هل من الممكن أن تكون ثمرة ما أكثر من مجرد غذاء؟ أعتقد أن التمر حقق هذه التجربة الفريدة التي تربطه بمحبيه، من زارعيه وآكليه، لأنه ثمرة ترقى إلى مرتبة القداسة، وتحيط بها هالة من الاهتمام الفائق على مدار العام، حتى يحين موعد جنيها من عراجينها الذهبية المتدلية.
من أولى الأشياء التي تُطعمها الأم لطفلها في مدينتي حبة تمر، رطبة وغنية بالسكر، يتعرّف من خلالها على السكريات غير المصنّعة، ليدخل التمر في روتينه الغذائي منذ سنواته الأولى، لاعتقادنا التام، نحن أهل الصحراء والتمر، أن قداسته تحول دون أن يكون مضرًا بأي شكل، وهو اعتقاد خاطئ بطبيعة الحال.
التمر ليس مجرد ثمرة وجدناها ملائمة لبيئتنا الصحراوية، في واحة تنتج أكثر من 75 ألف طن سنويًا، أي ما يعادل 40 في المئة من إجمالي إنتاج ليبيا، بل ارتبط به أجدادنا لأنه كان زادهم في الحرب والجوع، وحتى في أثناء التهجير فيما يُعرف بـالجلوة عام 1929، عندما هجّر المحتل الإيطالي أهالي مدينة هون إلى المدن المجاورة عقابًا لهم على جهادهم. كان التمر يبقيهم أحياء وقادرين على المشي في الصحراء تحت لهيب الشمس، ويشكّل مؤونتهم في معاقل الحصار.
وعلى الرغم من قسوة بيئة الصحراء وقلة تنوع ثمارها، فإن ما يميز التمر عن غيره من الثمار ملاءمته لجميع فصول السنة، وتحمّله درجات الحرارة العالية، وتوافره بكثرة طوال العام في المناطق المشهورة بإنتاجه، إذ يحرص أهلها على تخزينه وحفظه جيدًا. وحتى مع انقطاع الكهرباء، يكون التمر من الأولويات التي يجب الحفاظ عليها من الفساد.
ولكل عائلة، سواء أكانت تمتلك مزرعة أم لا، مخزون سنوي من التمر، وإن لم يكن لديها احتياطي منه، فإن أمنها الغذائي يكون في خطر، لا سيما عند الاستعداد لشهر رمضان، إذ يتزوّد الناس مع اقترابه بكميات كبيرة من التمر بأنواعه المختلفة.
يرتبط التمر بطفولتي ارتباطًا وثيقًا، حين كان جدي يهتم بمزرعته ويستعد لموسم التمر، الذي يبدأ في نهاية أغسطس. كنا نرافقه في بعض الأيام عندما يخرج إلى المزرعة بعد العصر، ونتسابق لجمع أكبر كمية من التمر، الذي يكون في تلك المرحلة نصف ناضج، في منزلة بين البلح والتمر، ونطلق عليه ”امبّقع“. ولم تكن عملية الجمع تخلو من وخزات شوك النخلة في جريدها، لكننا لم نكن نأبه بها، بل نستمتع بجمع التمر وأكل الكثير منه في أثناء ذلك.
نعود إلى بيت جدي محمّلين بالتمر المبقّع، ليكون جزءًا من وجبة ما بعد المغرب، التي تتكوّن من التمر والبطيخ، وهو ما يُعرف بالفقوس مكتمل النضج، إلى جانب اللبن أو الحليب. وترتبط هذه الوجبة الصيفية الموسمية، التي لا يتجاوز موسمها فترة قصيرة جدًا، بالعائلة، ويتهادى بها الأحباب ممن يمتلكون مزارع، فهي أثمن ما تجود به أرضنا. وعلى الرغم مما طرأ اليوم من تغيّرات، مثل بيع البطيخ، فإنه لم يكن في السابق سلعة تدخل الأسواق، إذ يقضي العرف الهوني بألا يُباع، بل يُهدى إلى الآخرين مع قليل من التمر.
ومن ذكريات طفولتي المحببة المرتبطة بالتمر نخلة في مزرعة عمي من نوع ”خضراي“، نسبةً إلى لون تمرها المائل إلى الأخضر، الذي يُعدّ من أجود الأنواع ولا يتوافر بكثرة. ولأن النخلة كانت قديمة، فقد ارتفعت في السماء وأصبحت عراجينها بعيدة جدًا، يصعب قطف التمر منها إلا بتسلّقها أو استخدام سُلّم. حينها قال لي والدي رحمه الله: ”حتركبي النخلة وتنقّي تمرات“. وبالفعل، صعدت السلّم إلى عراجين النخلة، وكانت عالية جدًا، إلا أن التجربة كانت مشوّقة، ولا يستطيع قلب طفلة رفضها. جمعت ما استطعت من تمر، وكان يومًا استثنائيًا أتذكره كلما مررت بجانب النخلة.
