سجون بلا قانون في طرابلس.. استمرار الانتهاكات رغم الدعوات الدولية

Nouveau projet 2 1

سجون بلا قانون في طرابلس.. استمرار الانتهاكات رغم الدعوات الدولية

تؤكد تقارير حقوقية وأممية أن الاحتجاز خارج سلطة القضاء في ليبيا يستمر بوضوح، ولا سيما في العاصمة طرابلس، حيث تُستخدم مراكز احتجاز رسمية وغير رسمية لاعتقال آلاف الأشخاص دون أوامر قضائية، أو بعد انتهاء مدد الحبس القانونية، وغالبًا من دون تمكينهم من التواصل مع المحامين أو النيابة العامة. أخيراً، أشار تقرير لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا صادر في مارس 2023 إلى توثيق مئات حالات الاحتجاز التعسفي في طرابلس ومناطق أخرى في غرب البلاد، دون احترام الإجراءات القانونية الواجبة.

كما أشارت الأمم المتحدة في بيان صدر في يونيو 2025 إلى العثور على جثث وأدلة على التعذيب في مواقع احتجاز رسمية وغير رسمية في العاصمة، وهو ما دعا المفوض السامي لحقوق الإنسان إلى إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة بشأن الانتهاكات المكتشفة.

سجن معيتيقة: رمز الاحتجاز خارج القانون وتحقيقات جزئية متأخرة

يُعد سجن معيتيقة في طرابلس من أكثر المراكز التي تم توثيق انتهاكات جسيمة فيها بحق المحتجزين، بمن فيهم ليبيون ومهاجرون، وعلى رغم أن السجن مصنَّف رسمياً ضمن مؤسسات العدالة الجنائية، إلا أن سيطرة جهاز الردع الخاص الذي يُعرَّف بأنه وحدة أمنية تعمل تحت غطاء مكافحة “الإرهاب والجريمة المنظمة” كانت على الأرض خارج أي رقابة قضائية فعلية لسنوات، ما مكّن من ارتكاب ممارسات لا تتوافق مع القانون الدولي الإنساني.

في 11 يوليو 2025، بدأت النيابة العامة في طرابلس تحقيقًا رسميًا مع أسامة نجيم، وهو من القيادات الأمنية في جهاز الردع المتهم بالمسؤولية عن انتهاكات جسيمة داخل سجن معيتيقة، بعد سنوات من توثيق اتهامات من منظمات حقوقية، وجاء هذا التحقيق في ظل ضغط داخلي ودولي متزايد على السلطات لتقديم مستوى من المساءلة عن الانتهاكات، في خطوة وصفتها مصادر حقوقية بأنها بدأت جزئية ومع تأخر كبير عن وقوع الانتهاكات ذاتها، لكنها تعكس إدراكًا للضغط المتصاعد على السلطة القضائية.

وقبل بدء هذا التحقيق بأيام، أصدر النائب العام في 17 يونيو 2025 قرارًا بتشكيل لجنة رسمية مهمتها حصر المحتجزين في السجن والتثبت من مدى قانونية احتجازهم، ما مثل اعترافًا رسميًا بضعف الرقابة القضائية السابقة على المركز.

المساءلة الدولية: القبض على متهم من سجن معيتيقة

في 18 يوليو 2025، أعلنت السلطات الألمانية القبض على خالد محمد علي الهيشري استنادًا إلى مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، بتهم تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية أثناء إشرافه على سجن معيتيقة خلال الفترة من 2015 حتى أوائل 2020، وتمثل هذه الخطوة أول احتجاز فعلي لمتهم ليبي في هذا الملف أمام المحكمة الدولية، ما يرفع سقف التوقعات بشأن مساءلة شخصيات متورطة في انتهاكات جسيمة داخل مراكز احتجاز غير خاضعة لرقابة قانونية.

