تضع جريمة الطفل رواد أحمد خليفة القديري سؤال حماية الطفل في ليبيا في صدارة المشهد. فالحادثة التي هزت الرأي العام، بعد مقتل طفل في الثامنة من عمره وإخفاء الجريمة لأسابيع، تكشف بتفاصيلها المؤلمة عن خلل أعمق في علاقة الدولة والمجتمع بالطفل، وعن مأساة تتجاوز حدود التحقيق والعقوبة، حين يتحول البيت، بما يفترضه من حماية ورعاية واستقرار، إلى مصدر للخطر. ومن هذا الواقع المؤلم يبرز سؤال بالغ القسوة والأهمية: من يتدخل لحماية الطفل عندما تأتي التهديدات من داخل الأسرة نفسها؟
لطالما اعتُبرت الأسرة خط الدفاع الأول عن الأطفال. لكن هذا التصور، على أهميته، لا يمكن أن يكون بديلاً عن منظومة حماية عامة. فالطفل ليس تابعًا للأسرة فقط، ولا يجوز أن يُترك مصيره بالكامل لحدود البيت، خصوصًا حين تتعطل داخله معاني الأمان والرعاية. حماية الطفل لا تعني تفكيك الأسرة، بل تعني وضع حد فاصل عندما تتحول الأسرة نفسها إلى مصدر تهديد.
ومن هذه الزاوية، تتجاوز قضية رواد بعدها الجنائي المباشر إلى سؤال اجتماعي وقانوني أوسع، يتصل بقدرة النظام على التقاط إشارات الخطر داخل الأسرة قبل فوات الأوان. فحين يكون الطفل غير قادر على الدفاع عن نفسه، وحين تبقى صرخته محجوبة خلف جدران البيت، يصبح غياب الرصد والتدخل المبكر جزءًا من المأساة نفسها.
ولا تقف هذه الدلالة عند قضية رواد وحدها. فقد شهدت ليبيا خلال السنوات الماضية جرائم مشابهة بحق أطفال، وقع كثير منها داخل دوائر الأسرة أو بين الأقارب، من دون أن تتحول إلى ملفات دراسة أو مراجعة سياسات أو إصلاح مؤسسي. وفي كل مرة، تتصاعد موجة الغضب لأيام، ثم تُطوى الجريمة في الذاكرة العامة، بينما تبقى الأسباب التي أنتجتها قائمة، وتظل احتمالات تكرارها مفتوحة.
تستدعي جريمة رواد سابقة أكثر قسوة في دلالتها وإنذارها، ألا وهي قضية الطفلة مريم العوامي، التي كشفت وجهًا آخر من الخلل؛ وجه الطفلة التي حاولت أن تنجو بنفسها، ولم تجد من يلتقط استغاثتها في الوقت المناسب. فقد تقدّمت مريم، وهي لم تتجاوز العاشرة من عمرها، ببلاغات متكررة إلى الجهات الأمنية، محاولة إيصال صوتها وسط عنف أسري ممنهج داخل منزل عمتها، حيث واجهت إيذاءً جسديًا ونفسيًا قاسيًا، وصل بحسب ما جرى تداوله في القضية إلى التعذيب والتجويع وانتهاكات متكررة سلبتها طفولتها بالكامل.
لكن الأخطر في قضية مريم لم يكن حجم العنف وحده، بل فشل الاستجابة المؤسسية. بلاغات متكررة من طفلة لم تتحول إلى تدخل عاجل، ولم تُعامل كإنذار حياة، بل بقيت خارج دائرة الفعل حتى انتهت المأساة. هنا لا يظهر العنف الأسري وحده، بل يظهر معه عنف الصمت الرسمي، وعنف البطء، وعنف اللامبالاة التي تسمح باستمرار الخطر حتى يتحول إلى جريمة مكتملة.
في النقاشات التي تعقب مثل هذه الجرائم، غالبًا ما ينصب الاهتمام على العقوبة. يطالب الناس بالقصاص، ويتداولون تفاصيل الجريمة، وتتسع موجة الغضب على مواقع التواصل، لكن الأسباب تبقى في الهامش. غير أن الاقتصار على العقوبة يعني إعادة إنتاج الحلقة ذاتها: رد فعل بعد الفقد، لا وقاية قبل وقوعه.
العقوبة ضرورية، لكنها لا تكفي. فحين يكون الضحية طفلًا، والجاني من محيطه الأسري، تتحول القضية إلى ما هو أبعد من الفعل الجنائي المباشر؛ إلى شبكة معقدة من العنف النفسي والاجتماعي والصحي، ومن غياب الرقابة، وضعف الرعاية الاجتماعية، وتراجع دور المدرسة، وانعدام آليات الإنذار المبكر. لذلك، ينبغي أن يتجاوز سؤال رواد حدود الجاني والعقوبة، ليطال كل ما كان يمكن أن يرى الخطر قبل وقوعه، أو يلاحظ المؤشرات والعلامات التي تدل على تعرض الطفل للأذى حتى وإن لم يصرّح بذلك، أو يتدخل قبل أن تتحول معاناة طفل إلى خبر عاجل.