تحكي لي أمي دائمًا عن سنوات طفولتها وصباها في المزرعة، عندما كانت، مع أبناء عمومتها وبناتهم، تساعد جدي في موسم التمر. كانوا ينقسمون إلى مجموعات، يسقون النخيل ويجمعون التمر، ويحكون القصص في أثناء العمل، ويتسابقون إلى إنهاء المهمة التي كانت شاقة أحيانًا، ولا سيما على البنات. إلا أنهن لم يكنّ يفوّتن يومًا واحدًا، حتى إنهن كنّ ينجزن فروضهن المدرسية تحت ظلال النخيل. ومع مغيب الشمس، كانوا يعودون إلى البيت لينتهي اليوم، ويبدأ آخر بالطريقة نفسها، إلى أن ينتهي الموسم.
كان جدي من بين العاملين في مصنع التمور في هون، الذي أُنشئ في ستينيات القرن الماضي. كان ذلك المصنع حلم المنطقة، لكنه سرعان ما تبدد بإغلاقه بعد سنوات قليلة من العمل بسبب سوء الإدارة. كان المصنع ينتج أنواعًا مختلفة من التمور ويصدّرها إلى مختلف مناطق البلاد، من التمر العادي إلى المعجون بأنواعه، وأسهم في إنعاش اقتصاد منطقة الجفرة بأكملها، التي يعتمد اقتصادها بصورة رئيسية على الزراعة، ولا سيما زراعة التمور.
منذ أن وعيتُ على الدنيا وأنا أعرف مكان المصنع، إذ أصبح أحد معالم المدينة المهجورة، ويشغل حيزًا كبيرًا من جهتها الغربية. ومرّ إهماله بمحطات عدة، أهمها أن أيدي الفاسدين طالته خلال الأعوام الماضية، وسُرق ما تبقى فيه من معدات. وفي فترة أخرى، عندما ازدحمت البلاد بالكتائب المسلحة، تمركز بعضها فيه مدة طويلة، وأصبح ثكنة عسكرية نمرّ أمامها ونشاهد السيارات المدججة بالأسلحة تستظل تحت نخيل المصنع، في مشهدٍ بدا سرياليًا ويؤكد عبثية بلادنا.
وفي كل مرة تتغير فيها الحكومة أو المجلس البلدي، يَعِد المسؤولون بإعادة تشغيل المصنع، عازفين على وتر شديد الحساسية في وجدان المزارعين. لكنه لا يزال مغلقًا إلى اليوم، عالقًا في ذاكرة الأهالي، فيما يأملون إعادة تشغيله يومًا ما.
عندما نقول إن التمر ركيزة المنطقة ويشكّل هويتها الوطنية، فإننا لا نبالغ. فبعد فشل المصنع وركود اقتصاد الجفرة، ارتأى عدد من العاملين في المجتمع المدني، في أواخر التسعينيات، إنشاء مهرجان يحتفي بكل ما تنتجه النخلة. وهكذا انطلق مهرجان الخريف لمنتجات الصحراء وفنونها، الذي تغيّر اسمه بعد أعوام قليلة إلى مهرجان الخريف السياحي في هون، وتُقام هذا العام دورته الثلاثون. وخُصّص خلال المهرجان معرضان مرتبطان بالنخلة، أحدهما لبيع أنواع التمور، والآخر فني سُمّي «معرض فنون النخلة». ويتخذ المعرض من المدينة القديمة وأزقتها مكانًا له، وتحديدًا شارع «النوّار»، أحد آخر معالم المدينة القديمة الباقية. وعلى مدار شهرين أو أكثر من العمل قبل المهرجان، يصنع الحرفيون لوحات مختلفة من جريد النخلة وليفها ونواها، ويُباع نصفها خلال أيام المهرجان.
لا تزال استفادتنا من النخلة ومنتجاتها محدودة بسبب محدودية الإمكانات. فمن يرى العاملين في معرض فنون النخلة، على سبيل المثال، يدرك جيدًا حاجتهم إلى أدوات أفضل تمكّنهم من صنع قطع فنية بجودة أعلى.
كذلك انتعش قليلًا، خلال السنوات الأخيرة، عمل النساء في مجال السعفيات، الذي يمثّل سوقًا واسعة، بعدما عادت هذه المنتجات صرعةً يتبناها المشاهير والمؤثرون، فازداد الطلب عليها رغم قلة المعروض. ومع ذلك، لا توجد حتى اليوم سوق محلية للمنتجات التقليدية، التي تندرج ضمنها منتجات النخلة باستثناء التمر.
وكما يدخل التمر في تشكيل الهوية العامة للمنطقة، فإنه يدخل أيضًا في الهوية الشخصية لكل من يأتي من منطقة الواحات أو الجنوب، إذ غالبًا ما يطالبه أصدقاؤه من المدن الأخرى بالقليل من التمر. أذكر أن رجل أمن في طرابلس، حين عرف أنني من هون، قال لي مرة بسخرية مستفزة: ”نبّي شوية تمر“.
كما رافق التمر كثيرين في رحلاتهم، وركب الطائرات وقطع مسافات طويلة، لأننا نؤمن بقداسته وبقدرته على بعث السعادة في نفوس الجميع. وعن النخلة كتب أحد مزارعي هون نصًا شعريًا يصف علاقته بها.
”نغنّي على جيّابة المصيون
عنوي عليها إنها طويلة وعالية
ولا كيفها تفاح ولا ليمون
ولا كيفها مولاة السنام البالية
سنين الجدب وقت المطر بلهون
تخلّي الخوابي والغراير مالية“.