صمت فوق المقابر: الجرائم المدفونة في ترهونة بين الذاكرة والعدالة
تقع ترهونة، المدينة الزراعية الواقعة جنوب شرق العاصمة طرابلس، في منطقة لعبت دورًا محوريًا في الصراع الليبي منذ عام 2015. وعلى خلاف مدن أخرى شهدت قتالًا متقطّعًا، خضعت ترهونة لسيطرة شبه كاملة من قبل جماعة «الكانيات» المسلحة حتى منتصف عام 2020، في ظل غياب فعلي لمؤسسات الدولة والرقابة القضائية، ما حوّل المدينة إلى فضاء شهد انتهاكات واسعة بحق السكان المدنيين.
ولم يتكشف الحجم الحقيقي لهذه الانتهاكات إلا بعد انسحاب الجماعة من المدينة في صيف 2020، حين بدأت فرق محلية ودولية تعثر على مقابر جماعية في محيط ترهونة والقرى التابعة لها، منذ ذلك الحين، تحوّلت ترهونة إلى رمز لإحدى أكثر الجرائم الجماعية وضوحًا في ليبيا الحديثة، لكنها في الوقت ذاته أصبحت مثالًا صارخًا على تعطّل العدالة وتراجع المساءلة.
اكتشاف المقابر الجماعية وسجل الدفن
تشير بيانات رسمية صادرة عن الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين إلى أن عمليات انتشال الرفات بدأت مباشرة بعد تحرير المدينة، وتركزت على عشرات مواقع الدفن الجماعي، وحتى مطلع عام 2025، تم انتشال أكثر من 350 جثة، وفق إحصاءات الهيئة، ولا تزال عمليات البحث جارية في مواقع أخرى حُددت عبر صور الأقمار الصناعية وإفادات محلية.
ولم يقتصر التوثيق على عدد الرفات فحسب، إذ أظهرت المعاينات أن عددًا كبيرًا من الضحايا كانوا مكبّلين أو معصوبي العيون، وأُعدموا بطلقات نارية، في نمط يشير إلى قتل ممنهج خارج نطاق القانون. ووفق توصيفات أممية، فإن هذه الانتهاكات قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.
استجابةً لهذه الأدلة الأولية، شكّلت وزارة العدل الليبية اللجنة رقم 411 في 15 نوفمبر 2020، وكُلّفت بالبحث والتعرّف على المقابر الجماعية والمفقودين، إلى جانب التنسيق الفني مع الجهات الدولية ذات الصلة.
وبالتوازي، أُنشئت اللجنة رقم 201 لتنسيق جهود الأجهزة الأمنية والجنائية مع اللجنة 411، قبل أن تُحل في ديسمبر 2024، وتُوزع مهامها القضائية على دوائر مختلفة بحسب الاختصاص المكاني، في خطوة عكست حالة من التشظي التنظيمي أثّرت على استمرارية العمل.
وعلى المستوى الدولي، أصدرت بعثة الأمم المتحدة لتقصّي الحقائق في ليبيا تقارير مفصلة وثّقت مواقع المقابر الجماعية، وأساليب القتل، وأسماء بعض الضحايا، استنادًا إلى شهادات وأدلة مادية، واستخدمت تقنيات الأقمار الصناعية لتحديد مواقع الدفن، ما وفر دعمًا فنيًا وثبوتيًا مهمًا.
مسار العدالة
رغم حجم التوثيق الذي أنجزته بعثة تقصي الحقائق الأممية، والتي أكدت في تقاريرها الصادرة بين عامي 2022 و2023 امتلاكها «أسسًا معقولة» للاعتقاد بارتكاب جرائم دولية في ترهونة، فإن تحويل هذا التوثيق إلى محاكمات فعلية ظل محدودًا.
وبحسب تقارير البعثة نفسها، إلى جانب تقارير مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، يعود ذلك إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها عدم إلقاء القبض على المشتبه بهم الرئيسيين، وغياب القدرة على تنفيذ أوامر القبض داخل ليبيا، إضافة إلى ضعف الأطر القانونية الوطنية المتعلقة بمحاكمة الجرائم الدولية، وعدم اعتماد المحاكمات الغيابية في هذا النوع من القضايا.
وتشير هذه التقارير إلى أن الإشكالية لا تكمن في نقص الأدلة، بقدر ما ترتبط بقدرة الدولة على إنفاذ القانون وضمان مثول المتهمين أمام القضاء، وهو ما جعل التوثيق، رغم قوته، غير كافٍ وحده لإنتاج أحكام قضائية.
الإعلام في مرآة التغطية
بحسب تقارير دولية معنية بحرية الصحافة وحماية الصحفيين، من بينها تقارير منظمة «مراسلون بلا حدود» ولجنة حماية الصحفيين، تعمل وسائل الإعلام في ليبيا منذ سنوات في بيئة شديدة الاستقطاب، تتسم بضعف الاستقلالية، وتعرّض الصحفيين لضغوط أمنية وسياسية مباشرة، وقد انعكس ذلك على طبيعة تغطية الملفات الحقوقية الحساسة، ومن بينها ملف ترهونة.
وتشير هذه التقارير إلى أن غياب بيئة إعلامية آمنة ومهنية أسهم في تركيز التغطية على البيانات الدولية واكتشاف المقابر الجماعية بوصفها حدثًا صادمًا، مقابل تراجع المتابعة المتعمقة لمسار التحقيقات المحلية، وتداعيات الجرائم على النسيج الاجتماعي للمدينة بعد التحرير، بما في ذلك أوضاع عائلات الضحايا، والصدمات النفسية، وملفات جبر الضرر.
