حرب القوانين في ليبيا: جذور الأزمة القضائية وتداعياتها
لا يمكن فهم الانقسام القضائي الخطير اليوم بمعزل عن تراكمات عقدٍ من الصراع؛ فما يعيشه القضاء الليبي حاليًا، والمتمثل في ما يُعرف بـ”حرب القوانين” بين المحكمة العليا ومجلس النواب، ليس وليد اللحظة، بل هو فصل جديد من صراع بدأ منذ عام 2014، حيث تحوّل القضاء من فصلٍ بين الخصومات إلى طرفٍ في قلب العاصفة.
تعود جذور الأزمة إلى 6 نوفمبر 2014، حين أصدرت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا حكما تاريخيا قضى بحلّ مجلس النواب لعدم دستورية انتخابه. ذلك الحكم وضع البرلمان في مواجهة “وجودية” مع القضاء، مما خلق حالة من الجفاء المؤسسي استمرت لسنوات، وظلّت السلطة التشريعية تنظر إلى الدائرة الدستورية في طرابلس بريبة سياسية، معتبرةً أحكامها خاضعة لضغوط الأمر الواقع.
بعد سنوات من الخمود، انتقل الصراع من الرفض السياسي إلى “التغيير التشريعي”. وبدأت المرحلة الأخطر في ديسمبر 2021، عندما أصدر مجلس النواب القانون رقم (11) بشأن تعديل بعض أحكام قانون نظام القضاء، والذي استهدف مباشرة هرمية السلطة القضائية عبر انتزاع رئاسة المجلس الأعلى للقضاء من رئيس المحكمة العليا.
حيث توالت بعد ذلك القوانين رقم (22) و(32) لسنة 2023 بتعديل ذات القانون، في محاولة لترسيخ هذا التشكيل الجديد، وتُوِّجت بإصدار القانون رقم (5) لسنة 2023 بإنشاء “محكمة دستورية” في بنغازي، لتكون بديلاً للدائرة الدستورية، في خطوة رآها الحقوقيون محاولةً لتقسيم العدالة جغرافيا وتجريد المحكمة العليا من أنيابها الرقابية.
في مطلع عام 2026، جاء الرد القضائي حاسمًا؛ فمن خلال حكم شارك فيه نحو 16 مستشارًا، أعلنت الدائرة الدستورية عدم دستورية تلك القوانين في بعض موادها المتعلقة بتشكيل المجلس الأعلى للهيئات القضائية. وبموجب هذا الحكم، استعاد المستشار عبد الله أبو رزيزة مهامه رئيسًا للمجلس الأعلى للقضاء، معلنا بطلان كل ما صدر عن البرلمان من تعديلات مست كيان السلطة القضائية.
استندت المحكمة في حكمها إلى مبدأ “الفصل بين السلطات”، مؤكدة أن ولاية البرلمان في المرحلة الانتقالية محصورة في التشريعات الضرورية، ولا تمنحه حق تفصيل القوانين القضائية بما يخدم مصالحه السياسية.
ورغم القوة القانونية للحكم، إلا أنه كشف عن تصدعات داخلية؛ حيث تظاهر بعض أعضاء الهيئات القضائية رفضًا لهذا الحكم، مما ينذر بانتقال عدوى التشظي السياسي إلى آخر معاقل الوحدة الليبية.
ما يحدث اليوم في أروقة القضاء ليس مجرد نزاع على كراسي الرئاسة في المجلس الأعلى للقضاء، بل هو صراع على مرجعية الدولة. فإصرار السلطة التشريعية على تطويع القضاء يقابله إصرار قضائي على حماية استقلاليته، ولكن في ظل غياب دستور دائم، يظل القضاء هو الضحية الكبرى لهذا الصراع، مما يهدد بتعطيل المرفق العدلي وضياع حقوق المواطنين في المنطقة الرمادية بين تشريعات البرلمان وأحكام القضاء.
يرى المحامي مالك شمبش أن أحد أخطر إفرازات الانقسام القائم، خاصة خلال مرحلة ازدواج السلطة التشريعية بين مجلس النواب والمؤتمر الوطني العام سابقًا، تمثّل في الفوضى التشريعية الناتجة عن صدور قوانين متطابقة في الرقم والسنة عن جهتين مختلفتين. ويستشهد في هذا السياق بالقانون رقم (6) لسنة 2015 المتعلق بتعديل بعض أحكام قانون نظام القضاء، الصادر عن المؤتمر الوطني العام والطعين بعدم الدستورية، مقابل قانون آخر صدر في العام نفسه وبالرقم ذاته عن مجلس النواب بشأن العفو العام، وهو ما خلق – بحسب شمبش – حالة من الالتباس لم تقتصر على الرأي العام، بل امتدت حتى إلى الأوساط القانونية نفسها.
ويذهب شمبش إلى أن الأزمة لا تتوقف عند حدود تعطيل حكم أو الالتفاف عليه، بل تتجاوز ذلك إلى ما هو أعمق، وهو تشظّي المرجعية الدستورية ذاتها. فوجود محكمة دستورية في بنغازي، في مقابل استمرار الدائرة الدستورية للمحكمة العليا في طرابلس، لا يمكن فهمه كاختلاف فقهي أو تنظيمي، بقدر ما يعكس حالة انعدام قانوني بالمعنى الدستوري.
ويحذّر من أن هذه الازدواجية دفعت المواطن الليبي إلى مربع انعدام الأمن القانوني، حيث بات من غير الواضح أي حكم دستوري يُعتد به، وأي قانون يُطبَّق، وأي جهة يمكن اللجوء إليها عند النزاع.
أما عن تعديل قانون القضاء، فيعتبر شمبش أن تسويقه تحت عنوان “الإصلاح الهيكلي” لا يعدو كونه غطاءً لتغوّل تشريعي واضح، إذ إن الإصلاح الحقيقي – كما يوضح – لا يُفصَّل على مقاس أشخاص أو مؤسسات، ولا يُفرغ الاستقلال القضائي من مضمونه، بل يقوم على العمومية والتجريد واحترام جوهر الاستقلال الوظيفي والإداري للسلطة القضائية.
ويخلص شمبش إلى أن خطورة هذه التعديلات تتضاعف كونها صدرت في مرحلة انتقالية تُقيَّد فيها سلطة التشريع بحدود الضرورة، لا بإطلاق الصلاحيات، فضلًا عن أنها مست هيئة يُفترض بها أصلًا مراقبة دستورية أعمال البرلمان نفسه، بما أحدث اختلالا حقيقيا في ميزان الفصل بين السلطات.


