دروج Drooj

لماذا يخيفنا الاختلاف أكثر مما يخيفنا العنف؟

لم يكن الشاب الإثيوبي يحمل سلاحًا، ولم يكن يعتدي على أحد، ولم يكن يهدد أمن مدينة أو دولة. كان يحمل صليبًا فقط.

ومع ذلك، كان ذلك كافيًا لكي يتعرض للضرب والإهانة في أحد شوارع طرابلس، أمام عدسات الهواتف المحمولة، وأمام مجتمع اعتاد أن يصف نفسه بأنه مجتمع محافظ ومتدين وصاحب منظومة أخلاقية راسخة.

قد تبدو الحادثة للوهلة الأولى مجرد اعتداء فردي ارتكبه شخصان ضد مهاجر إفريقي. لكن اختزالها في هذا المستوى يخفي حقيقتها الأعمق. فما ظهر في الفيديو ليس مجرد عنف جسدي، بل تجلٍّ واضح لمسار طويل من خطاب الكراهية والوصاية الاجتماعية وتجريد الإنسان من حقه في الاختلاف. في الحقيقة، لم يبدأ الاعتداء عندما رُفعت الأيدي على الشاب الإثيوبي، بل بدأ قبل ذلك بسنوات طويلة؛ في الخطب والمنشورات والبرامج والحوارات التي غذّت الخوف من الآخر، وصوّرت الاختلاف الديني والثقافي باعتباره تهديدًا يجب مواجهته، لا حقيقة إنسانية يجب التعايش معها.

صناعة العدو البديل: تفريغ شحنات العجز نحو الأسفل

العنف لا يولد في الشارع. العنف يولد أولًا في اللغة؛ يولد عندما يتحول المختلف إلى مشكلة، وعندما يصبح التنوع خطرًا، وعندما يُقدَّم الآخر باعتباره أقل قيمة أو أقل استحقاقًا للكرامة الإنسانية. وما إن تترسخ هذه الفكرة في الوعي الجمعي حتى يصبح الاعتداء على المختلف أمرًا يمكن تبريره أو التساهل معه أو حتى الاحتفاء به.

وهنا نصل إلى البنية الفكرية الأعمق التي أنتجت هذا المشهد: آلية “صناعة العدو البديل”.

في سوسيولوجيا المجتمعات المأزومة، عندما تعيش الجماعة حالة عجز مزمنة أمام قضاياها الكبرى، كالفساد الهيكلي، وسوء الإدارة، وانهيار المؤسسات، وسطوة السلاح، فإنها غالبًا ما تعجز عن توجيه غضبها إلى الأعلى، نحو مسببي بؤسها الحقيقيين، لأن مواجهتهم مكلفة وخطيرة. وبدلًا من ذلك، يجري تحويل طاقة الغضب، وبشكل تلقائي، نحو الأسفل، واختراع “عدو بديل” يكون ضعيفًا، وأعزل، ومتاحًا للاستقواء.

يتحول المهاجر، أو المختلف دينيًا، إلى كبش فداء مثالي. وبدل أن يسأل الشارع: “من سرق ثروات الدولة وصادر مستقبلي؟”، يتراجع الوعي ليصبح السؤال البديل والأسهل: “لماذا يرتدي هذا العابر صليبًا؟”. إنها استعادة وهمية لشعور القوة والسيطرة يمارسها أفراد يشعرون في عمقهم بالاضطهاد والتهميش، لكنهم يجدون في جسد المهاجر مساحة آمنة لممارسة سلطة قمعية باسم الجماعة.

الخوف من الحرية وليس من الرمز

لهذا السبب، لا يمكن النظر إلى حادثة الشاب الإثيوبي بمعزل عن البيئة الفكرية والاجتماعية التي أنتجتها. فالمعتدي لا يولد معتديًا؛ إنه نتاج ثقافة، نتاج خطاب، ونتاج سنوات من التطبيع مع الإقصاء والتحريض. ولعل أخطر ما كشفه الفيديو ليس سلوك المعتدين أنفسهم، بل حجم التعاطف الذي أبداه بعض الأشخاص مع الاعتداء، أو محاولاتهم الدؤوبة للبحث عن مسوغات له. فحين يبدأ المجتمع في البحث عن مبررات للعنف بدل البحث عن سبل منعه، يصبح الخطر كامنًا في الوعي نفسه، لا في الحادثة المعزولة.

