ميسون السنوسي حبيب: سردية “أصبحَ الصبحُ” كإرث عائلي

Nouveau projet 14

ميسون السنوسي حبيب: سردية “أصبحَ الصبحُ” كإرث عائلي

كبرتُ ولا أتذكر والدي يحكي لنا عن ما عاشه وقاساه من ظلم وقهر وعذاب في سجون القذافي لاثنتى عشرة سنة، لأن مقاومة النظام وفِكره كانت إحدى أهدافه بالحياة بعدما تم الإفراج عنه هو وكافة السجناء السياسيين بالعفو العام لسنة 1988، فيما يعرف بـ “أصبحَ الصبحُ”، اللقب الذي سيبقى فيما بعد كنية للوالد _السنوسي حبيب_ في مدينته هون. وعن هون وذاك اليوم حكاية لم يقصها علينا على الرغم من احتفالنا في بيتنا بيوم “أصبح الصبح” كل عام حين يحل الثالث من مارس.

1111

انخرط الوالد في النشاط الطلابي لجامعة قاريونس في السبعينات، واصطدموا مع النظام، حين حاول عسكرة الجامعة، وقاومه الطلبة حينها بالمظاهرات ببنغازي، إلا أن المشانق نُصبت بحرم الجامعة، والرصاص نال الطلبة آنذاك، وسجن بعضهم ومنهم الوالد، الذي قضى سنوات طويلة مريرة في سجون القذافي هو ورفاقه، لم يعرفوا متى سيكون الإفراج عنهم إلى أن جاء يوم 3 مارس من عام 1988، وجرى تحرير أكثر من 400 سجين، في عفوٍ عام أعلنه القذافي،  وأقرًّ بأنهم أبرياء عن كافة التهم الموجهة لهم، وكانت الوالدة تسمع من الراديو خبر الإفراج، وعلمت أنه وأخيرًا، جارهم وابن العم سيخرج من السجن.

تحكي لي أمي تفاصيل ذلك اليوم التاريخي في شارعهم، إذ ازدحم الشارع بالأقارب والجيران الفرحين بالخبر، الذي طال انتظاره.

وتقول أنه في اليوم التالي وصل والدي إلى مدينته برفقة أخيه الأكبر وأبناء عمومته، وكان في استقبالهم حشد من رجال ونساء العائلة في منظر مهيب يستقبلون فيه بطلًا خاض حربًا طويلة ضد الظلم. وفي ذلك اليوم، قام الشيخ الغرياني أبوقصيصة بإطلاق عدد من الرصاصات في السماء تعبيرًا عن الفرح والفخر بابن عمه السنوسي.

كانت النسوة تنتظره في سياج البيت، مهلّلات والزغاريد تجلجل أرجاء الشارع، وفي مشهد استثنائي تعرّف الوالد على بنات أخيه المتوفي والذي وافته المنية وهو بالسجن، وكُنَّ فتيات تختلف أعمارهن، لكنهن لم يعرفن عمهن السنوسي إلا من حكايات أمهاتهن.

بطلقات رصاص العم غرياني، أعلنت العائلة موسم الاحتفال بعودة الوالد من سجون الظلم، ليستمر الاحتفال أسبوعًا كاملًا أو أكثر على أقل تقدير، توافد الأصحاب والأحباب للبيت وأُعدّت الولائم عشاءً وغداءً، وتحوّل سياج بيت عمي إلى مطعم كبير، تتعاون فيه نساء العائلة على طبخ ألذ الأكلات، وكأنه عيد انتظروه لأعوام بأن يحل.

في أقل من عام من بعد خروجه من السجن، تزوج والدي ابنة الجيران من نفس العائلة، ليبدأ حياة جديدة حرُم منها لأعوام طويلة، وليواصل نضاله الفكري والثقافي بهدوء وسياسية أكبر عند تعامله من النظام، لينخرط سريعاً في العمل الأهلي والتطوعي بالمدينة ويؤسس (جمعية ذاكرة المدينة) بهون، المعنية بحفظ وصون التراث.

كنت دائمًا ما أسمع الناس ينادون والدي: (يـا أصبح الصبحُ)، وكنت أستغرب قليلًا على الرغم من حفظي للأغنية، وعندما كنت في المدرسة الابتدائية، عايرني أحد الطلبة بذلك اللقب، حينها كنت محتارة؛ هل أعتبرها شتيمة أم أفخر بها؟ أتذكر أني رجعت للبيت لأشتكي لهم ما حدث، ليأكدوا لي أن زميلي بالمدرسة على خطأ وعليّ أن أعود في اليوم التالي وأصحح له المعلومة.

