دروج Drooj

في مقطع فيديو شاهدته أيام حرب طرابلس، ولا أذكر لو كان ذلك في 2019 أم 2020، كان رجل يحمل كاميرا يركض موجّهًا عدستها نحو رجل آخر جالس على الأرض في طريق عام، مغطّى بالدم والغبار. بدا كمن استيقظ لتوّه، أو كمن أُسقط من نوم عميق في مكان لا يعرفه. اقترب منه صاحب الكاميرا، بينما تحلّق حوله جمع من الناس يسألونه إن كان بخير. حرّك الرجل رأسه يمنة ويسرة. بدا في الحقيقة كأنه هبط إلى الأرض للتو ولا يدري أين هو. ثم رفع عينيه إلى العدسة، مذهولًا من وجودها، ومن وجوده، ومن كل الوجوه المحيطة به. أخبره المصوّر أن سيارته مرّت فوق لغم، وأن الشخص الذي كان معه مات. سأل الرجل: من كان معاي؟ قال المصوّر: لا حول ولا قوة إلا بالله، أنت تحت تأثير الصدمة. فسأل من جديد: أني وين؟ من كان معاي في السيارة؟

شاهدت الفيديو مرارًا على مدى أيام. كنت أوقف الصورة عند اللحظة التي تلتقي فيها عينا الرجل بالعدسة. كانت الحيرة أكثر ما طغى عليهما. تبدو الصدمة أشبه بحيرة كبيرة وعلامات استفهام. كأن الانفجار قطع تسلسل العالم والزمن من حوله. فكرت في الرجل الذي مات بجانبه، وفي الحديث الذي كان يدور بينهما قبل ثانية واحدة من انفجار اللغم، وفي الجملة التي انقطعت، والضحكة أو الشتيمة أو الصمت الذي سبقه. وفكرت في الرجل الناجي. هل عادت إليه ذاكرته؟ هل عرف لاحقًا من مات إلى جواره؟ وهل عاش أصلًا؟ وحتى إن عاش، والتأم جسده وعاد عقله إلى مكانه؛ هل حقًا سيعود عقله إلى مكانه؟ كنت أعرف أن تلك اللحظة بالذات لن تعود إليه. ستظل خارجه، محفوظة في هاتف شخص غريب، وفي رأسي أنا، وربما في رؤوس أناس غيري بقيت اللحظة محفوظة في ذاكرتهمن.

*

قبل ذلك بقرابة عامين، كنتُ قد بدأت أول دوام لي في بار داخل مركز ثقافي بمانشستر، وكان ذلك في اليوم التالي لتفجير سلمان العبيدي نفسه عند مدخل قاعة الآرينا، بينما كان الجمهور يغادر حفلًا لأريانا غراندي. قتل اثنين وعشرين شخصًا، معظمهم من الأطفال والشباب وأهاليهم، وكان أصغرهم طفلة في الثامنة. خرجوا من حفلة بوب، أو كانوا ينتظرون أبناءهم عند الأبواب، حين تحول المكان الذي امتلأ قبل لحظات بالموسيقى الحيّة إلى مسرح دم وموت.

يومها أخذني مساعد المدير في جولة سريعة حول المبنى. هنا قاعات السينما. هنا مدخل المسرح الصغير. هذه الممرات تقود إلى مداخل المسرح الكبير. هذا بار الطابق الأرضي، هذا بار السينما. هذا بار المطعم. أخذني بعدها إلى القسم الخاص بموظفي المركز وعمّال خدماتها. سلّمني قميص العمل الأسود، ثم سألني إن كنت بخير. كنت أبدّل قميصي في غرفة العمّال وهو واقف عند الباب. قال إنه أيرلندي، وإنه يعرف شيئًا عن الشعور الذي قد أمرّ به. كان في الثالثة من عمره حين فجّر الجيش الجمهوري الإيرلندي قلب مانشستر سنة 1996، لكنه عرف تداعيات الحادثة من أسرته، ومن الذاكرة التي ورثها عنها.