إن الصليب المعلّق في رقبة الشاب الإثيوبي ليس هو ما يهدد السلم المجتمعي، فالرمز في ذاته لا يملك مخالب. ما يثير ذعر “حراس العقيدة” الافتراضيين هو ما وراء الرمز: حق الإنسان في الاختيار.

إنه الخوف من الحرية في أصلها؛ الخوف من أن يملك الفرد الحق في ألا يشبه القطيع، وألا ينصاع لقوالب الهوية الجاهزة. إن ممارسة الوصاية العنيفة في الشارع هي محاولة بائسة لفرض سيطرة اجتماعية مطلقة تعوض غياب سلطة القانون الحقيقية، لتتحول القناعات الشخصية إلى مبرر لانتهاك الفضاء العام وتحويله إلى ساحة تفتيش عقائدي.

التناقض البنيوي: الأخلاق مقابل الهوية

المؤلم في المشهد أن الضحية لم يكن يمارس أي فعل عدائي؛ لم يكن يفرض معتقده على أحد، ولم يكن يدعو إلى دينه، ولم يكن ينتهك حقًا من حقوق الآخرين. كان موجودًا في الفضاء العام بصفته إنسانًا له معتقده وهويته الخاصة، وهي أمور يفترض أن تكون محمية بالقانون وبالأعراف الأخلاقية قبل أي شيء آخر.

لكن ما حدث كشف عن خلل عميق في فهم العلاقة بين الدين والأخلاق. فالأخلاق لا تُقاس بقدرة الإنسان على ملاحقة المختلفين عنه، والإيمان لا يُقاس بكمية الغضب التي يوجهها الإنسان نحو الآخرين، والفضيلة لا تثبت نفسها من خلال إذلال الضعفاء. على العكس تمامًا؛ إن القيمة الأخلاقية الحقيقية لأي مجتمع تظهر في طريقة تعامله مع من يختلفون عنه، لا مع من يشبهونه.

المعضلة الفلسفية هنا تكمن في اختزال الأخلاق داخل حدود “الهوية”. لقد تحولت الفضيلة لدى شريحة واسعة من مجرد سلوك قيمي كوني يقوم على العدل، والرحمة، ونصرة المظلوم، إلى بطاقة انتماء لجماعة تحتكر الصواب الأخلاقي. وحين تتسيد هذه الرؤية الضيقة، ينهار الميزان الأخلاقي تمامًا، فلا يعود السؤال عند رؤية جثث العنف أو مشاهد الضرب: “هل هذا الفعل عادل أم ظالم؟”، بل يصبح السؤال التفتيشي الأولي: “لمن حدث هذا؟ وما دينه أو عرقه؟”. إذا كانت الضحية خارج حدود الهوية المعتمدة، يشرع العقل الجمعي فورًا في تبرير الجريمة أو غض الطرف عنها، لتسقط الأخلاق في اختبارها الحقيقي الأول.

هشاشة الدولة وصعود “شرطة الأخلاق” غير الرسمية

ولهذا، فإن السؤال الذي تطرحه الحادثة ليس: لماذا كان الشاب يرتدي صليبًا؟ السؤال الحقيقي هو: لماذا شعر بعض الأشخاص أن من حقهم الاعتداء عليه بسبب ذلك؟

هنا تحديدًا تبدأ الأزمة. فحين يتحول الأفراد في الشوارع إلى قضاة، ومحققين، ومنفذين للعقوبات، تتراجع سلطة القانون وتتقدم سلطة الغوغاء. هذا الصعود العشوائي لـ”شرطة أخلاقية” غير رسمية ليس سوى عَرَض مباشر لهشاشة الدولة وتفكك مؤسساتها؛ فعندما يغيب العقد الاجتماعي الحقيقي الذي يضمن الحماية المتساوية للأفراد، تبرز كانتونات اجتماعية صغيرة تمنح نفسها تفويضًا بمراقبة الأجساد والضمائر.

