تحكم معايير النوع الاجتماعي عددًا لا بأس به من الوظائف في ليبيا، ويصعب في كثير من الأحيان اختراق قواعدها. فهل يمكن أن تستعين المقاهي، كل المقاهي، حتى الصغيرة منها في الأحياء الشعبية، بـ”أسطى قهوة” بطلّة أنثوية، دون أن يثير وجودها الاستغراب؟
في حال تحقق هذا الخيال، ربما سيعتقد أغلب الزبائن أن الفتاة أجنبية، أو أن أمها غير ليبية، وسيمنحها هذا التصور حصانة جزئية من الأسئلة والأحكام. لكن من أين جاءت هذه الفكرة؟ وما الذي يجعل وجود امرأة ليبية خلف ماكينة القهوة أمرًا مستبعدًا إلى هذا الحد؟
عمليًا، تُعد بعض الوظائف حصرية للذكور. ويتطلب فهم النظرة الصارمة التي أنتجت هذه القسمة العودة إلى المنظومة المجتمعية وقدرتها على وضع حدود فاصلة بين الأدوار التقليدية للرجال والنساء. فهل يرتبط ذلك فعلًا بقدرات كلا الجنسين؟ فالفتيات في الدول النامية يواجهن تحديات تمتد عبر تاريخ طويل من ضيق الأفق، ومن تحديد ما تستطيع الأنثى فعله، وما يُعد “تابو” مجتمعيًا لا يجوز الاقتراب منه. يحدث ذلك في بلد ظل منغلقًا لعقود، ويتفاخر بعقيدته المحافظة على نحو يزداد تطرفًا.
حياة مفتوحة على الممكن
هل تحقق ما وصلنا إليه من حضور نسائي في الماضي نتيجة الصدفة أو الحظ وحدهما، أي دون تخطيط أو نضال؟ أم أنه جاء نتيجة خيارات فردية جريئة ظلت على حافة الصمود، من أول إذاعية، إلى أول قائدة طائرة، وصولًا إلى الفارسة الدولية نزيهة أبو السعود؟
لم نحظَ تاريخيًا بحركة نسوية قوية ذات جذور عميقة وراسخة ومبادئ واضحة، مع وجود استثناءات هنا وهناك. وعادة ما تتأثر التوجهات النسوية بالحالة السياسية وتوجهات نظم الحكم، خصوصًا في الدول التي لا تزال تفتقر إلى تجربة دستورية مستقرة ومتماسكة.
ومحليًا يبدو ذلك سهل الملاحظة. ففي عام 2018، هدمت حكومة الوفاق الوطني وبلدية طرابلس المركز مبنى الكلية العسكرية للبنات في شارع عمر المختار، وحوّلتا موقعه إلى حديقة عامة. كانت الكلية من المؤسسات الرائدة في تدريس العلوم الأمنية للنساء عربيًا وإقليميًا، وكان المبنى، بما يحمله من رمزية، شاهدًا على مرحلة سابقة من حضور النساء في مؤسسات الدولة. أما الجهة المنفذة، فقد وصفت الخطوة بأنها تهدف إلى إخلاء العاصمة من المقار العسكرية.
تسهم هذه الممارسات تدريجيًا في تضييق الخيارات الممكنة أمام النساء، فضلًا عن محو الذاكرة المرتبطة بحضورهن في بعض المؤسسات الرسمية. فكل مساحة تُفقد، من دون أن يقابل ذلك وعي جمعي يدرك دلالتها أو مشروع نسوي يدافع عنها، تصبح استعادتها أكثر صعوبة.
بخشم البندقة
تبدو المخاطر التي تتربص بحرية النساء “النسبية” حقيقية، وإن كانت ممزوجة بقدر من التناقض. إذ يفضل كثير من الناس التعامل مع النساء، خاصة في العيادات وبعض الأماكن العامة ووسائل التنقل، رغم الفاتورة المضاعفة التي قد تُدفع مقابل الخدمة الأخيرة. وفي المقابل، تميل فئة أخرى إلى المطالبة بحصر النساء في وظائف تقليدية، أو اعتبار البيت المكان الأكثر أمانًا والأقل فتنة.
لم تحسم كثير من الليبيات موقفهن من مفاهيم مصيرية، مثل المساواة أمام القانون ومعنى النسوية. ويختلف الوضع عن الجارة تونس، التي وضعت منذ عقود، وبقوة القانون، مجموعة من التشريعات الضامنة لحقوق المرأة، دون انتظار اكتمال الوعي المجتمعي أو تبلور أفكار جديدة داعمة عبر الزمن.