خلال دوامي الأول ذاك، بقيت واقفًا خلف بار المطعم، أحضّر الكوكتيلات وأملأ أقداح البيرة وأصبّ كؤوس النبيذ. وكلما خفّ العمل، التفتُّ لأنظر عبر الحائط الزجاجي إلى الساحة المقابلة للمبنى. أذكر أن زميلًا آخر سألني إن كنت بخير. قال إنه إيرلندي هو أيضًا، وكان في الرابعة عشرة حين وقع انفجار مانشستر نفسه الذي حدّثني عنه مساعد المدير. غابت الشمس وراء غيمة بينما كان يسرد لي ما خلّفه الانفجار في حياة الإيرلنديين المقيمين في المدينة، فتخيّلت الحائط الزجاجي يتناثر من حولنا. كنت أسمع طقطقة شظايا كأس نبيذ تحطمت على الأرض قبل قليل تحت قدمي، لكن الصوت بدا لي كأنه صادر عن زجاج الحائط بعد لحظة انفجار تخيّلتها. وحين سكت زميلي، منتظرًا أن يسمع مني ردًا، قلت له إنني بخير.

*

لم أكن بخير. كنت قد عدت إلى مانشستر بعد سبع سنوات في لندن، سبقتها وتخللتها شهور من التجوال في جنوب أوروبا وجزر الكناري، أبحث عن مكان لا يسألني أحد فيه من أي بلد جئت، ولا ينتظر مني أن أشرح له ما يحدث فيه. تنقلت بين كومونات يعيش أفرادها خارج الإيقاع المعتاد للمدن. سكنت كهوفًا وخيامًا وأعشاشًا أقيمت من الخشب والقماش وأشياء جُمعت من الطرقات. تلك الحياة لم تطلب منّي الكثير. لا بيتًا ثابتًا، ولا مالًا كثيرًا، ولا كهرباء كل يوم. كان يكفي أن تشارك في إعداد الطعام، أو جلب الماء، أو جمع الحطب لإشعال النار قبل حلول الليل، حتى تصير واحدًا منهم. أعجبتني الحياة التي يمكن فيها اختصار الاحتياجات إلى هذا الحد. كنت أستيقظ من دون وظيفة أذهب إليها، ومن دون عقد إيجار أو فواتير تنتظرني، وأقضي أيامًا لا أعرف فيها التاريخ ولا أحتاج إلى معرفته. عثرت هناك على معظم ما ظننته خلاصًا. أي المسافة البعيدة عن الواقع، وقلة الممتلكات، والعيش بين أشخاص لا يسألون كثيرًا عن الماضي. 

لكنني لم أتخلص من ليبيتي. كان السؤال يُطرح بعد ساعات أو أيام من التعارف. من أين أنت؟ وما إن أقول ليبيا حتى يتحول البلد إلى اسمي الآخر. كنت الليبي الوحيد، حتى صار اسمي يسقط من ذاكرة الناس، ويبقى اللقب الليبي. ينادونني به حين يطلبون مساعدتي، ويقدّمونني به إلى القادمين الجدد. هذا كريستوفر، هذه آلما، هذه نويليا، وهذا الليبي.

*

ثم عدت إلى بريطانيا. بقيت في لندن أيامًا، وبعدها ذهبت إلى مانشستر. قررتُ أن لندن لم تعد تنفعني. فالمشروع الذي ذهبت من أجله إليها، وبنيت حوله سنواتي هناك، كان يتفتت بين أصابعي. لم أعد قادرًا على الكلام. أصبحت عاجزًا على الكتابة. تتكاثر الحروب والهجرات والمجازر وتمر أمامي في الأخبار، فأتابعها من دون أن أجد لها مكانًا في رأسي أو لغة تقدر على تناولها. تساوت الوقائع من كثرتها. كل واحدة منها تمحو أثر التي سبقتها. كانت القراءة والكتابة آخر ما ألجأ إليه عادة حين ينهار كل شيء. ترتبان الفوضى. لكنهما فقدتا معناهما هذه المرة. أفتح كتابًا فأتنقل بين السطور شاردًا، وأجلس أمام الدفتر لساعات من دون أن أعرف من أين أبدأ. باتت كل الكلمات مستهلكة. عاجزة أمام ما يحدث. 