تتجلى المفارقة الليبية هنا في أقصى صورها قسوة وإزعاجًا: في الوقت الذي تئن فيه البلاد تحت وطأة أزمات بنيوية خانقة ترتبط بجرائم الفساد العابر للمؤسسات، ونهب الموارد العلني، وانتشار السلاح، وتغلغل شبكات الجريمة والتهريب، يجد الوعي الغوغائي ملاذه الآمن في خوض معركة شرسة ضد صليب صغير معلق على صدر عامل مهاجر مستضعف. وكأن الخطر الوجودي الذي يهدد نسيج المجتمع ليس هو الفساد الذي يلتهم حاضره، بل رمز ديني يحمله عابر لا يملك سلطة، ولا نفوذًا، ولا حماية. هذه الهستيريا الموجهة نحو المظاهر تعمل كآلية تخدير جماعي، تُغطي على العجز عن مواجهة الأزمات الحقيقية الكبرى.

مآلات الكلمة: من التحريض اللفظي إلى الدم

التاريخ الإنساني يقدم دروسًا واضحة في هذا المجال؛ فجرائم الاضطهاد الديني والعرقي لم تبدأ يومًا بالمجازر، بل بدأت دائمًا بالكلمات، بالتخويف من المختلف، بالتحريض عليه، بتقديمه كتهديد، وبتجريده تدريجيًا من كرامته الإنسانية، لتأتي بعد ذلك ممارسات الشارع الجسدية بصورة شبه تلقائية كتحصيل حاصل. لهذا السبب تحذر المواثيق الدولية باستمرار من خطابات الكراهية، لأن الكلمة المحرّضة اليوم هي اعتداء الشارع غدًا، واضطهاد الغد هو عنف جماعي منفلت في المستقبل.

إن الدفاع عن الكرامة الإنسانية لا يعني مطلقًا التخلي عن القناعات الشخصية أو تبني أفكار الآخر؛ إنه يعني ببساطة الاعتراف بحق الآخر في الوجود الآمن دون خوف من الإهانة أو التنكيل. هذا هو الحد الأدنى لبناء فضاء عام متحضر. أما البيئات التي تسمح للكراهية بأن تتحول إلى سلوك يومي مبرر، فإنها لا تؤذي ضحاياها المباشرين فحسب، بل تسمم نفسها أيضًا، لأنها تؤسس لسابقة خطيرة يصبح فيها الجميع، بلا استثناء، مهددين بالاستباحة بمجرد أن يجدوا أنفسهم — في أي سياق مستقبلي — في خانة الاختلاف.

اليوم كان الضحية شابًا إثيوبيًا يحمل صليبًا، وغدًا قد يكون أي مواطن يحمل رأيًا مغايرًا، أو فكرة مستقلة، أو هوية لا ترضى عنها سلطة الشارع. القضية إذن تتجاوز حدود الحادثة العابرة وتتجاوز الصليب والمهاجر.

ربما لم يكن الصليب هو الشيء الأساسي الذي كشفته حادثة طرابلس؛ بل كشفت حقيقة أكثر عمقًا وإزعاجًا: أن بعض المجتمعات، في ذروة أزماتها، تصبح أكثر خوفًا من الاختلاف منها من العنف، وأكثر تحسسًا من حرية الفرد منها من الظلم الواقع عليه. وحين تصبح معاقبة الاختلاف مقدمة على معاقبة الجريمة، لا يكون المجتمع قد فشل في حماية المهاجر المستضعف فحسب، بل يكون قد فشل، بنيويًا، في فهم وإدراك المعنى الحقيقي للأخلاق والعدالة.

Share This Article

منشورات ذات صلة

عاد ملف الهجرة خلال الأسابيع الأخيرة إلى واجهة النقاش في ليبيا. فمع الحملات الأمنية التي استهدفت تجمعات للمهاجرين…

لم يكن الشاب الإثيوبي يحمل سلاحًا، ولم يكن يعتدي على أحد، ولم يكن يهدد أمن مدينة أو دولة.…

لا شيء تغيّر في واقع التدافع البشري منذ اللحظة التي التقطت فيها كاميرا التاريخ مشهد ذلك المخلوق المتوحش،…

في كل مرة تُنشر فيها صورة لفتاة ليبية، أو تُتداول قصة عن امرأة تجاوزت السلوك المتوقع منها، يصدر…

عنّا

دروج، منصة حقوقية وثقافية تعمل لأجل توطين الحوار بشأن الحريات والحقوق، وإثراء حيز الفنون والثقافة في ليبيا.