مراكز احتجاز جهاز دعم الاستقرار في أبو سليم: اكتشافات مخيفة وتحقيقات متعثرة

بعد مقتل عبد الغني الككلي (غنيوة)، قائد جهاز دعم الاستقرار في مايو 2025، كشفت الجهات الحقوقية والحكومية عن مرافق احتجاز سرية في مناطق أبو سليم وجنوب طرابلس، عُثر فيها على أدلة تعذيب واحتجاز غير قانوني خارج أي أطر قضائية، وأشارت تقارير مبكرة إلى وجود غرف احتجاز معزولة وأدلة على سوء المعاملة والاحتجاز لفترات طويلة دون سند قانوني، ما يعكس نمط احتجاز غير شرعي مستمر منذ سنوات داخل هذه المواقع.

مراكز احتجاز عين زارة وأبو سليم بين الانتهاك والإهمال

يُستخدم مركز احتجاز عين زارة، الواقع جنوب طرابلس، لاعتقال المهاجرين وطالبي اللجوء وأشخاص مشتبه بصلتهم بقضايا جنائية أو أمنية غالبًا دون إجراءات قضائية سليمة، وقد وثّقت منظمة أطباء بلا حدود (Médecins Sans Frontières – MSF) في تقريرها الصادر في 6 ديسمبر 2023 أن آلاف المحتجزين في كل من مركزَي عين زارة وأبو سليم تعرضوا لـالعنف الجسدي، سوء المعاملة، نقص الغذاء والماء، والحرمان من الرعاية الصحية الأساسية، كما تم توثيق حالات اعتداءات جنسية وضغط نفسي شديد داخل هذه المراكز.

Libya: “You’re going to die here” – Abuse in Abu Salim and Ain Zara detention centres | MSF Eastern Africa

وأوضح التقرير — الذي حمل عنوان “You’re going to die here” – Abuse in Abu Salim and Ain Zara detention centres” — أن فرق المنظمة سجلت 71 حادثة عنف بين يناير وسبتمبر 2023 في مركز عين زارة، بما في ذلك إصابات خطيرة مرتبطة بالعنف والتعذيب، كما وثّق المحتجزون في أبو سليم — الذي أعيد افتتاحه في أكتوبر 2022 — حالات اعتداء جنسي، تفتيش مهين، واستخدام القوة الجسدية كشرط للإفراج.

“You’re going to die here”: Abuse in Libyan detention centers | Doctors Without Borders – USA

أما مركز أبو سليم للاحتجاز، الذي يديره جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية التابع لوزارة الداخلية الليبية، فقد سجلت منظمة أطباء بلا حدود أيضًا ظروفًا مهينة ولا إنسانية تعرض فيها نساء وأطفال مهاجرين وطالبي لجوء لانتهاكات جسدية وجنسية أثناء احتجازهم، مع حرمان متكرر من الرعاية الطبية والغذاء والشرطة اللازمة.

وتؤكد تقارير منظمة أطباء بلا حدود أن هذه المراكز وظروف الاحتجاز التي رصدتها لا ترتقي لمعايير الإنسانية الأساسية، وأن منع وصول الفرق الطبية إليها كان عاملاً أساسيًا في تفاقم الوضع.

أرقام أممية: التعذيب والاختفاء القسري مستمران

تشير بيانات ومواقف رسمية صادرة عن مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان (OHCHR) ومبعوثيه إلى أن انتهاكات جسيمة مستمرة في مراكز الاحتجاز الليبية، بما في ذلك في طرابلس.

 ففي 4 يونيو 2025 أعلن مكتب المفوض السامي عن اكتشاف عشرات الجثث وأدلة على التعذيب في مواقع احتجاز رسمية وغير رسمية تسيطر عليها وحدات تابعة لجهاز دعم الاستقرار في العاصمة، ودعا إلى إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة في هذه الانتهاكات.

وقد وثّقت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (UNSMIL) عبر تقاريرها المنتظمة لسنوات ما قبل 2025 التعذيب، الاعتداءات الجسدية، والاختفاء القسري داخل مراكز الاحتجاز، وأشارت في تقاريرها إلى آلاف الأشخاص المحتجزين في مرافق غير رسمية وفي مرافق رسمية بظروف قد ترقى إلى درجات انتهاك القانون الدولي، مع استمرار الاحتجاز طويل الأمد دون محاكمات عادلة لعشرات الآلاف من المحتجزين (أرقام أُوردت في سياقات تقارير ومتابعات دولية حول وضع الاحتجاز في ليبيا، آخرها بيانات الأمم المتحدة المنشورة خلال 2023–2025).