قلت لنفسي إن البقاء قريبًا من العائلة قد يكون كافيًا في هذه المرحلة. إن لم أستطع الكتابة فربما أستطيع أن أكون ابنًا حاضرًا وأخًا قريبًا. شخص يمكن العثور عليه عند الحاجة. أن أذهب إلى العمل، وأعود إلى البيت، وأزور أهلي في العشيات وعطلة آخر الأسبوع.

ثم حدث الانفجار فور عودتي مباشرةً. امتلأت الصحف اليومية بالحكايات عن الانتحاري وعائلته وسفره إلى ليبيا وعودته منها، وعن أصدقائه، والمسجد الذي كان يرتاده، والجالية التي ترعرع وسطها. كانت هناك رغبة محمومة في تركيب الشر، وفي منحه طفولة وشارعًا ولهجة وبلدًا. من ربّاه، ومن صلّى إلى جواره في المسجد، ومن جلس معه في المدرسة. ليبيا التي خرج منها أو عاد إليها، ومانشستر التي وُلد ونشأ فيها ولكنها لم تحتويه، والجالية التي قضت عقودًا طويلة تعيش فيها بعيدًا عن الأنظار، فإذا بها تجد الضوء مسلّطًا عليها. صار كل ناسها محل شبهة. تحولوا من جماعة منسية في ظلّ جاليات عديدة تحتويها المدينة، إلى مجموعة تبحث فيها الشرطة والصحافة والجمهور عن تفسير لما حدث.

في الأيام التالية، توالت أخبار المداهمات التي طالت بيوت عائلات ليبية في مانشستر. كانت الدوائر تتسع بسرعة. مجرد اتصال قديم أو رسالة نصية أرسلت منذ سنوات أو معرفة مشتركة، كانت كفيلة للاعتقال. والليبيون، حتى في المنفى، يعرفون جيدًا معنى أن تطرق السلطة الباب. لا يهم كثيرًا إن كانت هذه السلطة ترتدي زيًا مختلفًا وتتحدث لغة أخرى. ففي الذاكرة القديمة يعيد التخبيط على الباب صور التفتيش والاستدعاء والخوف من أن يتحول القرب من شخص ما إلى تهمة لا يعرف الواحد كيف يدافع عن نفسه منها. والجالية التي عرفتها في صباي، ثم ابتعدت عنها، انكمشت أكثر بعد الانفجار. صار الناس يراجعون رسائلهم واتصالاتهم واللقاءات التي نسوها. بدا كأن كل خيط صغير يمكن أن يُسحب فجأة، فيقود إلى آخر ثم إلى عائلة بأكملها. صار ممكنًا أن يجد الإنسان نفسه قريبًا من قنبلة لم يعرف أنه يقف أصلًا داخل دائرتها.

*

بعد أسابيع، كنت أتمشى في حديقة بلاتفيلد في نهار رمضاني، أفرك حشيشًا في يدي وأخلطه بالتبغ، ولم يكن عندي ورق بافرة لألفّه. رأيت شابًا يجلس على كرسي ويدخن جوينتًا. تقدّمت نحوه لأطلب ورقة، وما إن صرت قريبًا منه حتى عرفته. كنا نعرف بعضنا منذ طفولتنا، ثم رأيته مرارًا في الأخبار بعد الانفجار، يتبرأ مما فعله سلمان العبيدي ويتحدث عن الجالية وصدمتها. كنت أذكره فتى متدينًا، أو هكذا استقر في ذاكرتي، ولذلك بدا غريبًا أن أجده جالسًا في الحديقة يدخن في نهار رمضان.

سألته إن كان معه ورق بافرة. رفع عينيه إليّ وتخيلت أنه سيتذكرني، لكنه لم يفعل. هزّ رأسه إيجابًا، وسحب ورقة من علبة دخانه. طرحت حشوة التبغ والحشيش على الورقة ولففتها، ثم سألته إن كان ليبيًا. بعد ذلك بدأنا نتحدث. شيء ما في داخلي جعلني لا أخبره أننا نعرف بعضنا. ربما كان القلق، أو ربما تلك الرغبة في أن أظل شخصًا لا ماضي له معه. إنه الخنس الليبي متجلّيًا ربما.

