في بلدٍ منقسمٍ بين سلطتين، تتنافس طرابلس وبنغازي اليوم على النفوذ السياسي وعلى صناعة صورة جديدة عن “ليبيا الطبيعية”، حيث تروّج كليهما نفسها عبر المهرجانات والحفلات، وعبر البطولات والمباريات. خلف الأضواء والابتسامات، تتوارى حقائق القمع والفساد والفقر، بينما يُستدعى الترفيه والرياضة كأدوات ناعمة لتجميل وجه كل سلطة.
في الغرب، تحوّلت طرابلس إلى واجهة استعراضية تُستقدم فيها النجوم وتُقام الحفلات في الساحات العامة. ظهرت صور الفنانين العرب إلى جانب عدد من الإعلاميات والمؤثرين، وهم يحتفون بالعاصمة في مهرجانات الترفيه الصيفية، في مشهدٍ أرادت السلطة منه أن تقول: «طرابلس آمنة، تنبض بالحياة». لكن هذا البريق يخفي واقعًا قاسيًا من الأزمات اليومية، وانقطاع الخدمات، والاحتقان السياسي والاجتماعي وحروب الميليشيات الذي لم تفلح الموسيقى في تهدئته. المهرجانات هنا للطمأنة وسد الاحتقان أكثر من كونها للفن حقا.
أما في الشرق، فقد وجدت السلطة هناك مدخلاً موازيًا لتلميع صورتها. المباريات الودية ومشاريع الملاعب والتصريحات عن “ليبيا الرياضية الجديدة” تُستخدم كرمز للانفتاح، بينما يوثّق الواقع انتهاكاتٍ جسيمة وغياباً كاملاً للحريات، إلى جانب كلّ الاختناقات الاقتصادية التي تعيشها بقية ليبيا. كرة القدم تحوّلت إلى ما يشبه إعلانًا سياسيًا مغلفًا بالوطنية، يُخفي خلفه عسكرة المجتمع واستثمار الرياضة في تسويق صورة “الدولة المنضبطة”.
وبينما يتبادل الطرفان مشاهد البهجة، يظل الشعب الليبي متعطشًا فعلاً لهذه اللحظات من الفرح، من الغناء، من الأنشطة الرياضية والشعور بالحياة. من حق الناس أن يحتفلوا، وأن يشاهدوا نجومًا، أن يفرحوا دون تأويل سياسي. لكن ما يُحزن هو أن هذه “النخبة” التي تُنظّم المهرجانات وتدعو الرياضيين والفنانين العرب والعالميين اليوم، هي ذاتها التي لو استأثرت بالسلطة غداً لما سمحت بمهرجان واحد، ولا بحفلٍ في ساحة عامة. بذلك تُقدَّم البهجة الآن كمنّة، لا كحق.
في النهاية، الترفيه والرياضة في ليبيا اليوم ليستا مؤشرين على تعافي البلاد، بل على براعة السلطة في تسويق الوهم. يُعاد رسم المشهد الليبي على مسرحٍ مضاء جيدًا، لكن خلف الكواليس ما زال البلد غارقاً في الظل.