منى توكا في حوار مع الدكتور سالم قرصدي
في طريقٍ قادني مؤخرًا إلى مدينة الكاف، في أقصى الشمال الغربي التونسي، توقفت أمام شجرة تُعرف محليًا باسم “أم الشلاليق”. هناك، في منطقة حمّام ملاق القريبة من الكاف، تتدلى قطع القماش القديمة من الأغصان يقصدها الزوار للتبرك وطلب الشفاء، أو تيسير الرزق والزواج؛ يربطون على أغصانها أقمشة ملونة أو “شلاليق” تختزل أمنياتهم المستعصية، يتركونها ويمضون على أمل أن تنحل عُقد حياتهم.
لم أتعامل مع المشهد حينها باعتباره أكثر من موروث شعبّي محلي يثير الفضول، فالتقطت صورة للمكان ونشرتها على خاصية “الستوري”، ثم أكملت رحلتي.
لكن تلك الصورة، على بساطتها، قادتني إلى حكاية أخرى تبعد مئات الكيلومترات جنوبًا، على الحدود الليبية.
بعد ساعات، وصلتني رسالة من صديق في تجرهي، البلدة الواقعة في أقصى الجنوب الليبي ضمن إقليم فزان، قرب الحدود مع تشاد والنيجر، حيث تعيش مجتمعات أقلية التبو منذ عقود طويلة في واحدة من أكثر مناطق البلاد عزلةً وتهميشًا. أخبرني أن منطقتهم تعرف بدورها شجرة تحمل رمزية مشابهة تُسمى “تاري”، وأن الحكايات المرتبطة بها ما تزال حاضرة في ذاكرة السكان حتى اليوم.
تجرهي، البعيدة عن المركز الليبي سياسيًا وإعلاميًا، تبدو للكثيرين مجرد نقطة معزولة وسط الصحراء، لكنها بالنسبة لبعض سكانها المحليين تحمل ذاكرة كاملة من العادات والرموز والحكايات التي نادرًا ما تجد طريقها إلى التوثيق. وربما هنا تحديدًا بدأ السؤال الذي دفعني إلى إجراء هذا الحوار: كم نجهل من التفاصيل التي تعيش داخل بلداننا؟ وكم من القصص تبقى حبيسة الجغرافيا البعيدة لأن أحدًا لم يلتفت إليها من قبل؟
توقفت طويلًا عند الفكرة. ليس بسبب التشابه بين الشجرتين فقط ، استوقفني ذلك الشعور الثقيل بأننا نعرف أوطاننا على نحو ناقص. فبعيدًا عن المدن الكبرى والعناوين السياسية اليومية، تعيش حكايات كاملة في الأطراف المنسية، حكايات لا تصل إلى الإعلام إلا نادرًا، ولا تجد مكانًا في السرد الرسمي للبلاد. في الجنوب الليبي تحديدًا، حيث غالبًا ما تُختزل المنطقة في أخبار التهريب أو النزاعات أو التهميش، تبدو التفاصيل الإنسانية والثقافية أكثر عرضة للاختفاء.
من هنا بدأتُ هذا الحوار حول شجرة “تاري”، باعتبارها نافذة صغيرة على موروث منطقة كاملة، وعلى جانب خفي من الجنوب الليبي قلّما يجد من يصغي إليه.
تجسيد المكنون الثقافي في الكائنات المادية
يستهل محدثنا الدكتور سالم قرصدي، الباحث المهتم بالثقافة التباوية، حديثه بوضع إطار تحليلي لظاهرة الارتباط بالكائنات المادية في مجتمعات متعددة، موضحًا أن التعبير عن الثقافة لا ينحصر بالضرورة في المجلدات المكتوبة أو الروايات الشفهية المعقدة، بل يتجسد في كثير من الأحيان في أشياء عينية ملموسة تعكس المفاهيم الاجتماعية السائدة. ويشير الدكتور قرصدي إلى أن هذه الرمزية تمثل قاسمًا مشتركًا بين شعوب شتى، كالعرب، والأمازيغ، والطوارق، والأكراد، والنوبيين، حيث تنعكس الثقافات في ماديات تصبح بمثابة مستودع للمكنون المجتمعي.
ومن هذا المنطلق، يرى الباحث أنه ليس غريبًا وجود شجرة يزورها الناس في تونس، أو شجرة يقصدها السكان في بلدة تجرهي بليبيا، أو حتى صخرة أو ضريح ولي صالح في مناطق أخرى؛ فجميع هذه الممارسات تصب في سياق ما يفسره علم النفس بوجود مضمون مقدس ومكنون نفسي يدفع الفرد لتجسيد ثقافته وعواطفه في رمز مادي، يشعر عند زيارته وممارسة طقوسه بأنه يلامس أمنياته ويحقق تصالحه مع محيطه، وهي باختصار، ترجمة لمفاهيم فكرية مجردة إلى أشكال مادية لا تستغني عنها المجتمعات في التعبير عن ذاتها.