سألني منذ متى أعيش في مانشستر. كذبت وقلت إنني وصلت المدينة حديثًا. كانت كذبة بيضاء، أو هكذا أبررها لنفسي الآن، لأنني كنت قد عدت إلى مانشستر فعلًا منذ بضعة أسابيع. لكنني خفت أن يسألني متى غادرت ليبيا، وأن أضطر إلى قول 2005، ثم أعترف له أنني عشتُ فيها سنوات وأنني أعرفه زمان. لكنه لم يسأل. بقي يحدثني عن المدينة كأنني شخص جديد فيها، عن جنوب مانشستر تحديدًا، عن ليفنشيوم وفالوفيلد وروشلم، وعن الشوارع التي تغيّرت، والليبيين الذين غادروا بعد 2011، والآخرين الذين جاءوا إليها حديثًا. ولم يذكر الانفجار بتاتًا.

بعد لحظة سكوت سألته كيف يدخن في رمضان، رغم أنني كنت أحمل جوينتًا في يدي أيضًا. قلتها بشيء من السماجة، وربما بتأثير الانسطال. هزّ كتفيه. سألته: مش خايف من ربي؟ هزّ رأسه وابتسم وقال: ربي نسانا. خلاص معش في ربي. لم أعرف كيف أرد. فقد قالها بثقة. بقيت الجملة معلقة بيننا، حتى لاحظ صمتي المطبق. نظر لي وأضاف: No disrespect.

*

أعود إلى وجه الرجل المدمى في الطريق أيام حرب طرابلس، إلى صورته المعلقّة على عينيه وهما تنظران إلى العدسة. إلى سؤال أين أنا، ومن كان معي. كان الناس من حوله يعرفون أكثر مما يعرف هو عمّا حدث. يعرفون أن السيارة مرّت فوق لغم، وأن الرجل الذي كان يجلس إلى جواره مات، وأنه نجا. أما هو، فكان يجلس وسط بقايا الانفجار دون معرفة أي جزء من حياته انتهى قبل لحظات. 

أفكر أن سؤاله لم يكن سؤاله وحده. كان سؤال الليبيين في مانشستر حين صار اسم بلدهم يرد في الأخبار إلى جوار اسم سلمان العبيدي، وحين تحولت القرابات القديمة والعلاقات إلى شُبهة. وكان سؤال الشاب الذي جلست معه في الحديقة أيضًا. قرابته من العبيدي جعلته داخل دائرة الانفجار. صحيح أنه لم يتذكر أنني كنت يومًا جزءًا صغيرًا من ماضيه، وإن الأمر بدا عاديًا ساعتها، لكنه عاد إليّ لاحقًا وأنا أفكر في الرجل المدمى في الطريق. ذلك الرجل لم يتذكر من كان معه في السيارة، وهذا الشاب لم يتذكر من كان يعرفه قبل أن تدخل القنبلة حياته. بينهما، الرجل المُدمى والشاب في الحديقة، نفس الصدع. انفجار قطع الصلة بين الإنسان وماضيه، تاركًا الآخرين، ربما، يحملون ذاك الجزء المفقود من ذاكرته. تلك الثانية التي انفصلت عن حياته وظلت معلقة خارجها كشظية.

Share This Article

منشورات ذات صلة

في مقطع فيديو شاهدته أيام حرب طرابلس، ولا أذكر لو كان ذلك في 2019 أم 2020، كان رجل…

منى توكا في حوار مع الدكتور سالم قرصدي في طريقٍ قادني مؤخرًا إلى مدينة الكاف، في أقصى الشمال…

في وصف أسمرا، يثني الراوي جماليًا على تحويل الإيطاليين المدينة إلى جنة ما. هنا ينطلق توكوابو مع رفقائه…

أعدّها وأجراها: سعد العشة زرتُ دار الفنون بطرابلس أول مرّة في أواخر 2013، حين احتضَنَت المدينة مهرجان "اللمحة…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.