ما نعرفه حقًا عن سلامة ما نأكله
في ظل شح المعلومات الرسمية المنشورة حول سلامة الإمدادات الغذائية في ليبيا، جاء الكشف الأخير من مكتب النائب العام ليقدم أحد المؤشرات القليلة المتاحة التي تلقي الضوء على واقع الرقابة، وتفتح الباب أمام أسئلة أوسع حول ما نعرفه وما لا نعرفه عما نأكله.
فقد كشف مكتب النائب العام أن 65% من العينات التي جُمعت من بعض المزارع، ومن المحاصيل الزراعية المعروضة للبيع مباشرة للمستهلك في طرابلس وبنغازي ومصراتة، احتوت على بقايا سبعة مبيدات محظورة أو مواد مصنفة دوليًا بأنها مسرطنة أو مطفِّرة. وهو ما يُشير إلى خلل في منظومة يفترض أن تحمي صحة المواطنين. فالعينات التي خضعت للتحليل خلال فبراير 2026 لم تكن من الحقول فقط، بل من منتجات وصلت إلى الأسواق، أي أنها كانت جزءًا من دورة الاستهلاك اليومية. وهو ما يجعل القضية تتجاوز الزراعة لتصبح قضية صحة عامة وثقة في منظومة الرقابة.
وتكشف هذه النتائج حاجة ملحة لمعرفة كيف دخلت هذه المبيدات المحظورة إلى ليبيا، وكيف عبرت المنافذ والموانئ، والجهة التي سمحت بتداولها، وكيف وصلت إلى الأسواق ثم إلى المزارعين والمستهلكين، وتحديد نطاق مسؤولية الجهات المختصة بالاستيراد والرقابة الزراعية وسلامة الغذاء.
ففي مايو 2026، رفضت عدة دول أوروبية شحنات من الخضروات والفواكه المصرية بعد أن كشفت الفحوصات المخبرية احتواءها على بقايا مبيدات تجاوزت الحدود المسموح بها أو تضمنت مواد محظورة أو مقيدة الاستخدام داخل الاتحاد الأوروبي، مثل كلوربيريفوس، وديميثوات، وأوكساميل، وإيميداكلوبريد. وقد سجل نظام الإنذار السريع للأغذية والأعلاف في الاتحاد الأوروبي (RASFF) هذه المخالفات، لترفض الشحنات في هولندا وقبرص وإيطاليا.
أمّا في ليبيا، فلا تتوفر حتى الآن بيانات رسمية دورية منشورة للرأي العام حول عدد العينات الغذائية التي تخضع للفحص، أو نسب المطابقة للمواصفات، أو حجم الشحنات التي يُمنع تداولها أو يُتلف جزء منها. غياب هذه البيانات يجعل من الصعب تقييم مدى فاعلية المنظومة أو قياس أدائها، ويحرم الباحثين والمستهلكين من معلومات أساسية تتعلق بالصحة العامة. نشر هذه البيانات مهم لتعزيز الشفافية وبناء الثقة بين الجهات الرقابية والمواطنين، وإتاحة المجال أمام الباحثين لتتبع المخاطر الصحية المحتملة ورصد الاتجاهات وتقييم السياسات العامة.
وتشير إفادات أكاديمية من جامعة سبها إلى أن الاستخدام غير المنضبط للمبيدات الزراعية يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه القطاع الزراعي في ليبيا. فوفق هذه الإفادات، أسهم ضعف الإرشاد الزراعي والرقابة على الأسواق في انتشار ممارسات غير دقيقة في استخدام المواد الكيميائية، بما في ذلك عدم الالتزام بفترات الأمان أو الجرعات الموصى بها، وهو ما قد يؤدي إلى بقاء آثار من بعض المبيدات في المنتجات الزراعية عند وصولها إلى المستهلك.
ويقول الدكتور عبدالله محمد أده، عضو هيئة التدريس بقسم وقاية النبات بكلية الزراعة – جامعة سبها، إن الوضع البيئي والزراعي في المنطقة “غير مطمئن”، موضحًا أن المبيدات تُستخدم في كثير من الأحيان دون إشراف علمي أو إرشاد زراعي فعّال، ما أدى إلى تلوث التربة والمياه الجوفية وظهور آفات مقاومة للمبيدات. وأكد أده أن الدراسات العلمية أثبتت وجود بقايا مبيدات في المنتجات الزراعية، محذرًا من انتقالها عبر السلسلة الغذائية وما قد يترتب على ذلك من مخاطر صحية، بينها الفشل الكلوي وتليف الكبد وبعض أنواع السرطان.
كما يشير مهندسون زراعيون إلى استمرار تداول بعض المبيدات غير المطابقة للمواصفات أو منتهية الصلاحية، إلى جانب غياب الإشراف الفني المنتظم داخل عدد من المزارع، وهي عوامل تجعل الرقابة اللاحقة على المنتجات أكثر أهمية.