جغرافيا العزلة: الذاكرة الحية في رمال تجرهي
ينتقل الباحث من الإطار النظري العام إلى الذاكرة الحية المعاشة، مسترجعًا سنوات طفولته في بلدة تجرهي ومؤكدًا أن حديثه عن شجرة تاري لا ينبع من بطون الكتب أو المنقول عن رواة آخرين فقط، إذ يعتبره رصدًا لواقع عاينه وعاش تفاصيله بنفسه في تلك النقطة الجغرافية البعيدة. تقع شجرة تاري في الجهة الجنوبية الغربية من بلدة تجرهي، وتتميز بكونها شجرة وحيدة، بارزة، وشديدة الارتفاع، حيث يقدر طولها بنحو عشرين إلى ثلاثين مترًا، وتنبت صامدة في منطقة قاحلة تخلو تمامًا من النخيل أو أشجار الطلح أو أي غطاء نباتي آخر، مما جعلها علامة بصرية بارزة ومزارًا طبيعيًا واجتماعيًا لأهل المنطقة.
ويستحضر الدكتور مشاهد طفولته المرتبطة بهذا المعلم، لا سيما خلال المناسبات الاجتماعية الكبرى كالأعياد والأعراس، ففي عيدي الفطر والأضحى، كان السكان يقصدون الفضاء المحيط بالشجرة للترويح عن أنفسهم والتعبير عن الفرح عبر طقس محلي يُعرف عند التبو بـ “أبي تنكي” بمعنى الرقص أو اللهو، حيث كانت النساء والأطفال يتجمعون عند الشجرة بعد العصر، وتصدح النساء بالأغاني التراثية المعروفة في الثقافة التباوية، بينما يحيط الرجال والشباب بالمكان في أجواء احتفالية تستمر حتى قبيل المغرب، ليعود الجميع بعد ذلك إلى بيوتهم معلنين نهاية الاحتفالية اليومية. ولم يقتصر دور الشجرة على الأعياد فحسب، بل كانت الوجهة المفضلة في مناسبات الزواج أيضًا، إذ جرى العرف الاجتماعي بأن تخرج مواكب الأفراح والنساء للغناء خارج المحيط العمراني الضيق للقرية، ولم يكن هناك مكان أكثر ملاءمة واحتضانًا لتلك اللحظات من فضاء شجرة تاري الرحب.
تراتبية السلطة الشرعية.. برلمان تحت ظلال الأغصان
تتجاوز الرمزية الاجتماعية لشجرة تاري حدود الأفراح والمناسبات الموسمية لتلامس البنية السياسية والتشريعية للمجتمع التباوي، إذ تمثل الشجرة تجسيدًا حيًا للسلطة والشرعية السياسية، حيث يوضح الدكتور قرصدي أن مراسم تنصيب وتسمية سلاطين ومشايخ التبو كانت تُعقد تاريخيًا تحت ظلال هذه الشجرة، وفوق هذا الفضاء المفتوح يجتمع الأعيان وقادة القبائل لإعلان الولاء وتثبيت السلطان الجديد وتدشين عهده.
وللتأكيد على هذه المكانة السيادية، يستشهد الباحث بحدث تاريخي وثقته الصور التذكارية التي ما زالت محفوظة، حيث قام أحد سلاطين التبو البارزين، ضمن السلسلة التاريخية لسلاطين التبو البالغ عددهم نحو ثمانية عشر سلطانًا وهو السلطان ماي زيارة خاصة إلى بلدة تجرهي في عام 1996، وحرص فور وصوله على التوجه مباشرة إلى شجرة تاري لالتقاط صورة تذكارية برفقة أعيان المنطقة، وهو ما يعد دليلًا ملموسًا على أن الشجرة تمثل رمزية سياسية وسيادية عليا تضفي الشرعية على السلطنة وتمنح القادمين إليها اعترافًا يتجاوز حدود المكان.