ويُظهر هذا الخلل، وفق تقييمات أممية، كيف أصبح النقاش العام حول ترهونة موسميًا ومجزأً، يتفاعل مع التقارير الدولية عند صدورها، دون أن يتحول إلى ضغط إعلامي مستمر يواكب مسار العدالة والمساءلة داخل ليبيا.
لم يخلُ مسار فتح المقابر والتحقيق من إشكاليات تقنية وقانونية وسياسية. فبالرغم من وجود مستوى تنسيق مرتفع نسبيًا بين الجهات القضائية المحلية ومكاتب النائب العام ولجان البحث، إلا أن نفوذ الجماعات المسلحة، ووجود تشكيلات موالية لأطراف عسكرية متنافسة، أعاق عمل هذه اللجان، لا سيما خلال اشتباكات أغسطس 2023 التي أدت إلى توقّف طويل في عمليات البحث.
وبحسب تقارير بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (UNSMIL) وتقييمات صادرة عن مكتب النائب العام الليبي، انصبّ دور اللجنة 411 بشكل رئيسي على الجوانب الفنية المرتبطة بفتح المقابر والتعرّف على الرفات، دون أن يترافق ذلك مع مسار قضائي متكامل يربط بين نتائج البحث الجنائي وإجراءات الاتهام والمحاكمة على المستوى الوطني.
ورغم جودة التوثيق الأممي، تشير تقارير بعثة تقصي الحقائق ومكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان إلى أن تحويل الأدلة إلى أحكام قضائية فعلية ظل محدودًا، بسبب غياب المتهمين الرئيسيين عن متناول السلطات القضائية، وتعذّر تنفيذ أوامر القبض الصادرة بحقهم داخل ليبيا، وهو ما وصفته التقارير بأنه «عائق بنيوي أمام المساءلة».
تُجمع تقارير أممية وحقوقية على أن تعثّر المحاسبة في ملف ترهونة يرتبط بعوامل سياسية وأمنية بنيوية، في مقدمتها الانقسام المؤسسي، وتداخل النفوذ العسكري مع عمل القضاء.
فوفق ما ورد في تقارير بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وتقارير فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن، أسهم نفوذ الجماعات المسلحة، سواء في غرب البلاد أو شرقها، بشكل مباشر في تعطيل تنفيذ أوامر القبض، ووفّر حماية فعلية لبعض المشتبه بهم عبر اندماجهم في تشكيلات مسلحة قائمة.
وفي المقابل، لا تشير التقارير ذاتها إلى وجود غطاء اجتماعي أو قبلي واسع داخل مدينة ترهونة نفسها للمشتبه بهم، بقدر ما تبرز دور شبكات النفوذ المسلحة خارج المدينة، ما حوّل مسار المحاسبة من مسألة قضائية إلى معادلة أمنية وسياسية معقّدة.
صوت العائلات: شهادات مباشرة من ترهونة
تعكس شهادات أهالي الضحايا، إلى جانب التقارير الأممية، حجم المعاناة والصدمات النفسية التي تركها سنوات الانتهاكات. تقول زهرة الفرجاني، ناشطة مدنية وعضوة في فرابطة ضحايا ترهونة، والتي شاركت في برامج تدريبية لرصد وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان، وقد فقدت أخاها واثنين من أبناء أختها على يد جماعة الكانيات.
“في أغسطس 2016، اختُطف ابن أختي أمام بيته، وبعد ثمانية أعوام تم العثور عليه في إحدى المقابر الجماعية قبل أيام من رمضان 2024، وتم تسليم جثته لدفنه. في نفس العام، قتل أخوه هاني وأخي عادل بعد هجوم المليشيات على منزلنا، رغم مرور أيام قليلة على وفاة والدنا، تعرضوا للضرب والقتل أمام أنظارنا، ولم يكن بمقدورنا التدخل، إلا أن عمليات التوثيق لاحقًا سمحت لنا بالتعرف على مقتنيات الضحايا واستلام الجثامين بعد تحليل الحمض النووي.”
وتضيف الفرجاني، جهود اللجان والجمعيات الدولية والمحلية منذ تحرير ترهونة كانت كبيرة وأسهمت في تحقيق تقدم على صعيد العدالة، لكن الأهالي لا يزالون يشعرون بالإحباط بسبب طول فترة الانتظار وغياب محاسبة القادة الرئيسيين الذين تسببوا في هذه الجرائم، ولا سيما أولئك المتوارين في مصر وتونس أو المنضمين لمليشيات مسلحة داخل ليبيا.
تجسد هذه الشهادة الواقع اليومي للأهالي، وتوضح الأثر النفسي والاجتماعي الطويل للانتهاكات، كما تسلط الضوء على أهمية استمرار الضغط القضائي والسياسي لضمان محاسبة المسؤولين وتحقيق العدالة للضحايا.
العدالة.. بين الذاكرة والسياسة
يبقى ملف المقابر الجماعية في ترهونة اختبارًا حقيقيًا لقدرة ليبيا على مواجهة ماضيها القريب، فبين توثيق أممي لا يترك مجالًا للشك، وصمت داخلي تُكرّسه حسابات سياسية وأمنية، تظل العدالة معلّقة، وفي غياب مسار واضح للمساءلة، تبقى المقابر المفتوحة شاهدًا على جريمة لم تُغلق فصولها بعد، وعلى ذاكرة جماعية تصارع النسيان في انتظار إنصاف طال أمده.