هنا يظهر الخلل الأعمق: غياب رؤية وطنية متكاملة لحماية الطفل. ففي النظم التي تمتلك منظومات حماية فعالة، لا يُترك الطفل لحدود الأسرة وحدها، بل توجد شبكات رصد مبكر تشمل المدارس، والأخصائيين الاجتماعيين، والنيابات، والشرطة، والمراكز الصحية، وخطوط البلاغات. كل هذه الجهات تعمل ضمن آلية واضحة عندما يظهر خطر على طفل، أو عندما ترد إشارة إلى عنف أو إهمال أو تهديد.
وفي المقابل، لا توجد حتى الآن أي سياسات جدية لمواجهتها؛ إذ تغيب الإحصائيات الرسمية الدقيقة والمراصد المتخصصة، وتنعدم الاستراتيجيات الوطنية للوقاية والتدخل المبكر، ليبقى التعامل الحكومي مقتصراً على المعالجات الجنائية وردود الأفعال بعد إزهاق الأرواح، تاركاً الجذور المجتمعية والنفسية والتشريعية للعنف تتسع وتتمدد بلا رادع. وبين الحين والآخر، تكشف الوقائع عن جرائم ترتكب داخل المنازل وعلى أيدي أشخاص يفترض أنهم الأقرب إلى الضحايا والأكثر حرصًا على سلامتهم.
لكن ماذا يحدث عندما تتحول الأسرة نفسها إلى مصدر للخطر؟ وماذا يحدث عندما يفقد الطفل المساحة التي يفترض أن تمنحه الأمان والحماية والاستقرار؟ والأهم من ذلك، من يتدخل لحمايته عندما تصبح التهديدات التي تواجهه صادرة من داخل البيت نفسه؟
أما في ليبيا، فما يزال التدخل غالبًا لاحقًا، بعد أن تقع الجريمة، لا قبلها. وتبقى معظم حالات العنف غير مرصودة بسبب ضعف البنية المؤسسية، وغياب آليات الإبلاغ الفعّالة، ونقص الكوادر المؤهلة للتعامل مع الأطفال المعرضين للخطر. كما يغيب البحث العلمي المنتظم حول هذه الجرائم، فتُعامل كل واقعة كحادثة فردية معزولة، لا كجزء من ظاهرة اجتماعية قابلة للدراسة والوقاية.
إن الإطار القانوني والاجتماعي ما زال، في كثير من الأحيان، يميل إلى النظر إلى الطفل كجزء تابع للأسرة، لا صاحب حق مستقل في الحماية والسلامة والكرامة. هذه الفجوة بين النصوص والواقع تخلق مساحة خطيرة يتراجع فيها التدخل العام أمام ما يُسمى “شؤون العائلة”، حتى حين تكون حياة الطفل نفسها في خطر.
ولذلك، فإن مراجعة التشريعات أصبحت ضرورة ملحّة. وإنشاء منظومة إنذار حاجة عاجلة. لا بد من تفعيل دور الرعاية الاجتماعية، وربط المؤسسات التعليمية والصحية بآليات تبليغ فوري، وتدريب كوادر قادرة على التعامل مع الأطفال المعنفين، وفتح قنوات آمنة تسمح بالإبلاغ دون خوف أو تواطؤ أو تسويف.
إن أخطر ما تكشفه جريمة رواد هو الصمت الذي يسبق الجريمة. ذلك الصمت الذي يجعل كثيرًا من الأطفال يعيشون في بيئات غير آمنة دون أن يراهم أحد، ودون أن يسمع استغاثتهم أحد، إلى أن تتحول معاناتهم إلى صورة مؤلمة على صفحات التواصل الاجتماعي. عندها فقط نكتشف الطفل، بعد أن نخسره.
والسؤال الذي تطرحه جريمة رواد لا يتعلق بمرتكب الجريمة وحده، بل بالمجتمع والدولة والمؤسسات والقوانين. فإذا كان الطفل قد يصبح مهددًا داخل البيت نفسه، فمن يحميه؟
الإجابة تشمل الأسرة ضمن منظومة أوسع، وتشمل العقوبة كجزء من معالجة أشمل، في إطار قانوني واجتماعي متكامل يجعل حماية الطفل مسؤولية جماعية، ويضع حقوقه في صدارة الأولويات الوطنية.
فرحيل رواد يجب ألا يتحول إلى قصة أخرى تثير الغضب لأيام ثم تُنسى. ينبغي أن يكون لحظة مواجهة حقيقية مع واقع حماية الطفل في ليبيا، ومع التشريعات والآليات التي أثبتت عجزها عن حماية الفئات الأكثر ضعفًا، ومع سؤال مؤجل طال الهروب منه: كم طفلًا آخر يجب أن يدفع حياته ثمنًا قبل أن تصبح حماية الأطفال قضية وطنية جادة؟