت مظلة فضفاضة اسمها “المصلحة العامة” أو “الأمن القومي”، دون معايير واضحة أو آليات رقابة.
السردية الأمنية: افتراض بلا سند منشور
يُدار ملف جنسية أبناء الليبيات في ليبيا ضمن سردية أمنية غير مكتوبة؛ لا تظهر في نصوص رسمية، لكنها حاضرة بقوة في الممارسة. تقوم هذه السردية على افتراضات مفادها أن زواج الليبيات من أجانب قد يُحدث خللًا ديموغرافيًا، وأن أبناء هذا الزواج قد يحملون ولاءات مزدوجة أو يُشكّلون ثغرة أمنية، خاصة في ظل الهجرة غير النظامية وهشاشة الحدود.
غير أن هذا الخطاب، رغم ثقله السياسي، لا يستند إلى بيانات رسمية منشورة أو تقييمات أمنية مُعلنة، بل يعتمد في الغالب على قراءات انتقائية لمخاوف اجتماعية عامة. فالدراسات الميدانية، ومنها دراسات مسحية حول زواج الليبيات من أجانب في الجنوب الليبي، تُظهر وجود تحديات اجتماعية واقتصادية حقيقية، لكنها لا تُثبت أن نقل الجنسية للأبناء يُشكّل تهديدًا أمنيًا. بل على العكس، تشير النتائج إلى أن غياب الوضع القانوني الواضح هو العامل الأكثر إنتاجًا للمخاطر.
وتكشف هذه الدراسات أن عددًا معتبرًا من الأزواج الأجانب دخلوا ليبيا بطرق غير نظامية، وأن نسبة كبيرة من الأبناء لا تحمل جنسية واضحة، لا من جهة الأب ولا من جهة الأم. إلا أن التعامل مع هذه المعطيات بمنطق أمني وقائي أدى إلى نتيجة عكسية: إبقاء الأبناء في خانة “الأجانب” داخل وطن أمهاتهم، بما ترتب عليه صعوبات في التسجيل المدني، عراقيل في التعليم والعمل، وهشاشة قانونية تجعلهم أكثر عرضة للتهميش والاستغلال.
من النص إلى الواقع: شهادات النساء وعمل المجتمع المدني
لا يبقى التمييز القائم في قانون الجنسية الليبي حبيس النصوص، بل يتجسّد بوضوح في الممارسة اليومية، وهو ما تؤكده شهادات النساء المتضررات وعمل منظمات المجتمع المدني التي تعمل مباشرة مع الليبيات المتزوجات من غير ليبيين وأبنائهن.
في هذا السياق، تقول آمال الناني، مؤسسة منظمة (ليبية وابني غريب): إن الإشكال “لا يكمن فقط في النص القانوني، بل في طريقة تعامل الدولة مع الأم الليبية باعتبارها استثناءً لا مواطنة كاملة الحقوق”. وتوضح أن المنظمة تعمل منذ تأسيسها على الدعم القانوني، التوثيق، والمناصرة، وقد تعاملت مع أكثر من 500 عائلة داخل ليبيا وخارجها، جميعها تواجه الإشكالية نفسها: حق قانوني مُعلّق باسم الأمن القومي.
وتشير الناني إلى أن القانون رقم (24) لسنة 2010، رغم إتاحته مسارًا نظريًا لمنح الجنسية، “فتح بابًا واسعًا للسلطة التقديرية، ما حوّل الحق إلى منحة، وربطه باعتبارات غير منصوص عليها قانونًا، أبرزها الموافقات الأمنية”. وتضيف أن المنظمة تمتلك بيانات موثّقة حول طلبات الجنسية المقدّمة، والمقبولة، والمرفوضة، إلا أنه لم يُقبل أي ملف فعليًا بعد صدور قرارات الحكومة الأخيرة، ما يعكس حالة جمود عملي لا تفسير قانوني معلن لها.
العراقيل الإدارية.. وحين يصبح الرفض بلا قرار
من واقع عملها الميداني، ترصد منظمة (ليبية وابني غريب) جملة من العراقيل الإدارية، من بينها إسقاط القيد المدني عن بعض الليبيات بعد زواجهن من غير ليبيين، ورفض تسجيل الأبناء رغم وجود نصوص قانونية تسمح بذلك.
وتؤكد الناني أن “غالبية الطلبات لا تُرفض بقرارات مكتوبة، بل شفهيًا، أو تُترك في دائرة المماطلة تحت مسمى (قيد الدراسة)”، ما يحرم النساء من حق الطعن القضائي، ويُفرغ مبدأ التقاضي من مضمونه. وتعتبر هذه الممارسة شكلًا من الرفض غير المباشر، ومخالفة صريحة لمبدأ المشروعية الإدارية، حيث تُمارَس السلطة دون تسبيب، ودون إمكانية للمساءلة.