 على الرغم من كرههِ للنظام، إلا أنني وقفت ككل الأطفال أمام شاشة الجماهيرية أهتف مع الأغنية (بابا معمر بطل الكل)، واليوم أستغرب أيضًا كيف تركني والدي أهتف للقائد داخل بيتنا، ولم ينهانا عن هكذا أفعال. قد تكون وسيلة من وسائل الحماية، كي لا نتوارث معاداة النظام ونحن أطفال لا نعي شيئاً.

لم يقدم لنا والديّ الكثير من التفاصيل عن سبب سجن أبي كل تلك الأعوام. قدموا لنا إجابات بسيطة جدا عن كل الأسئلة التي تدور في بالنا، وأكدوا لنا أن الحق كان معه وأنه ظُلم كثيراً، هو ورفاق السجن الذين تربينا على زيارتهم في بنغازي وطرابلس، وكنا نراهم في صور السجن، بثيابهم القديمة وشعرهم الطويل.

في كل عام كان الوالد ينزعج ويفرح بتاريخين، وهما السابع من أبريل، والذي شن فيه القذافي عن طريق اللجان الثورية حملته لاعتقال النشطاء والطلبة. لذا كان الوالد لا يحب أن يتم ذكر ذلك اليوم لذكرياته السيئة والتي سرد تفاصيلها في كتابه (أتذكّر) ، وكان يسعد بتاريخ الثالث من مارس، وأذكر جيدًا أنه في أحد الأعوام ونحن أطفال، خرجت العائلة من خالات وأخوال، لسد الوشكة في مدينة سوكنة، وفي يومها أقام الوالد العديد من الألعاب للأطفال ووزع علينا الكثير من الحلوى والسكريات ابتهاجاً بذكرى أصبحَ الصبحُ.

وبالعودة إلى فيديو أغنية اصبحَ الصبحُ، الذي يظهر فيه معمر القذافي، كبطل يمتطي أعلى (الكاشيك) جرافة، ويهدم بوابة سجن أبو سليم في طرابلس، أحد أسوء سجون القذافي الظلامية. لم يعِ أنه في الواقع صنع مئات من الأبطال، الذين خرجوا من سجنهم ومارسوا حياتهم بكل فخر وأمل، في أن يغيروا من وضع البلاد الذي وجدوه أسوأ من حين تغييبهم قبل أكثر من عقد من الزمن. رفقاء السجن والذين أعرف عددًا قليلًا منهم، كانوا جميعهم مساهمين بشكل كبير في المشروع التنويري الذي أوقفه القذافي في نهاية الثمانينات، ليستأنفوه بشكل طبيعي عن طريق المهرجانات الأدبية والتراثية على مستوى البلاد.

لم يفقد سجناء الفكر والكلمة، روحهم التّواقة للحرية، العنيدة عن الرضوخ والتلطخ من قسوة السجن والسجان، لذا استمر الشاعر بكتابة الشعر، والعازف بالدندنة على العود، والفنان برسم لوحات تحاكي مرارة التجربة، بجسارة وخفة جعلتهم يورثون فعل المقاومة لأبنائهم، ممن كانوا أبناء الثورة في فبراير 2011.

ولعل هذا المقتطف من قصيدة عن الفراق والعصافير الطليقة، أدق مثال عن تلك الروح النهضوية:

هو الآن سرب العصافير

يرقص جذلانَ من فرح ومحبة..

وزوجٌ من الهدهد الغر في قلب زيتونة يبنيان مقرا،

واني على كل رابية من روابي بلادي الندية

أشيد من أجل عينيك نهرَ الخصوبة والشهد ـ

بيتاً وحقلا،

فلا تجزعي إن تأخر جني الثمار قليلا

فإني تعلمت من لغة الطير معنى التفاؤل

وأتقنتُ من وحشة السجن كيف يتم التواصلُ والحبُ عبر النوافذ

(4)

هو الآن سرب العصافير

قد عاد من رحلة في الحقول الفسيحة

وعصفورةٌ نقرت بابَ نافذتي

علقت زهرةً في قميصي

فبوركت يا زهرةً تحمل الحب والسر

باحت به الأرضُ في موسم الحرث

قالت: هو الخصبُ في المطر المستديم

سجن الجديدة السياسي يونيو 1976