جدلية الأسماء والمقارنة بين “تاري” و”أركنو”
في مسعى لتفكيك الجذور اللغوية والثقافية لهذا المعلم، يشير الدكتور قرصدي إلى وجود شجرتين محوريتين في ثقافة التبو تحملان دلالات متشابهة وهما شجرة تاري وشجرة أركنو، حيث تنتشر الأخيرة في مناطق جبال تبستي وجهة الكفرة، وحملت معالم جغرافية كاملة اسمها مثل جبال أركنو في جهة العوينات ووادي أركنو. وتحظى شجرة أركنو أيضًا بمكانة خاصة جدًا ترتبط بالجانب السياسي من حيث حرص سلاطين التبو تاريخيًا على إتمام مراسم تنصيبهم تحتها، كما ترتبط بجانب قبلي وتوثيقي دقيق يجعلها بمثابة سجل مدني مفتوح، إذ تملك كل قبيلة من التبو وسمًا أو علامة معينة تُعرف محليًا بالـ “أربي”، وكان الرعاة يتجمعون تحت الشجرة وينقشون رموز قبائلهم على جذعها باستخدام المدى والسكاكين، حتى غدا الجذع حافلًا بعشرات العلامات المتداخلة، وهو ما ولّد مثلاً شعبيًا في اللغة التباوية يُضرب للجمل الذي يكثر ملاكه وتتعدد الأوسام على جسده، فيقال إن هذا الجمل مثل شجرة الأركنو في إشارة لكثرة العلامات فوقه.
وينقل الباحث عن كبار السن ميزة فيزيائية تواترت الأخبار عنها، وهي أن الرعاة في الصحراء كانوا يحتمون بشجرة أركنو أثناء العواصف الرعدية لأنهم لاحظوا عبر التجربة المتكررة أن البرق والصواعق لا تضرب هذه الشجرة مطلقًا، فغدت ملاذًا آمنًا من تقلبات الطبيعة القاسية. ويؤكد الدكتور قرصدي أن شجرة تاري في تجرهي تؤدي تمامًا نفس الدور الوظيفي والاجتماعي والسياسي لشجرة أركنو في المناطق التي لا تنبت فيها الأخيرة، فكلاهما يمثل فضاءً للاستظلال، وعقد رايات الصلح، وتنصيب السلطة، واحتضان الأفراح والمناسبات الثقافية. ومن الناحية اللغوية، يوضح الباحث أن الجذر اللغوي لكلمة تاري أو تار في اللغة التباوية ولغة الدزة يحمل معاني العلو، والارتفاع، والوقوف الشامخ، واستخدام لفظ تاري يأتي صيغةً لتضخيم المعنى، وتعظيم الشجرة، وتخصيصها كعلامة جغرافية وبصرية بارزة ترشد المسافرين وتحدد الهوية المكانية في قلب الفضاء الصحراوي المنبسط.
الخصائص البيولوجية المعكوسة وأسطورة التقديس العلمي
خلال رحلة بحثه المستمرة حول الموروث التباوي، تواصل الدكتور قرصدي مع باحثين من التبو المقيمين في فرنسا للحصول على الاسم العلمي والأجنبي لشجرة تاري، وبمراجعة المصادر والمراجع العلمية العالمية، تكشفت له حقائق بيولوجية مذهلة تفسر، من منظور علمي حديث، أسباب منح هذه الشجرة مكانة تقديرية فريدة قد تبدو للمجتمعات المحلية مجرد طقس روحي أو إرث متوارث، إذ تتميز هذه الشجرة بخصائص نباتية نادرة ومعكوسة تمامًا مقارنة ببقية الأشجار، ففي الوقت الذي تنبت فيه أوراق الأشجار الأخرى وتكتسي بالخضرة مع هطول الأمطار، تسقط شجرة تاري أوراقها بالكامل في موسم المطر، وعندما يحل الجفاف التام وتتساقط أوراق النباتات الأخرى، تبدأ شجرة تاري في إنبات أوراقها الخضراء.
وتكمن الأهمية العلمية لهذه الدورة البيولوجية المعكوسة في قدرة الشجرة الفائقة على تثبيت غاز النيتروجين في التربة، حيث تسحب الغازات من الهواء لتركز النيتروجين في جذورها وتنثره في الأرض المحيطة بها على مسافة تصل إلى كيلومتر كامل، وبسقوط أوراقها في موسم الأمطار، تتحلل هذه الأوراق لتصبح سمادًا حيويًا يغذي التربة ويوفر النيتروجين الأساسي لنمو الأعشاب والنباتات الرعوية الأخرى التي تعتمد عليها الماشية، وبذلك تصبح الشجرة بمثابة محرك حيوي يضمن حياة البيئة المحيطة بها في فترات الجفاف والإنبات، وهو ما يعطي تفسيرًا أنثروبولوجياً عميقاً للطقوس التي دارت حولها.
ويرتبط عمر الشجرة المديد، الذي يُقدر بأكثر من مئتي سنة، بعقد مراسم تنصيب السلاطين تحتها تيمّنًا بطول فترة الحكم واستقرار السلطة واستمرار شرعيتها المتجذرة كشاهد تاريخي ينقل الدستور العرفي غير المكتوب من عهد إلى آخر، كما أن اختيارها لطقوس الأعراس والأفراح يأتي تيمّنًا بخصوبتها وقدرتها على تغذية الأرض وإحياء النباتات الأخرى كرمزية لطلب الذرية الصالحة والزيجات الناجحة المستقرة، فضلًا عن كونها فضاءً محايدًا لعقد لقاءات الصلح وحل النزاعات العشائرية كونها تمثل فضاءً عاماً لا يتبع ملكية فرد أو قبيلة بعينها، مما يضفي على أحكام الصلح صبغة النزاهة والقبول الجماعي.