“ابني ليبي.. لكن الدولة لا تراه كذلك”
بهذه العبارة تختصر عشرات النساء الليبيات معاناتهن اليومية مع منظومة قانونية لا تعترف بأبنائهن، رغم انتمائهم الواقعي للمجتمع الليبي. فالهشاشة القانونية لا تظهر فقط في النصوص، بل تتجسد في تفاصيل الحياة اليومية، حيث يتحول غياب الاعتراف القانوني إلى شكل من أشكال الإقصاء الممنهج.
داخل قاعات التدريب التابعة للمنظمة الوطنية لأمازونات ليبيا في مدينة بنغازي، حيث تخضع عشرات النساء لدورات مهنية تهدف إلى تمكينهن اقتصاديًا، تتقاطع القصص عند نقطة واحدة: غياب الاعتراف القانوني بالأبناء، وما يترتب عليه من حرمان من الحقوق الأساسية، بدءًا من التعليم والرعاية الصحية، وصولًا إلى الحق في الانتماء والاعتراف.
من بين هؤلاء أم المعتصم (39 عامًا)، ليبية تزوجت من مصري وأنجبت طفلًا، قبل أن يغادر الزوج البلاد، تاركًا إياها في مواجهة مباشرة مع واقع اجتماعي وقانوني قاسٍ. تقول:
“اضطريت نرجع لبيت أهلي، وكل يوم كنت نحس إني عبء.. مش بس ماديًا، حتى اجتماعيًا. ابني ما قدرش يدخل مدرسة حكومية بسهولة، وكل مرة نسمع نفس الجملة: ما عندش جنسية”.
وتضيف أن المعاناة لا تقف عند حدود التعليم، بل تمتد إلى المجال الرياضي والاجتماعي، حيث رُفض انضمام نجلها إلى منتخب ليبيا تحت 17 سنة، رغم موهبته، بسبب عدم امتلاكه هوية وطنية. في هذا السياق، لا يصبح غياب الجنسية مجرد مسألة إجرائية، بل أداة إقصاء تحرم الطفل من فرص التطور والاندماج، وتحوّل الانتماء الواقعي إلى وضع قانوني هشّ.
تعكس هذه الشهادة كيف يُترجم التمييز التشريعي والإداري إلى أثر نفسي واجتماعي مباشر، ليس فقط على الأبناء، بل على الأمهات أنفسهن، اللواتي يجدن أنفسهن في موقع “المواطنة الناقصة” حين يتعلق الأمر بحقوق أبنائهن، رغم اكتمال أهليتهن القانونية وفق الدستور والقانون.
قرار 902 لسنة 2022: تسكين إداري لا معالجة قانونية
ترى منظمة (ليبية وابني غريب) أن قرار مجلس الوزراء رقم (902) لسنة 2022، رغم ما وفّره من تسهيلات في التعليم والعلاج، لم يُحدث تحولًا جوهريًا في وضع أبناء الليبيات. فبحكم صدوره عن سلطة تنفيذية، يمكن إلغاؤه أو تعديله بقرار مماثل، ولا يُنشئ مواطنة ولا حقوقًا سياسية، بل يُستخدم أحيانًا كذريعة لتأجيل تعديل قانون الجنسية نفسه.
وتحذّر المنظمة من أخطر نتيجة لاستمرار الوضع الحالي، والمتمثلة في إنتاج فئة “بدون” داخل ليبيا، لا تحمل أي جنسية، ما يهدد الاستقرار الاجتماعي ويُراكم أزمة قانونية مؤجلة.
بين النص والواقع
تكشف هذه الوقائع، مقرونة بالتحليل القانوني والشهادات الميدانية، أن الإشكال لا يكمن في غياب النصوص فحسب، بل في تصوّر الدولة للمواطنة. فالمرأة الليبية، رغم مساواتها للرجل في الواجبات، تُعامل كمصدر خطر محتمل حين يتعلق الأمر بأبنائها.
ويتعارض هذا التمييز مع الإعلان الدستوري الليبي، كما يتناقض مع التزامات ليبيا الدولية، وعلى رأسها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو). وعليه، فإن الحل الجذري لا يكمن في معالجات إدارية مؤقتة، بل في تعديل قانون الجنسية بما يقر بحق الدم من جهة الأم والأب معًا، وينهي الطابع الجوازي والتمييز الإجرائي، ويعيد تعريف المواطنة كرابطة حقوق وانتماء، لا كأداة ضبط اجتماعي.
فحين تُدار المواطنة بمنطق الشك لا تحمي الدولة نفسها، بل تُنتج هشاشة مؤجلة.
وأبناء الليبيات ليسوا مخاطر محتملة، بل مرآة حقيقية لاختبار عدالة الدولة وقدرتها على تحويل الانتماء الواقعي إلى اعتراف قانوني كامل.