ومن جانبه، يؤكد عبدالله علي الشوفير، ماجستير علوم البيئة وعضو هيئة التدريس بجامعة وادي الشاطئ، أن الخطر لا يكمن في المنتج المحلي أو المستورد بحد ذاته، بل في منظومة الرقابة والممارسات الزراعية. وأوضح الشوفير أن الإفراط في استخدام الأسمدة النيتروجينية يرفع مستويات النترات في المحاصيل، بينما يؤدي استخدام المبيدات دون الالتزام بفترات الأمان أو الجرعات الموصى بها إلى انتقال بقاياها مباشرة إلى المستهلك. كما حذر من ظاهرة “التكبير الحيوي”، حيث تتراكم المواد الكيميائية في الحيوانات التي تتغذى على نباتات ملوثة، ثم تنتقل إلى الإنسان عبر السلسلة الغذائية، ما يزيد من احتمالات التعرض لمخاطر صحية على المدى الطويل. ويرى الشوفير أن المشكلة لا تتعلق بفقدان الثقة في الإنتاج المحلي، وإنما بغياب منظومة رقابية شفافة تُخضع جميع المنتجات، المحلية والمستوردة، للفحص الدوري، وتنشر نتائجه للرأي العام، بما يضمن حق المستهلك في معرفة مدى سلامة غذائه.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال المشكلة في المزارعين أو العمال الزراعيين أو المستوردين. فسلامة الغذاء مسؤولية منظومة كاملة تنظّم استيراد المبيدات وتمر بالإرشاد الزراعي والتفتيش الميداني، وتوكل إليها مهام الفحوصات المخبرية ونشر نتائجها. ولذلك فإن أي خلل في إحدى حلقات هذه السلسلة ينعكس على قدرة الدولة على حماية المستهلك.
من جهته، أوضح الدكتور محمد مفتاح أمداكم، عميد كلية الزراعة بجامعة سبها، أن ضعف وعي بعض المزارعين بخطورة المبيدات، إلى جانب غياب الإرشاد الزراعي وضعف الرقابة على الأسواق الزراعية وعدم مطابقة بعض المبيدات للمعايير العلمية، أسهم في تفاقم المشكلة.
ويوافقه الرأي المهندس الزراعي عبدالسلام محمد صقر، الذي يعمل في القطاع الزراعي منذ عام 1990، اذ أكّد أن الاستخدام غير المرشد للمبيدات تسبب في أضرار صحية وبيئية داخل بعض المزارع. وأشار إلى أن جزءًا من المشكلة يرتبط بانتشار مبيدات عبر قنوات غير منظمة، وفي بعض الحالات دون إرشادات زراعية واضحة، ما يزيد مخاطر سوء الاستخدام والتعرض غير الآمن للمزارعين والبيئة المحيطة.
وأوضح صقر أن تحديد الجرعات وفترات الأمان يعتمد على التعليمات المدونة على العبوات وعلى الخبرة الزراعية، لكنه لاحظ آثارًا سلبية للمبيدات على التربة والمحاصيل مع مرور الوقت. كما أشار إلى أنه واجه هو وبعض العمال مشكلات صحية مرتبطة باستخدام أنواع أو كميات معينة من المبيدات. وشدد على ضرورة أن تتم عمليات الرش تحت إشراف مرشد أو مهندس زراعي مختص، مع ضبط سوق المبيدات وتوفير مكاتب إرشاد زراعي تساعد المزارعين في معرفة الجرعات المناسبة وفترات الأمان، بما يضمن حماية المستهلك والبيئة.
يرى مختصون في علوم البيئة أن المخاطر المرتبطة بالغذاء لا تنشأ عادة من عامل واحد، بل من مجموعة عوامل متراكمة. فالإفراط في استخدام الأسمدة النيتروجينية قد يؤدي إلى ارتفاع مستويات النترات في بعض المحاصيل، بينما قد يترتب على سوء استخدام المبيدات انتقال بقايا كيميائية إلى المنتجات الزراعية، كما يمكن لبعض هذه المواد أن تتراكم عبر السلسلة الغذائية إذا غابت الرقابة الكافية. غير أن تقييم حجم هذه المخاطر يتطلب بيانات علمية ورقابية منشورة بصورة منتظمة.
وتكمن أهمية هذه المسألة في ظل المؤشرات الصحية المسجلة في ليبيا. فقد سجل السجل الوطني للسرطان أكثر من أحد عشر ألف حالة ضمن تقرير عام 2020، كما أشارت دراسات وبائية سابقة في شرق ليبيا إلى معدلات إصابة تراوحت بين نحو 95 و118 حالة لكل مئة ألف نسمة. ولا تثبت هذه الأرقام وجود علاقة مباشرة بين جودة الغذاء والإصابة بالسرطان، إذ تتداخل عوامل عديدة، من بينها البيئة، والتلوث، ونمط الحياة، والعوامل الوراثية، لكنها تؤكد الحاجة إلى بيانات صحية ورقابية أكثر انتظامًا تسمح بفهم هذه المؤشرات وتحليلها على أسس علمية.
تكشف نتائج التحاليل التي أعلنها مكتب النائب العام أن القضية لم تعد مجرد افتراض بوجود خلل، بل أصبحت تتطلب فهم حجمه ومعالجته. فوجود بقايا مبيدات محظورة في منتجات وصلت إلى الأسواق يفرض مساءلة شاملة تمتد من استيراد المبيدات وتسجيلها، مرورًا بتداولها والإشراف على استخدامها، وحتى فحص المنتجات والإعلان عن النتائج. ولذلك فإن نشر البيانات ليس ترفًا إداريًا، بل هو أساس حماية الصحة العامة؛ فهو وحده ما يتيح تقييم فاعلية الرقابة، وتحديد مواطن الخلل، وبناء ثقة المواطنين على أساس الشفافية والمساءلة، بدلاً من الاكتفاء بتدخلات لاحقة، والانتقال نحو منظومة وقائية تعمل بانتظام وتعلن نتائجها للجمهور.