الواقع الراهن: صمود الشجرة واحتضار الطقوس
عند الانتقال إلى العصر الحديث، يشخص الدكتور قرصدي واقع الشجرة اليوم بنبرة يمتزج فيها الفخر بالأسى، فرغم رحيل كبار السن والوجهاء الذين عاصروا فترات ازدهار الشجرة واحتضنوا ذكريات زيارتها وتزوجوا تحت ظلالها، ورغم اندثار الطقوس القديمة كأغاني النساء التقليدية والاجتماعات السياسية العرفية بفعل التحولات الحياتية وعصرنة مجالس الأفراح التي باتت تعتمد على السيارات والأنماط الحديثة، إلا أن القيمة الرمزية للشجرة لا تزال حية في وجدان أهل تجرهي، ولم يمتد الزحف العمراني إلى موقع الشجرة بعد إذ لا تزال صامدة في عزلتها بجنوب البلدة وسط الفضاء الصحراوي. ومع ذلك، فإن الشجرة تعاني اليوم من آثار الجفاف الشديد، وارتفاع درجات الحرارة، وعوامل الرياح، ونقص المياه، مما أدى إلى تكسر بعض أغصانها وجفاف أجزاء منها مقارنة بالماضي حين كانت وارفة وخضراء يتسلقها الأطفال. ويردد الباحث أمنيات كبار السن قبل رحيلهم بضرورة التفات الأجيال الشابة والجهات المسؤولة لحماية هذا المعلم عبر حفر بئر مياه جوفية بجانبها لسقايتها وإعادة الخضرة إلى أوصالها.
ويختتم الدكتور قرصدي حديثه بالإشارة إلى غياب الجهود الرسمية لتسجيل الشجرة وتوثيقها ضمن التراث الوطني أو العالمي، مقارنة بنماذج مشابهة مثل شجرة تينيري الشهيرة في صحراء النيجر التي حُظيت باهتمام دولي كبير، ورغم هذا التقصير الرسمي، تظل شجرة تاري معلمًا بارزًا يزوره كل وافد أو ضيف يحل على تجرهي، بما في ذلك الوفود والمشاركون في الفعاليات الحديثة مثل مهرجان تجرهي الدولي لسباق المهاري، حيث تُدرج الشجرة كوجهة تاريخية وثقافية رئيسية، وقد أفرد الباحث فصلًا خاصًا لتوثيق الأهمية التاريخية والثقافية لهذه الشجرة في كتابه الصادر بعنوان “تجرهي بلد الطيوب”، ليكون بمثابة الوثيقة المكتوبة المتاحة لحفظ ذاكرة شفوية كادت أن تذروها الرياح، مؤكدًا ومشددًا على أن شجر التبو، سواء أكان أركنو في تبستي أو تاري في تجرهي، هو رمز للهوية والتجذر والشموخ والتكاتف الاجتماعي.
في المحصلة، أعادتني رحلة عابرة إلى الكاف إلى سؤال أكبر بكثير مما توقعت لحظة وقوفي أمام “أم الشلاليق”. فما بدأ بصورة لشجرة تُعلّق عليها الأمنيات، انتهى باكتشاف عالم كامل من الرموز والذاكرة في أقصى الجنوب الليبي، حيث تقف “تاري” شاهدة على تاريخ اجتماعي وسياسي وثقافي ظل بعيدًا عن الضوء.
وبين الشجرتين، برز السؤال الذي رافق هذا الحوار منذ بدايته: كم نعرف فعلًا عن أوطاننا؟ وكم من الحكايات تبقى حبيسة الأطراف المنسية لأن أحدًا لم يلتفت إليها؟
لقد كشفت “تاري” أن الموروث الشعبي يعيش في التفاصيل التي تصنع علاقة الناس بالمكان والسلطة والهوية. كما أظهرت أن مناطق الحدود الليبية، رغم ما يحيط بها من عزلة وتهميش، تحمل داخلها ذاكرة غنية ومعقدة تتجاوز الصورة النمطية التي تُختزل فيها غالبًا. وربما لهذا أصبحت الرحلة بالنسبة لي محاولة لفهم تلك المسافات الخفية داخل أوطاننا، حيث تعيش قصص كاملة تنتظر من يصغي لها ثم يرويها قبل أن تختفي وتتلاشى بموت الأجداد والجدات .