أقلام حرّة.. حياة شبه مستقلة خارج أسوار العائلة

Nouveau projet 2

أقلام حرّة.. حياة شبه مستقلة خارج أسوار العائلة

قد تتعامل الأسرة مع كثير من القرارات التي تأخذها الأنثى داخل البيت بترحاب أكبر وليونة، لكن حالما تقرر الواحدة منّا إبلاغ عائلتها برغبتها في الانتقال من بيت العائلة إلى مدينة أخرى، وفي غير حالة الزواج، فإن الخبر يكون مربكًا، وكأنها تلقي باعتراف كبير لا بقرار شخصي يتعلق بحياتها.

ولأن هذا النوع من القرارات يُعد مصيريًا في حياة الأنثى، ويُنظر إليه على أنه قرار يمس العائلة كلها، فإنه غالبًا ما يصبح محل مشورة داخل نطاق الأسرة الأكبر، من أجداد وأعمام وغيرهم، خاصة في المدن المترابطة اجتماعيًا التي يكون فيها حضور العائلة الكبرى واضحًا ومؤثرًا. فالخروج من بيت العائلة لا يُنظر إليه كخطوة فردية تخص الفتاة وحدها، بل باعتباره أمرًا يطال الجميع، ويمنحهم، بشكل أو بآخر، حق التدخل في تقرير مصيرها.

وتزداد حساسية هذا القرار حين يتعلق بالانتقال إلى مدينة بعيدة، في بلاد كليبيا لا تزال فيها المسافات مرهقة ووسائل النقل محدودة. خيارات الاستقلال أمام الفتاة تظل محصورة في قوالب ضيقة، أهمها الدراسة الجامعية أو الدراسات العليا، أما ما عدا ذلك فيبقى أقل قبولًا بكثير. أذكر جيدًا عندما قررت إحدى الصديقات، منذ أعوام، أن تترك مدينتها وتقصد العاصمة طرابلس من أجل دراسة تخصص إضافي لم تتمكن من دراسته سابقًا. لم يكن القرار سهلًا، لا عليها ولا على أهلها، لكن تقدّمها في العمر، ونيلها قدرًا أكبر من الثقة داخل العائلة، ساعداها أخيرًا على ملاحقة ما أرادته لنفسها. وبالطبع لا يبدو الأمر على هذا النحو حين يرغب الذكر في العائلة في ملاحقة أهدافه وتحقيق ذاته، إذ تُبذل الجهود سريعًا لإيجاد الحلول المناسبة له، ويُنظر إلى خروجه كما لو أنه أمر طبيعي ومفهوم. مع أن الأمر في الأصل يجب أن يكون كذلك، سواء تعلق بالذكر أو بالأنثى.

وعندما تظفر الأنثى بالموافقة وتبدأ رحلتها، تجد نفسها في مواجهة أولى العقبات، وهي الحركة والتنقل. فالمواصلات العامة ليست متاحة في كل المدن، ما يجعل تكاليف التنقل مرهقة، خاصة إذا كانت تعتمد ماديًا على أهلها. كما تواجه كثير من الفتيات استغلال سيارات الأجرة النسائية التي تكون أسعارها مضاعفة، لكنها تبدو بالنسبة إلى بعضهن أكثر أمانًا من سيارات الأجرة التي يقودها رجال، خاصة في المدن والمجتمعات الصغيرة التي تشعر فيها الفتاة بأنها مراقبة على الدوام. أما إذا اختارت أن تستقل سيارة أجرة يقودها رجل، فهي في كثير من الحالات لا تسلم من المضايقات أو من أشكال مختلفة من التحرش اللفظي.

وأسمع باستمرار كثيرًا من المواقف من زميلات تعرضن لمثل هذه المضايقات، وبعضهن يفضلن عدم إخبار أهلهن بما يحدث، حتى لا يزداد قلق العائلة وهن بعيدات عنها. أذكر أن إحدى الزميلات عانت، طوال فصل دراسي كامل، من تحرش سائق الحافلة بها، وكانت تصبر وتتغاضى لقلة الخيارات المتاحة. وحين أخبرت والدتها أخيرًا، طلبت منها على الفور ألا تركب معه مجددًا.

ولا تقف الصعوبات عند المواصلات. فمن الصعب جدًا أيضًا العثور على شقة ملائمة للإيجار، إذ إن السكن وحدك يكاد يكون خيارًا مستبعدًا بشكل قاطع. لذلك لجأت فتيات كثيرات إلى حلول وسط، منها أن تشترك مجموعة من الصديقات في شقة واحدة، مع تناوب رجال من العائلة على الحضور أو المتابعة بشكل منتظم. كما توجد نماذج قليلة جدًا لأشخاص يؤجرون شققًا فوق منازلهم، ويُنظر إلى هذا الخيار على أنه أكثر “أمانًا” من منظور العائلات، لكنه يحمل بدوره كثيرًا من التحديات.