كما أعلن الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري التابع للأمم المتحدة في أبريل 2024 في تقريره الدوري أن ليبيا لا تزال من بين الدول ذات العدد الكبير من البلاغات غير المحسومة بشأن أشخاص اختفوا بعد اعتقالهم، وهو مؤشر على استمرار الانتهاكات داخل منظومة الاحتجاز خارج الرقابة القضائية.

‘Our worst held fears are being confirmed’: Dozens of bodies discovered in Libya mass graves | The United Nations Office at Geneva

ضغط حقوقي دولي وتقارير منظمات مستقلة

في تقرير أصدرته هيومن رايتس ووتش في 2 يونيو 2025 بعنوان ظُلم مُتأصّل (Injustice by Design)، قالت المنظمة إن النظام القضائي في ليبيا عاجز عن التحقيق والمحاسبة في الانتهاكات الجسيمة داخل مراكز الاحتجاز بسبب الانقسامات السياسية وصعوبة الوصول إلى هذه المراكز، داعية إلى إصلاح تشريعي شامل لضمان رقابة حقيقية وإجراءات قانونية سليمة.

كما دعا مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في 4 يونيو 2025 إلى تحقيق مستقل وشفاف في اكتشافات الجثث وأدلة التعذيب التي ظهرت في مواقع احتجاز تسيطر عليها جماعات مسلحة في طرابلس، مطالبًا السلطات الليبية بمنح وصول كامل للخبراء الدوليين لحفظ الأدلة وتحديد المسؤوليات على أساس القانون الدولي.

هذه الدعوات تُجسّد ضغطًا دوليًا متزايدًا على حكومة الوحدة الوطنية والمجلس الرئاسي الليبي لإنهاء الإفلات من العقاب وتقديم مرتكبي الانتهاكات أمام العدالة، لكنها تؤكد أيضًا استمرار الفجوة بين التوصيات الدولية وتنفيذ إصلاحات حقيقية على الأرض.

تكشف وقائع الاحتجاز خارج سلطة القضاء في طرابلس عن أزمة حقوقية ممتدة، لم تعد مرتبطة بحالات فردية أو تجاوزات معزولة، بل باتت تعكس خللًا بنيويًا في منظومة العدالة الجنائية وأجهزة إنفاذ القانون. ففي ظل انقسام سياسي مستمر، وتعدد مراكز القوة المسلحة، وضعف السيطرة الفعلية للدولة على مؤسساتها الأمنية والقضائية، تحوّل الاحتجاز إلى أداة تُدار خارج الضمانات القانونية، وتُمارَس في كثير من الحالات دون رقابة أو مساءلة.

وعلى الرغم من الضغوط الدولية المتزايدة، وما رافقها من تحقيقات داخلية محدودة ومذكرات توقيف دولية، لا تزال الفجوة قائمة بين التعهدات الرسمية والإصلاحات الملموسة على الأرض، إذ تشير المعطيات الأممية والحقوقية إلى أن غياب توحيد السلطة القضائية، واستمرار نفوذ التشكيلات المسلحة داخل مؤسسات مصنّفة رسميًا، يعرقل أي مسار جاد لإخضاع مراكز الاحتجاز للقانون وضمان حقوق المحتجزين.

وفي هذا السياق، تبقى مسألة إنهاء الاحتجاز غير القانوني في طرابلس مرهونة بقدرة السلطات الليبية على استعادة السيطرة المؤسسية، وتفعيل رقابة قضائية مستقلة، والاستجابة الفعلية لمطالب المساءلة المحلية والدولية، بما يتجاوز الإجراءات الظرفية إلى إصلاحات بنيوية تضع حدًا لدوّامة الانتهاكات المستمرة منذ أكثر من عقد.

روابط المصادر المستخدَمة في التقرير

UN calls for probe into mass graves at Libya detention centres | Reuters