سابقًا، وبلغة القانون، امتلكت ليبيا قوانين جيدة إلى حد ما، مثل اشتراط الحصول على موافقة الزوجة الأولى أو إذن قضائي قبل السماح بالتعدد. انطوى هذا القانون على تقييد ضمني، وإن كان “محتشمًا”، لتعدد الزوجات. ثم أُلغي لاحقًا، بعد التصريح الشهير لرئيس المجلس الوطني الانتقالي في ما عُرف بخطاب التحرير، وتلى ذلك إقرار المحكمة العليا في ليبيا لهذا الإلغاء عام 2013.
يكشف الواقع التشريعي في ليبيا ضعف أصوات النساء، وربما يعود ذلك إلى غياب حراك نسوي حقيقي ومؤثر، قادر على حماية المكاسب القائمة والتصدي لأي محاولة لتقليصها. ظهر ذلك بوضوح عندما طالب وزير الداخلية عماد الطرابلسي بفرض ضوابط تتعلق بمظهر النساء وحريتهن، وهي تصريحات لاقت رواجًا وقبولًا اجتماعيًا لافتين، في مقابل غياب حراك نسوي منظم يواجهها. ولم تخفت تلك الموجة إلا بعد تدخل وضغوط دولية.
تواجد وزاري مرتبك
“لا تتزوجوا بالأجانب”، جملة تحذيرية أطلقتها وزيرة شؤون المرأة انتصار عبود في الحكومة الليبية التي تعمل من شرق البلاد. والأنكى من ذلك حديثها عما يشبه المصادفة التي جعلتها تتولى وزارة مهمة مثل وزارة المرأة، بقولها: “وزارة المرأة مش طموحي، رشحوني لوزارة الثقافة وتفاجأت بوزارة المرأة، أنا مجالي الثقافة”.
فهل تُسمى الوزيرات عبر لعبة الحظ؟
ينسحب ذلك أيضًا على غرب البلاد. شكليًا، تقلدت بعض الليبيات مناصب مهمة في الدولة، لكن كثيرات منهن ظللن مكبلات بسلاسل عقائدية وعرفية. وبعضهن يمارسن الشعبوية لنيل رضا الجمهور، حتى تحوّلن إلى نموذج أقرب إلى المؤثرات على منصات التواصل الاجتماعي منه إلى شخصيات تشغل مواقع يفترض أن تصنع السياسات وتدافع عن مصالح النساء.
على سبيل المثال، تخشى كثير من النساء المشاركات في الانتخابات نشر صورهن، ويكتفين بوضع إطار يجسد هيئة أنثى، ثم تنتهي القصة. ذلك لأن نساء كثيرات يحرصن على اتباع مسارات آمنة. إنها نصف ثورة تقود إلى حالة مرتبكة تتغذى على “التغذية الراجعة”، أي مراقبة رد فعل الشارع والتصرف بناء عليه. يوجد شكل مقبول اجتماعيًا للمرأة، وآخر مرفوض رفضًا تامًا. وعندما يتعلق الأمر باختيار مسار مختلف، غالبًا ما تنتصر عقلية رجعية تضع النساء جميعًا في قالب واحد.
ولهذا لن يتحقق التغيير من تلقاء نفسه. وهذا ما دفع الملهمة خديجة الجهمي إلى أن تصبح إحدى رائدات حقوق المرأة في ليبيا. فقد رسمت، عبر نضالها وصوتها الإذاعي وعملها النسوي، ملامح الحضور النسائي الوطني منذ خمسينيات القرن الماضي، في وقت لم يكن الطريق شائعًا أو مضمونًا.
وفي ليبيا، تسبب غياب حركة نسوية ذات مشروع متكامل في تشكّل تهديد حقيقي للمكاسب التي تحققت، وإن كانت قليلة. وأصبحت هذه الإنجازات في مهب عاصفة أصولية وضعت في صميم أهدافها إقامة وصاية أبوية على خيارات النساء، وذلك عبر تغليب منطق جماعي يصدر أحكامًا نهائية على جواز هذا العمل ومنع ذاك، طبقًا لمنهجية ظلامية تصف المرأة بنقص الأهلية، وترد أحكامها واختياراتها إلى العاطفة والاندفاع.
ولهذا تبدو صورة الباريستا الليبية في مقهى صغير بطرابلس أبعد من مجرد خيال طريف. إنها اختبار بسيط لكل ما نقوله عن حضور النساء وحقهن في العمل والاختيار. فالمجتمع الذي لا يزال يستغرب امرأة تقف خلف ماكينة القهوة، قد لا يكون قد حسم بعد موقفه من وجودها في المجال العام أصلًا، مهما كثرت الوزيرات والنائبات والوجوه النسائية في المؤسسات.