ولهذا أصفها بأنها حياة شبه مستقلة. فهي من جهة حياة ممتعة، تتعرفين فيها بشكل جديد على نفسك وعلى الحياة، وتصبحين مسؤولة بصورة أكبر عن يومك وتفاصيله، وتصممين إيقاع حياتك وفق قواعدك الجديدة والمتوارثة أيضًا. لكنها، من جهة أخرى، ليست حياة خالية من الرقابة. ففي كثير من الحالات يمارس المؤجر نوعًا من الوصاية المباشرة على المستأجرة، ويعتبر نفسه مسؤولًا عنها بشكل تام، فيضع قوانين صارمة تتعلق بمواعيد الخروج والعودة، ويمنع الزيارات بشكل قاطع، ويفرض شروطًا تخص البيت نفسه لا يمكن التفاوض بشأنها بسهولة. وهكذا لا تختفي الرقابة، بل تنتقل من بيت العائلة إلى مكان آخر وبصورة مختلفة.

ومع كل هذه المتغيرات التي تعيشها الواحدة منّا، وهي تخوض حياة شبه مستقلة وبعيدة عن بيئتها ومجتمعها، تعمل الفتيات على بناء سور عالٍ للمحافظة على خصوصيتهن، لأن الآخرين يكونون في الغالب متلهفين لمعرفة أبسط التفاصيل عن كيفية عيشهن. ومن هنا ينشأ شيء من التوتر في العلاقة مع النظرة الخارجية، خاصة لدى الفتيات في بدايات الدراسة الجامعية، حين لا تكون الثقة بالنفس قد ترسخت بعد بالشكل الكافي، ويظل رأي الآخر طاغيًا في التجربة.

وعند الاستماع إلى تجارب كثير من الصديقات والزميلات، كلٌّ بحسب المدينة التي انتقلت إليها، تبدو هذه التجارب متشابهة إلى حد كبير، من حيث التحديات والقوالب النمطية التي يمليها المجتمع. ومع ذلك، فقد ازداد عدد الفتيات اللواتي يدرسن خارج مدنهن خلال السنوات الأخيرة، وهو أمر كان مختلفًا تمامًا قبل عشر سنوات، حين لم تكن العائلات منفتحة إلى هذا الحد على الفكرة، خاصة مع إغلاق كثير من الأقسام الداخلية أو امتلائها، وتأثرها بالحروب المختلفة، ومع انحصار الاغتراب لأجل الدراسة سابقًا في عدد محدود من التخصصات، وعلى رأسها التخصصات الطبية.

هذا التغير في العقلية الاجتماعية شجّع كثيرات على خوض التجربة رغم تحدياتها ومشكلاتها. فالتجربة، رغم عيوبها الكبيرة، تمنح الفتاة شعورًا بخوض الحياة بصورة أكثر استقلالًا، وتعلمها معنى الاعتماد على النفس، خاصة بالنسبة إلى الفتيات اللواتي يدرسن ويعملن في الوقت نفسه. كما تقربها من مجتمعات غير مألوفة، وتضعها تحت اختبارات متواصلة، لقيمها ومبادئها، ولقدرتها النفسية والذهنية على مواجهة الآخر والمجهول. وتمنحها أيضًا خبرة اجتماعية مختلفة في كل مرة تعود فيها إلى مدينتها وتلتقي بعائلتها وأصدقائها.

أعتقد أن هذا المسار الجديد الذي تخوضه الفتيات اليوم، والذي ارتبط أكثر بجيل جديد من الشابات، هو تحول مهم لم تستطع الأجيال السابقة تحقيقه بهذا الاتساع. وقد فتح هذا التحول فرصًا أمام مئات الفتيات الحالمات بمستقبل أفضل، بعدما عجزت مدنهن الصغيرة عن تقديم ما يحتجن إليه من تعليم أو فرص عمل. وربما نرى في المستقبل القريب انفتاحًا أكبر على فكرة عمل المرأة خارج مدينتها وبعيدًا عن أسوار العائلة، بعدما بدأت الثقة تُمنح لها تدريجيًا. وما ينقصنا، في رأيي، هو التحرر من نظرة الآخر وحكمه الدائم، لأن هذا وحده ما قد يقرّب هذه التجربة من الاستقلال الحقيقي، لا من حياة شبه مستقلة فقط.